منوعات

اللقـمة ج 1 حكـايات مني السيد

«إيه هي؟»

«ممدوح مش بس متلاعب في الميزانية عشان يخفي مصاريف شقة دنيا.. ممدوح كاتب الشقة دي باسم إياد، والوصية عليها هي دنيا، ودفع تمنها من شيكات مرتبطة بالشركة المشتركة معاه».

ضحكت بمرارة:

«يعني كان بيستخدم أرباح تعبي وشقاي عشان يأمن مستقبل ابن أخوه ومراته؟»

طارق كمل:

«وأزيدك من الشعر بيت؟ التحويلات اللي كانت بتطلع من حساب الشركة باسم مؤسسة الأمل للتوريدات، اللي كنتي فاكراها شركة خامات، اتضح إن فيها مخالفات في السجلات. والموضوع محتاج تحقيق قانوني كامل».

في اللحظة دي حسيت كأن مية ساقعة ادلقت على دماغي، لكن المرة دي صحتني من غفلة سنين.

المسألة مكنتش مجرد تصرف سيئ في مطعم، ولا مجرد خلاف عائلي.

كانت فيه تصرفات مالية محتاجة مراجعة قانونية دقيقة، وكان لازم أحمي حقوقي وحقوق بنتي.

«طارق.. الورق ده كله يجهز منه نسختين. نسخة للإدارة القانونية، ونسخة للجهات المختصة».

«جاهز من دلوقتي.. بس الصبح أنا هبدأ بالإجراءات في البنك».

«لا»، قلتله وأنا بقف على حيلي والوجع اتبخر من جسمي تقريبًا.

«أنا اللي هروح البنك الصبح».

«إنتِ؟ سارة، إنتِ تعبانة و…»

«أنا بقيت كويسة جدًا.. أنا عمري ما فوقت في حياتي زي الليلة دي».

الساعة 9 الصبح، شمس خريفية باهتة كانت طالعة فوق القاهرة.

كنت روحت البيت القديم بتاع بابا في مصر الجديدة، أخدت شاور، غيرت هدومي ولبست تايير كحلي فورمال، ولميت شعري، لكن ملامحي كانت ثابتة.

مريم سبتها مع ماما وأختي في أمان، وكانت صحتها بقت أحسن كتير.

وصلت الفرع الرئيسي للبنك في التجمع الخامس.

دخلت بثقة، والموظفين رحبوا بيا لأني معروفة عندهم، ودخلت قعدت في الأوفيس الداخلي الملحق بمكتب طارق، بحيث أكون متابعة اللي بيحصل من ورا الإزاز.

الساعة 9:45، دخل ممدوح.

كان ماشي واثق من نفسه، لابس البدلة الكحلي اللي عرفتها، وراشش البرفان الغالي اللي كنت أنا شرياهوله في عيد ميلاده اللي فات، وماسك في إيده شنطة جلد سودا شيك.

والغريب.. إنه مكنش لوحده!

دنيا كانت معاه.

لابسة طقم شيك ونضارة شمس رافعاها على شعرها، وماشية جنبه وهي بتضحك معاه.

دخلوا مكتب طارق.

طارق كان قاعد ورا مكتبه، وشه هادي وخالي من أي تعبير، وقدامه ملف القرض وشوية ورق مرتبين.

ممدوح مد إيده بحرارة:

«أهلًا يا باشا! صباح الفل والياسمين على أحسن مدير ائتمان في مصر!»

طارق مبادلش المصافحة، واكتفى بهزة راس:

«صباح الخير يا ممدوح.. اتفضلوا».

ممدوح ارتبك للحظة، لكنه قعد، ودنيا قعدت على الكرسي اللي جنبه وحطت شنطتها على المكتب.

قال ممدوح:

«أحب أعرفك برضه يا طارق بيه، دي دنيا هانم، شريكتي الجديدة اللي هتتولى إدارة قطاع التوريدات في التوسع الجديد اللي هنعمله بفلوس القرض».

دنيا مدت إيدها:

«أهلًا يا طارق بيه، ممدوح دايمًا بيكلمني عن ذكائك ووقفتك جنبه».

طارق فتح الملف قدامه وبدأ يقلب في الورق بهدوء:

«تمام. خلينا ندخل في الموضوع على طول عشان عندي اجتماع مجلس إدارة كمان ربع ساعة».

ممدوح فرك إيديه بلهفة:

«خير يا رب.. كل الأوراق مستوفية والشيكات جاهزة؟ القرض بتاع العشرة مليون هيتصرف النهارده ولا بكرة الصبح؟»

طارق رفع عينه وبصله في هدوء:

«هو الصراحة يا ممدوح.. فيه مشكلة عطلت الصرف».

وش ممدوح اتغير للحظة:

«مشكلة إيه يا طارق؟ إحنا مراجعين كل حاجة مع المحاسب القانوني، وكل الضمانات موجودة!»

«المشكلة الأولى.. في الضامن».

طارق طلع ورقة وحطها قدامه:

«الضامن المتضامن في شركتكم هي سارة السيوفي.. وسارة النهارده الساعة 8 الصبح قدمت إخطار رسمي للبنك برفع مسؤوليتها عن أي تسهيلات ائتمانية جديدة للشركة، وسجلت اعتراض رسمي على القرض».

ممدوح اتوتر وقال:

«سارة؟! سارة بتتصرف كده بسبب خلاف عائلي حصل إمبارح؟! طارق، متدخلش شغل البنك في المشاكل العائلية».

دنيا اتدخلت بصوت هادي:

«سارة متهورة وبتاخد الأمور على أعصابها بزيادة، مش معقول تضيع مستقبل شركة بسبب خلاف بسيط».

طارق بص لها بهدوء، ثم رجع لممدوح:

«التوكيل اللي معاك يا ممدوح.. ملغي من شهرين في توثيق الأهرام بالجيزة. واستخدامك لتوكيل ملغي في تقديم أوراق رسمية للبنك موضوع لازم يتراجع قانونيًا».

ممدوح بدأ يتوتر:

«ملغي؟ ملغي إزاي؟! هي مقالتليش!»

«ومش هتقولك».

الصوت مكنش صوت طارق.

الصوت كان صوتي أنا، وأنا بفتح باب الأوفيس الداخلي وبخرج بهدوء وثقة.

ممدوح ودنيا وقفوا في نفس اللحظة.

بصولي بصدمة.

مكنتش سارة اللي كانت مرهقة في المطر إمبارح.. كنت سارة اللي قررت تحمي نفسها وبنتها وحقوقها.

«سارة؟!» ممدوح تمتم وشفايفه بتترعش.

«صباح الخير يا ممدوح.. صباح الخير يا دنيا».

وقفت ورا كرسي طارق وحطيت إيدي على ضهره.

دنيا حاولت تبتسم:

«سارة.. إنتِ فاهمة غلط، إحنا…»

«كفاية».

الكلمة اتقالت بنبرة هادية، لكنها كانت واضحة.

ممدوح حاول يستجمع نفسه:

«سارة.. بطلي تصرفاتك دي، إنتِ بتخربي بيتنا وبتدمري شركتنا! القرض ده لو متصرفش النهارده الشركة هتدخل في تعثر».

«وده موضوعك إنت».

رديت بهدوء.

«شركتك إنت اللي في موقف صعب.. أما حقوقي وأصول عيلتي، فتمت مراجعتها قانونيًا من الصبح. والشركة دي مبقاش حيلتها غير الديون والالتزامات اللي إنت مسؤول عنها».

طارق خبط بالقلم على المكتب خبطتين، وقال:

«والمشكلة التانية يا ممدوح.. مش مجرد رفض القرض».

ممدوح بص لطارق بقلق:

«أمال إيه؟»

طارق طلع الملف التاني:

«المشكلة التانية هي شركة الأمل للتوريدات اللي مسجلة باسم الست دنيا، واللي ظهر من المراجعة الأولية إن فيه تحويلات مالية كبيرة خرجت من أموال الشركة الأصلية على مدار سنتين بفواتير تحتاج للتحقق من صحتها. البنك أحال الملف للإدارة القانونية والجهات المختصة للمراجعة».

دنيا قالت بانفعال:

«أنا ماليش دعوة! هو اللي كان بيقولي أمضي وهو اللي كان بيحول الفلوس لحسابي!»

ممدوح رد عليها:

«اسكتي!»

دنيا رفعت صوتها:

«لا، مش هسكت! إنت هتحملني المسؤولية عشان تحمي نفسك؟!»

وقفت أتفرج عليهم وهم بيكشفوا كل حاجة بنفسهم.

كل واحد فيهم كان بيحاول ينقذ نفسه.

ممدوح سابها واتجه ناحيتي، وحاول يستعطفني:

«سارة، أرجوكي سامحيني! أنا جوزك وأبو بنتك! اتصرفّت غلط، وضغط الناس حواليا خلاني أخد قرارات مكنتش لازم أخدها. أرجوكي متصعديش الموضوع».

نزلت لمستواه، وبصيت في عينيه مباشرة.

قلت:

«فاكر لما مريم كانت بتترجاك إمبارح عشان حتة لحمة بـ180 جنيه، وسببت لها موقف صعب قدام الناس؟»

بلع ريقه وقال:

«فاكر.. كنت غلطان».

«وفاكر لما سيبتنا في المطر ومشيت؟»

«فاكر».

«ومريم إمبارح دخلت الطوارئ بسبب الحساسية اللي إنت عارفها كويس».

ممدوح نزل عينه.

«أنا مش هعمل أي حاجة خارج القانون، لكن من النهارده كل تصرف هيتم من خلال الجهات المختصة».

شلت التليفون وكلمت الأمن الداخلي للبنك:

«يا فندم، الضيوف اللي في مكتب أستاذ طارق خلصوا.. وفيه جهات مختصة مستنياهم تحت في الاستقبال».

دنيا بدأت تعيط:

«ابني يا ناس! إياد هيضيع! بيتي هيتخرب!»

بصيتلها وقلت:

«ابنك عنده أمه.. اهتمي بتربيته، وعلميه احترام الناس وحقوقهم».

الأمن دخل، وتم اصطحاب ممدوح ودنيا خارج المكتب لاستكمال الإجراءات الرسمية.

ممدوح كان بينادي باسمي، وصوته كان بيرن في الممر، والناس كلها بتبص عليه.

طارق قفل الملف، وبصلي وابتسم ابتسامة صغيرة:

«ارتاحتي؟»

أخدت نفس عميق.

«لسة يا طارق.. لسة فاضل خطوة واحدة».

«خطوة إيه؟»

«عايزة أروح فيلا ممدوح.. ألم حاجتي، وأقابل الحجة تحية حماتي، عشان أسلم عليها بمناسبة عيد ميلادها اللي حصلت فيه كل المشاكل».

وصلت الفيلا في زايد، الفيلا اللي كنت أنا شرياها من ميراثي وكاتباها باسمنا إحنا الاتنين بالنص على أساس السكن المشترك.

فتحت الباب بالمفتاح، لقيت حماتي قاعدة في الريسبشن بتشرب القهوة ومروقة بالها، ومشغلة التليفزيون، وإياد قاعد في الجنينة بيلعب بالبلايستيشن الجديد اللي ممدوح كان شاريهوله.

حماتي بصتلي وقالت:

«أهلًا يا ست هانم.. لسه فاكرة ترجعي؟ عملتي مشكلة إمبارح وعكننتي علينا، ودلوقتي جاية تدخلي عادي كده؟ فين ممدوح مجاش معاكي ليه؟»

دخلت وقفت في نص الصالة، وحطيت المفاتيح على الترابيزة الرخام.

قلت:

«ممدوح دلوقتي بيستكمل إجراءات رسمية مع الجهات المختصة.. ومعاه دنيا».

الفنجان وقع من إيد حماتي.

«إيه؟! بتقولي إيه يا بنتي؟! ممدوح؟!»

«أيوه يا حجة. أنا النهارده رجعلي عقلي. ابنك بقى عليه تحقيقات بسبب مخالفات مالية وأوراق محتاجة مراجعة، ومعاه دنيا اللي كانت مرتبطة بالتحويلات اللي ظهرت في الملف».

حماتي وقفت:

«كذابة! ابني مبيعملش كده! ده كان بيساعد الغلبانة وابنها!»

رديت بهدوء:

«الخير عمره ما يكون على حساب حقوق الناس يا حجة تحية».

وبعدين قلت:

«والفيلا دي؟ قدامك ساعتين تلمي هدومك وهدوم ابنك وترجعوا على شقتكم القديمة في شبرا، لأن الفيلا دي ملك مشترك، وإجراءاتها القانونية هتتراجع بالكامل».

حماتي شهقت:

«شبرا؟! عايزاني أرجع شبرا بعد العز ده كله؟! أنا أم جوزك وليا حق في البيت ده!»

«مفيش حد هيتعرض للظلم. وكل حق هيتحدد بالمستندات والقانون. العز ده كان جزء كبير منه من فلوسي، ومش هسمح لحد يستخدمه ضدي».

سبتها وهي بتتكلم بانفعال، وخرجت للجنينة.

إياد كان واقف مبرق وخايف، ولما شافني وقف مكانه.

بصيتله من بعيد ومقولتلوش ولا كلمة.

ركبت أوبر ورجعت على بيت بابا.

فتحت الباب، لقيت ريحة شوربة خضار دافية وريحة لحمة محمرة طالعة من المطبخ.

مريم كانت قاعدة على السفرة في الصالة، لابسة بيجامتها الروز، وماما قاعدة بتأكلها ومبتسمة.

أول ما مريم شافتني، ابتسمت وقامت تجري عليا:

«مامي!»

نزلت على ركبي وحضنتها بكل قوتي.

دفنت وشي في شعرها واستنشقت ريحتها النضيفة اللي تسوى الدنيا وما فيها.

«وحشتيني يا قلب مامي.. بقيتي كويسة؟»

«أنا بقيت كويسة خالص يا مامي.. وتيتا عملتلي كباب حلة وريش زي اللي كنت عايزاها إمبارح، وقالتلي كلي براحتك ومحدش هيزعقلك».

بصيت لماما، وعيني دمعت، بس المرادي كانت دموع راحة.

بعد فترة، اتراجعت الملفات رسميًا، واسترديت حقوقي وفق الإجراءات القانونية، وكل طرف اتحمل مسؤولية تصرفاته حسب ما ثبت في التحقيقات والأحكام.

حماتي رجعت شقتها القديمة في شبرا، وبقت بتتابع الإجراءات مع المحامين.

أما أنا.. فقعدت جنب مريم على السفرة، قطعت حتة لحمة طرية، وحطيتها في طبقها بإيدي.

وقولتلها:

«كلي يا مريم.. كلي يا حبيبتي، وإوعي في يوم تستكتري على نفسك حاجة. إنتِ بنت سارة السيوفي، وعمرك ما تسمحي لحد يقلل منك أو من قيمتك».

يتبع…

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى