
حكايات سارة السيوفي – حصري
«عايزة لحمة ليه وإنتِ بنت؟ كلي سلطة وخضار»، ده كان كلام جوزي قبل ما يمد إيده بالشوكة ناحية إيد بنتنا بسبب طبق ريش بـ180 جنيه.
قلبي وجعني وأنا شايفاها بتكتم دموعها بالعافية، خصوصًا إنه من شوية دفع قريب من 2000 جنيه علشان يدلع ابن أخوه.
ما اتخانقتش معاه.. أخدت بنتي في إيدي، وخرجت برة المطعم، وبعت رسالة بخصوص قرض الـ10 مليون جنيه اللي كان فاكر إنه خلاص في جيبه.
الجزء الأول
«لو بنتك عايزة لحمة، تتعلم تشقى وتتعب عشان تجيبها.. قدامها الخضار تاكل منه».
ده كان كلام ممدوح، قبل ما يلمس إيد مريم بالشوكة قدام العيلة كلها.
بنتي صرخت صرخة مكتومة وسحبت إيدها بسرعة، وصوابعها احمرّت في ثواني.
أنا اتسمرت مكاني.
كنا بنحتفل بعيد ميلاد حماتي، الحجة تحية، في مطعم مشويات ومأكولات بحرية في التجمع.
كنا دافعين البوفيه المفتوح للكل، بس مريم اللي عندها 9 سنين شافت طبق كباب وريش ضاني مخصوص وطلبته، وكان حسابه 180 جنيه زيادة فوق الفاتورة.
ممدوح شاف إن ده تبذير وقلة تقدير.
وقال ببرود: «البنات لازم يتعودوا يحافظوا على نفسهم. لو قعدت تاكل كده هتتخن ومحدش هيبصلها ولا يرضى يتجوزها».
حسيت بنَفَسي اتكتم، وقبل ما ألحق أرد، إياد ابن دنيا رفع إيده وقال بصوته العالي:
«يا عمو، أنا عايز طاجن الاستاكوزا بالجبنة الكبير ده!»
الويتر قال إن الطاجن حسابه حوالي ألفين جنيه.
ممدوح وشه نوّر وضحك:
«من عيوني يا بطل! النهارده اطلب اللي على مزاجك كله».
وطلع الفيزا بتاعته وحطها على الترابيزة من غير حتى ما يفكر أو يناقش السعر.
حماتي طبطبت على راس الواد بحنية:
«أيوه كده.. دلّع راجل العيلة وسيدها».
دنيا ضحكت ضحكة مصطنعة.
دنيا دي أرملة أخوه الصغير اللي توفى من تلات سنين. ومن وقتها وممدوح عامل نفسه ولي أمرهم والمسؤول عنهم، بيدفع نص إيجار شقتها، ومصاريف مدرسة إياد، وبيديهم مصاريف شهرية بحجة عشان ميبقاش ناقصهم حاجة في غياب الغالي.
أنا عمري ما اعترضت ولا اتكلمت.
لحد اللحظة دي.
وبينما مريم بتبص في طبق السلطة بكسرة نفس، دنيا قشرت حتة من الاستاكوزا بإيدها وقربتها من بق ممدوح:
«دوق يا ممدوح.. طعمها تحفة بجد».
وهو فتح بقه وأكلها عادي جدًا.
حماتي كانت قاعدة بتبصلهم ومبسوطة.
كانوا قاعدين ولا كأنهم هما اللي متجوزين.
مريم شافت المنظر وحست بيه، وطت راسها وبصت في الأرض.
فجأة، إياد مسك منديل مليان زيت وبقايا أكل ورماه في وش بنتي:
«بتبصيلي ليه؟ نفسك في لحمة؟ اتفرجي عليا وأنا باكلها».
مريم جسمها كله ابتدى يترعش.
خبطت على الترابيزة بكل عزمي وقلت:
«اعتذر لها حالًا!»
الترابيزة كلها سكتت.
ممدوح بصلي بحدة:
«متعمليش مشكلة قدام الناس».
قلت له:
«ابن أخوك لسه أهان بنتك ورمى المنديل في وشها!»
دنيا خدت ابنها في حضنها بسرعة:
«ده طفل يتيم يا سارة.. حرام عليكي، خلي في قلبك شوية رحمة!»
«رحمة؟! أنا اللي قلبي قاسي؟!»
ممدوح وقف وقال:
«خلاص قفلوا على الموضوع. إياد هو الولد الوحيد اللي فاضل من ريحة أخويا. ومريم لازم تفهم إن الدنيا مش بتلف حواليها».
أخدت منديل نضيف، مسحت وش بنتي، ومديت إيدي ليها:
«يلا يا مريم، هنمشي».
ممدوح زعق بصوت عالي:
«لو عتبتي باب المطعم ده، متستنيش إني أجي وراكم ولا أسأل فيكم!»
مردتش عليه.
برة كان الجو اتقلب مطر وهوا ساقع ورعد.
وأنا حاضنة مريم تحت تندة الجراج بتاعة المطعم، طلعت موبايلي وطلبت رقم أخويا طارق.
طارق كان مدير قطاع ائتمان الشركات في البنك اللي ممدوح مقدم فيه على قرض بـ10 مليون جنيه، وكان ممدوح متعلق جدًا بالموافقة عليه عشان ينقذ شركته.
قلتله جملة واحدة بس:
«طارق.. افتح ملف قرض ممدوح وافحصه بالورقة والقلم كويس أوي.. في حاجات مستخبية في دفاتره ومحدش واخد باله منها».
بعد خمس دقايق، عربيتنا المرسيدس قربت ووقفت قدامنا.
مريم وشها نور وقالت:
«بابا جه ياخدنا يا مامي!»
بس ممدوح مكنش ناوي يقف أصلًا.
دنيا كانت راكبة جنبه قدام في الكرسي بتاعي، وحماتي وإياد ورا.
ممدوح نزل الإزاز شوية وقال:
«هتركبي بشرط واحد. من هنا ورايح إياد ده يتعامل زي ابنك بالظبط، وبلاش دور الحماية الزايدة اللي عملاه على بنتك ده».
بصيتله بذهول وقلت:
«ممدوح.. العربية دي بتاعتي وباسمي من قبل ما نتجوز أصلًا».
ملامح وشه اتغيرت، ونزل من العربية وقفّل الباب بعصبية.
«إنتِ لسه مش عارفة مقامك؟!»
وقدام بنتي، وتحت المطر، دفعني بقوة، فوقعت على الأرض في وسط بركة مية وطين.
مريم انهارت من العياط.
ممدوح ركب العربية ومشي مع عيلته وسابنا.
مكنتش أعرف إن الليلة دي بنتي هتدخل طوارئ المستشفى.. ولا إني قبل ما الفجر يطلع، هكتشف أزمة أكبر بكتير من مجرد خلاف عائلي.
المية الساقعة خرمت هدومي ودخلت في عضمي.
كنت واقعة على الأرض في قلب بركة المية والطين اللي قدام المطعم، وممدوح داس بنزين بكل انفعال، وعجل العربية نطر شوية طين ومية زادوا على هدومي ووشي.
بصيت على مريم.
البنت كانت واقفة مكانها، شفايفها زرقا من السقعة والخوف، وعينيها متعلقة بأثر العربية وهي بتبعد وسط نور الشارع والضباب.
كانت ماسكة في طرف دراعي بصوابعها الصغيرة اللي لسه متأثرة من الموقف اللي حصل مع الشوكة.
«مامي… قومي ونبي يا مامي، إحنا هنروح إزاي؟»
صوتها كان بيقطع، مش عياط عادي، ده كان شهيق طالع من صدرها بالعافية.
سندت كفي في الطين وقومت.
الوجع في جنبي مكنتش حاسة بيه، والغضب كان مسيطر عليا.
نفضت إيدي في المطر، ومسكت وش مريم بين كفوفي اللي بتترعش، ومسحت شعرها اللي لزق على جبينها:
«متخافيش يا قلب مامي. قومي معايا، متخافيش من حاجة طول ما أنا جنبك».
حاولت أوقف تاكسي، لكن الشارع في التجمع وقت المطر كان مزدحم.
فتحت تطبيق أوبر وإيدي كانت بتتحرك بصعوبة من البرد، وكل ما كابتن يوافق كان يعتذر بعدها بدقيقة لما يلاقي الدنيا صعبة.
مريم بدأت تكح، كحة ناشفة ومتعبة، وحسيت بجسمها بيسخن فجأة بين إيديا.
«مريم؟ حبيبتي.. بتكحي ليه كده؟»
البنت حطت إيدها على رقبتها:
«مش قادرة أتنفس يا مامي… زوري بيحرقني… بيقفل».
في اللحظة دي افتكرت.
المنديل!
إياد لما حدف عليها المنديل اللي كان عليه بقايا أكل، كان فيه آثار من الاستاكوزا.
مريم عندها حساسية شديدة من القشريات البحرية، وحساسية زي دي ممكن تسبب لها أزمة تنفسية خطيرة.
ممدوح عارف الكلام ده كويس.. عارفه وحافظه، لكنه في لحظتها ما انتبهش لخطر اللي حصل لبنته.
شيلت مريم على دراعي، ووزنها كان تقيل على جسمي المتعب، لكن الخوف عليها خلاني أتحرك بكل طاقتي.
جريت في اتجاه الشارع الرئيسي، والمطر بينزل في عيني وبيعميني، لغاية ما شفت ميكروباص راكن على جنب والسواق بينضف المساحات.
جريت عليه وخبطت على الإزاز بإيدي:
«بالله عليك يا أخي! البنت تعبانة جدًا.. وصلني أقرب مستشفى ولك اللي تطلبه!»
الراجل بص لمنظري، هدومي كلها طين ووشي متبهدل وشايلة بنت مرهقة وشفايفها بدأت تزرق.
اتخض ونزل فتح الباب:
«اركبي يا أستاذة بسرعة! اركبي الله يسترها معاكي ومعانا!»
طول الطريق لمستشفى الدفاع الجوي، وأنا قاعدة ورا حاضنة مريم.
البنت نفسها بقى عامل زي صفارة خشنة، وصدرها بيعلى ويهبط بسرعة، وعينيها بدأت تتعب.
وأنا مش بنطق غير بكلمة واحدة بكررها:
«يا رب.. يا رب بنتي.. يا رب احفظها ليا».
وصلنا الطوارئ، والسواق حتى مرضيش ياخد ولا مليم، وقال لي:
«ادخلي ببنتك يا أختي، ربنا ينجيها».
دخلت أصرخ في الاستقبال:
«دكتور! حساسية قشريات.. البنت نفسها قصير جدًا!»
التمريض جرى، ونقلوها على ترولي في ثواني، ودخل دكتور شاب ودكتورة تانية.
قال الطبيب:
«ضغطها واطي جدًا، والتشبع بالأكسجين 82. جهزوا الإبينفرين حالًا، وهاتوا العلاج المساعد وماسك أكسجين».
كنت واقفة على الباب، والممرضة منعتني أدخل.
سندت ضهري على الحيطة البيضا الباردة، وبدأت أتسحب لتحت لغاية ما قعدت على السيراميك.
بصيت على إيدي، الطين نشف عليها، وهدومي كانت بتنقط مية على أرضية المستشفى.
محدش كان يتخيل إن السيدة اللي شكلها مرهق دي هي سارة السيوفي، شريكة في تلت مصانع كابلات، وبنت عيلة السيوفي اللي كانت بتساند ممدوح وشركته من أول ما دخل حياتها.
طلعت التليفون من جيبي بمعجزة ولقيته لسه شغال رغم المية.
لقيت مكالمتين فائتين من طارق، ورسالة من ممدوح.
فتحت الرسالة وصوابعي بتترعش:
«إنتِ اتهورتي يا سارة؟ إزاي تسبقينا وتنزلي قدام الناس وتحرجيني؟ أمي متضايقة ودنيا قاعدة بتعيط عشان ابنها حس إنه مرفوض بسبب تصرفك.
وعربيتك دي إنتِ ملكيش فيها حاجة خلاص، العربية دي داخلة في أصول الشركة اللي بينا، ولو فاكرة إنك هتستخدمي طارق وأهلك للضغط عليا، تبقي غلطانة.
ارجعي اعتذري لأمي ودنيا، وإلا ورقة انفصالك هتوصلك على بيت أبوكي».
قريت الرسالة مرة.. واتنين.. وتلاتة.
ضحكت.
ضحكت بصوت واطي وسط صوت أجهزة المستشفى.
الضحكة كانت مقسومة نصين: نص وجع على السنين اللي ضاعت، ونص إصرار إني أسترد حقي وأحمي بنتي.
دخلت الحمام بتاع المستشفى، غسلت وشي بمية حنفية متلجة، وربطت شعري المبلول لورا، وطلبت رقم طارق.
رد من أول رنة:
«سارة! إنتِ فين؟ كلمتك مرتين ومردتيش، ورسالتك بتاعة فحص الملف دي قلقتني.. في إيه؟ مال صوتك؟»
«طارق.. أنا في طوارئ المستشفى الجوي. مريم جالها أزمة تنفس بسبب حساسية الاستاكوزا».
طارق صوته اتحول في ثانية:
«إيه؟! إزاي؟! ممدوح فين؟! وأنا جاي حالًا».
«استنى يا طارق.. اسمعني الأول».
«اسمع إيه؟ بنتي وبنت أختي في الطوارئ وعايزاني أسمع؟!»
«طارق.. قلتلك اسمعني! صوتي طلع حاد لدرجة إنه سكت فجأة. ممدوح مش هنا. ممدوح هو اللي سمح لابن أخوه يرمي المنديل في وشها، وبعدها سابنا ومشي بالعربية، واخد معاه أمه ودنيا وابنها».
السماعة سكتت تمامًا، مكنش طالع منها غير صوت نفس طارق وهو متوتر.
«هو عمل كده؟»
سأل بصوت واطي.
«وعمل أكتر من كده. طارق، أنت سألتني في رسالتي عن ملف القرض.. هو القرض ده وصل لفين عندك في البنك؟»
«اللجنة كانت هتعتمد الموافقة النهائية بكرة الصبح يا سارة.. عشرة مليون جنيه بضمان أصول الشركة وسندات لأمر».
«ألغي القرض يا طارق».
«سارة، مش بس هوقفه.. أنا هراجع الملف كله».
«لا.. مش هتوقفه بمجرد الرفض العادي. أنا عايزاك تراجعه بسبب وجود مخالفات في الأوراق».
طارق سكت لثواني:
«مخالفات؟ إنتِ عارفة حاجة أنا مش عارفها؟»
«ممدوح بقاله تلت سنين بيسحب من سيولة الشركة عشان يغطي مصاريف شقة التجمع التانية اللي ساكنة فيها دنيا، ومقدم للبنك بيانات غير كاملة عن الوضع المالي للشركة، ومسجل العربية المرسيدس بتاعتي كأصل من أصول شركته بتوكيل عام كنت عاملاهوله زمان وقت ما كنا بنخلص إجراءات جمركية».
«والتوكيل؟»
«أنا لغيته في الشهر العقاري من شهرين لما شميت حاجة مش مظبوطة، وهو ميعرفش، واستخدمه في أوراق القرض عندكم».
طارق قال بجدية:
«لو ده مثبت بالمستندات، لازم نوقف الإجراءات فورًا ونخلي الشؤون القانونية تتعامل مع الموضوع».
«وده المطلوب».
«أنا مسافة السكة وجايلك المستشفى.. متتحركيش من هناك».
قفلت مع طارق، وخرجت وقفت قدام أوضة مريم.
الدكتور خرج وهو بيقلع الجوانتي، وشه كان مرهق لكن ملامحه هديت:
«مدام سارة؟ الحمد لله، لحقناها في الوقت المناسب. أخدت العلاج والأكسجين رجع لطبيعته، والتورم بدأ يقل.. بس لازم تفضل تحت الملاحظة هنا للصبح عشان نتأكد إن مفيش أعراض تانية».
ركبي خارت، وسندت على الباب وغمضت عيني.
«ينفع أدخلها يا دكتور؟»
«ينفع، بس هي نايمة دلوقتي».
دخلت الأوضة.
مريم كانت نايمة، وشها رجع لونه الطبيعي لكنه كان لسه شاحب، وكان فيه كانيولا في إيدها الصغيرة موصولة بمحلول.
قعدت على الكرسي جنبها، مسكت إيدها التانية وبوستها.
وقلت في سري:
«وعد مني يا بنتي إني مش هسمح لحد يقلل منك تاني، وهحمي حقك وكرامتك».
الساعة كانت داخلة على اتنين بالليل لما طارق وصل.
دخل الأوضة، بص على مريم وباس جبينها بحنية، وبعدين بص على هدومي المليانة طين.
قلع البالطو بتاعه وحطه على كتافي:
«حقك هيرجع يا سارة».
«مش حقي لوحدي يا طارق.. حق كرامتنا كلنا».
طارق طلع موبايله وحطه قدامي:
«من نص ساعة كلمت المستشار القانوني بتاع البنك، وراجعت الورق اللي ممدوح رافعه. لقيت مشكلة تانية».
بصيتله باهتمام:


