
سابني ومشي، وقفل الباب وراه وخرج في عتمة ليل المعادي. الليلة دي منمتش دقيقة، العجين اتخمر وأنا قاعدة قدامه شاردة، صورتها وصورته رايحين جايين قدام عيني.
الساعة دقت سبعة الصبح، والشارع بدأ يصحى بالراحة. المخبز كان مفتوح، ريحة الفينو والسمسم مالية الحارة، والأسطى شحاتة شغال ع الفرن مع العمال، بس وشوشهم كانت مكسورة، الخبر كان اتسرب إننا بنقفل خلاص.
الساعة تسعة بالدقيقة، سمعت صوت عربيتين ميكروباص وراهم عربية جيب سودة فخمة وقفوا سادين الشارع كله. نزل من العربية الجيب راجل لابس بدلة كحلي ضيقة ونضارة شمس شالها أول ما حط رجله على الأرض، وكان ماسك محفظة جلد، دا محمود الهواري.. عرفته من صوته.
دخل المخبز ودفع الباب بهدوء، والرجالة بتوعه وقفوا عند الإطار الخارجي:
— صباح الخير يا آنسة ليلى.. قولت أوفّر عليكي وجع القلب، جيت بنفسي أتتابع إخلاء المكان.
الدم غلي في عروقي، مسكت في حافة البنك الخشب وقولتله:
— المهلة القانونية لسه مخلصتش، إنت داخل هنا بصفتك إيه وبتتعدى على أكل عيشنا كدة ليه؟!
محمود ضحك ببرود وهو بيمشي صباعه على الفاترينة:
— بصفتي المالك الجديد.. شحاتة!
الأسطى شحاتة طلع من جوة ماسك المطرحة:
— نعم يا بيه؟
— طفي الفرن دا ولم عيالك، المحل دا هيتخذ ضده إجراءات رسمية دلوقتي.
محمود لسه بيمتثل للخطوة اللي بعدها، وفجأة باب المخبز اتفتح بقوة وانفتح على مصراعيه.
شخص دخل بهيبة وثبات، وقف قدام محمود الهواري ووقفه مكانه بنظرة واحدة حادة:
— قف عندك يا هواري.
الصوت دا.. قلبي دق بعنف. إيهاب!
بس مكنش إيهاب بتاع المسا اللي بيشيل شوال الدقيق ويغسل الصواني. إيهاب كان لابس بدلة سودا تفصيل إيطالي أنيقة، وساعته الفخمة بتلمع، وشعره متسرح بحدة، وعينيه كانت واثقة وهادئة بشكل يفرض الاحترام. كان وراه تلاتة من المستشارين القانونيين للشركة وفريق أمني منظم.
محمود الهواري كان باصص قدامه، ولما رفع عينه وشاف مين الواقف قدامه، وشه بهت تماماً، التكبر والغرور طاروا، واستبدلوا بدهشة بالغة:
— إ.. إيهاب بيه؟! إيهاب بيه الشرقاوي؟!
إيهاب ظبط ياقة بدلته وبص له باحتقار إداري وصرامة بالغة:
— الهواري.. صوتك كان عالي أوي وإنت بتهدد في التليفون امبارح. هل دي أساليب الشركة اللي أنا رئيس مجلس إدارتها؟!
محمود كان بيبلع ريقه بصعوبة بالغة، ووقف مستقيم بخوف:
— يا باشا.. إنت.. إنت بتعمل ايه هنا؟ أنا.. أنا كنت فاهم إن التعليمات بتخدم استثمارات البلوك!
إيهاب اتكلم بصوت هادئ ولكن قاطع كالسيف:
— مجلس الإدارة اللي أنا رئيسه لم يصدر أي قرار بتعسف أو إخلاء قسري ضد أي مواطن، فضلاً عن مكان له تاريخ تراثي زي دا. أنت تجاوزت صلاحياتك بصورة كاملة، واستغلت اسم الشركة لأغراض شخصية مشبوهة.
أنا كنت واقفة ساندة على الحيطة، حاطة إيدي على فمي ومش مستوعبة. إيهاب الشرقاوي؟ رئيس مجلس إدارة أكبر شركة مقاولات وتطوير عقاري في الشرق الأوسط؟! الراجل اللي كان غرقان في المطر، وبياكل قرصة عجوة بنهم، هو نفسه الحوت الأكبر اللي الشركة دي كلها بتتحرك بإشارة من صباعه؟!
إيهاب وجه كلامه للمستشارين القانونيين اللي معاه:
— الأوراق الرسمية الخاصة بفصل هذا الموظف وإحالته للتحقيق الفوري في كافة تجاوزاته المالية والإدارية جاهزة؟
رد أحدهم فوراً:
— جاهزة تماماً يا فندم، وتم توثيق كافة مخالفاته.
أشر إيهاب بيده بهدوء نحو الخارج:
— برة يا هواري.. واعتبر نفسك موقوفاً عن العمل فوراً لحين اكتمال التحقيقات.
انسحب محمود الهواري ومن معه بسرعة وتحت وطأة الصدمة، وسط ذهول وتهليل أهل المنطقة اللي كانوا متجمعين برة يتابعون الموقف باحترام وتقدير.
الهدوء رجع للمكان، بس كان هدوء دافئ ومطمئن. لف وشه وبصلي.. النظرة الصارمة دابت في ثانية، وحل مكانها قلق واهتمام حقيقي.
خطى وجالي، ومد إيديه الاتنين مسك كفوفي اللي كانت لسه بترتعش:
— إنتي كويسة؟ هل حد ضايقك بكلمة؟
بصيت في عينيه.. كانت قريبة مني أوي، شفت فيهم صدقه، خوف راجل بيحب بجد ومستعد يحمي حبيبته بكل ما يملك.
قولتله بصوت مخنوق ومتردد:
— إنت.. إنت مين يا إيهاب؟ وليه خبيت عليا كل دا؟
قرب خطوة كمان، لدرجة حسيت بنفخات روحه، وبص في عيني بصدق هز كياني كله:
— أنا إيهاب اللي دخل هنا من تلات شهور روحه ميتة بعد ما دفن أمه، وكان تايه ومش لاقي معنى لحياته وسط فلوس الدنيا كلها.. لحد ما دخلت المخبز دا، وشوفت عينيكي وإنتي بتناوليني السحلب وبتقوليلي كُل لأنك حسيت بيا.. أنا من الليلة دي، اتولدت من جديد على إيدك يا ليلى. المكان دا مش هيتقفل.. ولا إنتي هتبعدي عني تاني أبداً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



