
أول حاجة سمعتها بعد الصوت العالي المفاجئ كانت نداء ياسين.
فريدة! ورايا!
فتحت عيني بالعافية.
كنت واقفة مكاني، مش قادرة أتحرك، وعيني على الراجل اللي وقع قدامي.
الراجل اللي قال إنه أبويا.
الراجل اللي طول خمستاشر سنة وأنا فاكرة إنه بعيد عننا.
ياسين جري عليه، نزل على ركبته، وحاول يساعده.
اتأذى في كتفه… لسه بخير.
بصلي.
فريدة، لازم نمشي دلوقتي.
هزيت راسي.
مش هسيبه.
لو فضلنا هنا هنتعرض للخطر كلنا.
ده أبويا!
وإحنا مش عارفين هو مين أصلًا!
ناديت بصوت عالي
قال اسمي!
أي حد ممكن يعرف اسمك!
قال يا بنتي!
وطارق كان عارف كل حاجة عنك!
بصيت لياسين.
للحظة حسيت إن كلامه منطقي.
لكن قلبي كان بيقول حاجة تانية.
الراجل ده كان شبه أبويا.
مش في الشكل بس.
حتى طريقة وقوفه.
صوته.
نظرة عينه.
الخاتم.
كل حاجة فيه كانت بتفكرني ببابا.
قربت منه.
بابا…
فتح عينه بالعافية.
بصلي.
ابتسم ابتسامة ضعيفة.
متخافيش…
وبعدين غاب عن الوعي للحظات.
ياسين شدني.
لازم نتحرك.
خرجنا من المصنع من باب خلفي، وأنا مشيت وراه وأنا مش حاسة برجلي.
وصلنا للعربية.
ركبت.
ياسين ساق بأقصى سرعة.
بعد حوالي عشر دقايق، قلت
رجعنا له.
مش دلوقتي.
حالته هتتأخر.
لو رجعنا، ممكن نتعرض للخطر إحنا.
طب نوديه مكان للرعاية.
لأ.
ليه؟
لأن أول مكان هيعرفوا فيه إنه لسه بخير هو مكان الرعاية.
سكت.
بعدين قلت
طب هنعمل إيه؟
عندي مكان آمن.
فين؟
بيت جدنا القديم.
اتوترت.
البيت اللي في إسكندرية؟
أيوه.
إنت بتقول إننا نرجع إسكندرية؟
لازم.
بصيت من الشباك.
الليل كان بيعدي بسرعة.
وأنا لأول مرة من تلات سنين حاسة إن كل حاجة حواليا غريبة.
حتى اسم طارق.
كنت فاكرة إني أعرفه.
طلع كل اللي أعرفه عنه مش حقيقي.
وصلنا لمكان بعيد عن الطرق الرئيسية.
ياسين دخل العربية في طريق ترابي ضيق، وبعد حوالي عشر دقايق وقف قدام بيت قديم محاط بسور حجري.
البيت كان مهجور.
لكن واضح إن حد كان بيستخدمه.
دخلنا.
ولقيت أدوات إسعاف على ترابيزة.
إنت مجهز المكان ده؟
من زمان.
كنت متوقع إننا نهرب؟
كنت متوقع إن يوم الحقيقة هييجي.
ياسين رجع للمصنع تاني بعد ما اتأكد إن المكان آمن.
كنت قاعدة في الصالة، وبابا…
أو الرجل اللي قال إنه بابا…
كان نايم على السرير.
الدكتور سامح وصل بعد ساعة.
فحصه.
وقال
الإصابة كانت بسيطة في الكتف. هو محظوظ.
سألته
يقدر يتكلم؟
لما يفوق.
وإمتى؟
ساعات.
قعدت جنب السرير.
فضلت باصة له.
وشه كان كبير في السن، لكن ملامحه كانت مألوفة بشكل يشد الانتباه.
قربت إيدي من وشه.
لو إنت بابا فعلًا…
سكت.
ليه سبتني؟
ما ردش.
طبعًا.
كان غايب عن الوعي مؤقتا.
لكن أنا فضلت أكلمه.
ليه خليتني أصدق إنك بعيد؟
دموعي نزلت.
ليه سبتني أنا وياسين لوحدنا؟
ليه خليتني أعيش خمستاشر سنة وأنا كل ما أشوف أب وابنته أتأثر منهم؟
صوتي انكسر.
كنت فين؟
بعد ساعات فتح عينه.
أنا انتفضت.
بابا؟
بصلي.
عينيه دمعت.
قال
فريدة…
الصوت نفسه.
الصوت اللي كنت فاكرة إني مش هسمعه تاني.
حطيت إيدي على بوقي.
وبكيت.
هو حاول يقوم.
متتحركش.
قال
أنا آسف.
ناديت بصوت عالي
آسف؟!
ياسين دخل الأوضة.
بصله.
إنت أبويا؟
الرجل سكت.
بعدين قال
أيوه.
ياسين وقف بعيد.
ليه سبتنا؟
أبويا غمض عينيه.
عشان أحميكم.
تحمينا من مين؟
من أبو طارق.
سألته
بس طارق كان شريك في كل ده؟
هز راسه.
طارق مكانش لوحده.
كاميليا؟
سكت.
كاميليا كانت معاه؟
قال
كاميليا كانت بتلعب على الناحيتين.
بصيت له.
يعني هي مش معانا ولا معاهم؟
دلوقتي… محدش يعرف.
ياسين قال
وإيه حكاية الموقف اللي حصل؟
أبويا أخذ نفس طويل.
يوم الموقف اللي حصل، أنا وأمك كنا عارفين إننا متراقبين.
مين كان بيتابعكم؟
أبو طارق.
ليه؟
لأننا اكتشفنا الحسابات السرية.
حسابات إيه؟
شركات بأسماء مختلفة، فلوس بتدخل وتخرج، عقود مزورة، وملكية أراضي بتتنقل من غير علم أصحابها.
سألته
وإحنا؟
إنتِ كنتِ الوريثة الأساسية.
ليه؟
لأن الأرض والمصانع اتسجلت باسمك بعد ولادتك.
اتجمدت.
وأنا طفلة؟
أيوه.
طب ليه؟
لأن أبوكي كان عارف إن فيه حد من
جوه العيلة هيحاول ياخدها لنفسه.
ياسين قال
مين؟
أبويا بصله.
الشخص اللي رباه.
سكت.
أنا بصيت لياسين.
يعني إيه؟
أبويا قال
ياسين مش ابني بالدم.
ياسين اتنفس ببطء.
عارف.
أبويا كمل
لكن أنا ربيته زي ابني.
ياسين قال
مين أبويا الحقيقي؟
أبويا سكت.
رد.
أبوك الحقيقي هو الشخص اللي بدأ كل حاجة.
ياسين اتوتر.
مين؟
أبويا قال
أبو طارق.
ساد الصمت.
أنا بصيت لياسين.
يعني…
أبويا قال
ياسين ابن أبو طارق.


