روايات وقصص

حكـاية إيهـاب و ليلـي ج 1 حكـايات مني السيد

رفعت صاج عليه سمنة وقولتله:
— لا مين قالك، أنا عايزاك تغسل الصاج دا عشان عيني وجعاني!
ابتسم وقال:
— دي حاجة تانية خالص.
ومفهمتش قصده إيه ساعتها.

الجزء الثاني
بعد تلات شهور.. الصدمة نزلت عليا زي المرزبة. لقيت جواب رسمي متدبس على باب الحديد بتاع المخبز. شركة المتحدة للتطوير العقاري والاستثمار اشترت البلوك والعمارة كلها، والإيجار بتاعي هيزيد 400% من أول الشهر الجاي، ولو مش عاجبني، قدامي مهلة 14 يوم للإخلاء الجبري!

قريت الورقة مرة واتنين وتلاتة وعشرة، الكلام مش عايز يتغير.. مخبز ستي اللي شقيانة فيه 40 سنة هيتقفل ويضيع في أسبوعين؟!

مسكت التليفون وإيدي بتترعش وطلبت الرقم المكتوب، وبعد تحويلات من سكرتيرة لسكرتير، وصلت لـ محمود الهواري، المدير الإقليمي للشركة:
— يا فندم المخبز دا شغال بقاله عقود وأكل عيشنا منه!
— عارف يا آنسة ليلى.
— وعندي صنايعية وبيوت مفتوحة، سبع تنفار برقابهم!
— يا ست ليلى الموضوع مش شخصي، بزنس يعني بزنس.
— لحضرتك بزنس، ليا أنا دي حياتي! الأرض هنا قيمتها الاستثمارية أعلى بكتير من شوية عيش وفينو يطلعوا كل يوم.

ضغطت على سماعة التليفون بقهري:
— طب نتفاهم بالمعقول، راعوا ربنا فينا!

ضحك باستهزاء:
— معقول لمين بالظبط؟ بصي يا شاطرة.. 14 يوم وتفضوا المكان، لو جه الميعاد ولقينا حاجة جوة، الإجراءات القانونية هتأخد مجراها.
وقفل السكة في وشي.

الدنيا لفت بيا وركبي خابت، كان إيهاب واقف ورايا من غير ما أحس، وسمع المكالمة كلها:
— دي شركة المتحدة؟

هزيت راسي والدموع محبوسة في عيني، وناولته الإنذار. مسك الورقة وقراها، ولأول مرة من يوم ما عرفته، شوفت وشه بيتحول لملامح صارمة وهادئة في آن واحد، والدفا كله طار من ملامحه:
— مين كلمك وقال الكلام دا؟
— واحد اسمه محمود الهواري.

صوابعه اتشنجت على الورقة وكرمش طرفها:
— في إيه يا إيهاب؟ إنت تعرفه؟

مردش عليا على طول، فضل باصص للوجو الشركة، وبعدين لاسم الهواري:
— عارفه كويس.. عارفه أكتر ما هو عارف نفسه.
— إنت اشتغلت معاهم قبل كدة؟

إيهاب طبق الورقة بهدوء غريب ومرعب، وبصلي:
— ليلى.. بكرة الصبح تفتحي المخبز في ميعادك عادي جداً.

بصيتله وأنا مش مستوعبة:
— إنت بتقول إيه؟!
— اطلعي بدري، اعجني العيش، ولعي الفرن، وبيعي للناس.. كأن مفيش أي حاجة حصلت.
— بقولك الراجل بيقولي هينفذ الإخلاء كمان 13 يوم!
— مش هيقدروا يمسوا طوبة واحدة هنا.

ضحكت بمرارة، مش هزار بس من قلة الحيلة:
— إيهاب.. دي شركة بملايين الجنيهات ووراها حيتان، وإحنا غلابة بنبيع قرصتين وعيش!

قرب مني خطوة وبص في عيني بجمود:
— بصيلي هنا.. بصيلي يا ليلى.

رفعت عيني فيه، النظرة دي كانت غريبة عليا تماماً.. نظرة راجل متعود يأمر ويطاع:
— مفيش مخلوق هيقدر يشيل كرسي مكسور من المخبز دا، فاهمة؟
— وإنت إيه اللي مخليك متأكد كدة وواثق في نفسك أوي؟!

بص تاني للاسم المكتوب على الإنذار اللي في إيده، وفي ثانيتين حسيت إنه خلاص هيفك اللغز ويقولي هو مين بالظبط. بس اتنهد وقال بصوت واطي وهادئ:
— عشان محمود الهواري دا.. تجاوز صلاحياته وعمل أكبر خطأ إداري في تاريخه المهني.

الكلمة طلعت من بقه تقيلة ورنت في سكات المخبز.. خطأ إداري جسيم.

كنت واقفة مشلولة، عيني رايحة جاية بين الورقة اللي اتكرمشت في إيده وبين وشه. وسط كل الرعب والوجع اللي كان كابس على نفسي عشان المخبز، كان فيه حاجة تانية غريبة تحلق جوايا.. ضربات قلبي كانت عالية أوي، مش من الخوف بس، من قربه.

الحقيقة اللي كنت بهرب منها طول التلات شهور اللي فاتوا طفحت على الوش في اللحظة دي. أنا مش بس اتعودت على وجوده.. أنا من أول ليلة دخل عليا فيها متلج، من أول ما عيني شافت عينيه التايهة وهو ساند على الكرسي وشفايفه زرقا، حسيت برعشة في روحي. كان فيه مغناطيس بيسحبني ليه، حاجة خلتني أفتحله وأدخله من غير ما أفكر، كأن قلبي كان عارفه من قبل ما عقلي يسأله إنت مين.

ولما بص في عيني دلوقتي وقالي بصيلي يا ليلى، حسيت إن الدنيا كلها فضيت ومبقاش فاضل غير نفسه. حتى نظرته ليا مكنتش نظرة زبون لخبازة ولا شفقان على واحدة مهددة بالطرد.. كان فيها حماية راجل لست بتخصه.

إيهاب حط إيده على كتفي بهدوء، لمسة خفيفة بس شالت نص الحمل اللي على صدري:
— اهدي.. خدي نفسك. أنا ماشي دلوقتي، ومش عايزك تفكري في حاجة غير إنك تدخلي تنامي. الصبح هتلاقيني هنا.
— إيهاب.. إنت مخبي عليا إيه؟ إنت شغال إيه هناك بالظبط؟

بصلي بنظرة طويلة، كان فيها كلام كتير محبوس، وميل خفيف ناحيتي وقال بصوت واطي حنين:
— هتعرفي كل حاجة في وقتها.. بس افتكري دايمًا، ستي وستك وصونا نساعد الأول ونسأل بعدين.. اديني نفس الفرصة، اثبتي وأنا في ضهرك.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى