
وبعد سنتين من الجواز، الصبح كان طالع على جنينة القصر، والشمس بتعكس نوره على المية بتاعة الفسقية.
إبراهيم كان واقف في البلكونة الكبيرة من غير عكاز ولا مساعدة، ماسك فنجان القهوة بتاعه وبيشرب بنشاط وهو باصص على يوسف اللي كبر وبقى عنده ست سنين وبيجري ورا الكورة في النجيل.
حنان خرجت من الأوضة وهي شايلة بين إيديها طفلة صغيرة عندها كم شهر، بملامح هادية وعيون خضرا شبه عيون إبراهيم. قربت منه وبست كتفه بالراحة: “صباح الخير يا معلم.. القهوة مظبوطة ولا نعمل غيرها؟”
إبراهيم لف لها وابتسم ابتسامة مليانة حنية، وأخد منها البنت الصغيرة وحطها على دراعه بثبات ورجولة: “صباح الفل يا ست الكل.. القهوة من إيدك دايماً سكر. وبعدين إنتي ناسية إن الدكتورة قالتلك متشيليش شيل تقيل عشان الجرح لسه جديد؟”
حنان ضحكت بصوت واطي ومسكت إيده: “أنا صحتي زي الفل طول ما أنت جنبي يا إبراهيم.. والبنت دي أخدت حنيتك كلها، من يوم ما اتولدت وهي مش بتسكت غير لما تسمع صوتك.”
إبراهيم بص للبنت المسماة “مريم” على اسم أمه الله يرحمها، ورفع عينيه لحنان وقال بنبرة طالعة من قلبه: “تعرفي يا حنان.. أنا زمان كنت فاكر إن الدنيا دي ملك ونفوذ وبس، بس لما بشوفك إنتي ويوسف ومريم حواليّ، بعرف إن الملايين اللي عملتها في حياتي ماتسواش ثانية واحدة وأنا قاعد في وسطكم هنا وبقول الحمد لله.”
يوسف لمحهم من الجنينة، وساب الكورة وجري على السلم، دخل البلكونة وهو بيلهث ورافع كراسة رسم: “بابا إبراهيم! بابا إبراهيم! شوف رسمت إيه في المدرسة النهاردة!”
إبراهيم توطى له على ركبته بالراحة وهو شايل مريم، وأخد منه الكراسة. كان يوسف راسم بيت كبير وشمس طالعة، وأربع أشخاص ماسكين إيدين بعض: راجل وست وطفل وبنوتة صغيرة، وكاتب تحتها بخط أطفال عوج: “عيلتي الجميلة.. بابا إبراهيم وماما حنان وأختي مريم وأنا.”
عينين إبراهيم دمعت من الفرحة، وباس رأس يوسف وحضنه هو وحنان ومريم في حضن واحد دافي، والأذان كان بيرن في الميكروفون من المسجد القريب، بيعلن عن بداية يوم جديد مليان بركة وأمان.. يوم أثبت إن الجدعنة وعزة النفس والعوض من ربنا هما السر الحقيقي لكل سعادة.
عِوّض القاضي
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



