
في تمام الساعة 5:17 الصبح يوم الثلاث، حصلت حاجة جوة قصرِي في التجمع مفيش ولا راجل من الرجالة والمسلحين اللي شغالين عندي كان هيصدقها—أنا أصلًا ابتسمت. بقالي عشرين سنة، من الليلة اللي أبويا مات فيها، مفيش بني آدم عرف يطلّع مني الابتسامة دي، بس الشغالة بتاعتي عملتها وهي نايمة جنبِي، ومكلبشة في ابنها الصغير على صدرها.
لما فتحت عينيا، افتكرت إن السخونية بتخليني أهت وأتخيل. وبعدين لمحت طبق المية، والفوط المبلولة، والترمومتر، وعصير البرتقال اللي مالمستوش—وإيد حنان لسه ماسكة إيدي ومكلبشة فيها بالراحة.
كانت نامت وهي قاعدة على الكرسي الجلد قبل الفجر بشوية، ورأسها مريحة على مرتبتي. شعرها البني طالع منه خصلات من التوكة، والإرهاق باين تحت عينيها، وابنها اللي عنده سنة ونص نايم تحت بطانية صفراء دايبة على حجرها.
فضلت باصص عليهم بس.
محدش بيقعد مع إبراهيم القاضي إلا لو بياخد قرشين، أو جاله أمر، أو خايف يخلع. وبقالي عشرين سنة، حريص ومظبطها إنها تفضل كدة.
شركاتي اللي في النور كانت تمسك مطاعم، وكافيهات، وعقارات في مصر كلها. إنما الشغل اللي ورا الستار فده موضوع تاني خالص، واسم القاضي له هيبة وتقل يخلي أصغر بني آدم يفهم إمتى يسكت وما ينطقش.
بس باين إن حنان ما وصلتهاش الرسالة دي خالص.
من ست أسابيع، جت قصرِي في التجمع وهي شايلة شنطة يد مستعملة، وغداها في كيس بلاستيك، وحسابها في البنك فيه خمسمية جنيه بالعافية. داده نرجس، ست عندها اتنين وستين سنة ومسؤولة عن البيت، أدتها تحذير واحد: “لما تكوني قريبة من المعلم إبراهيم، اتصرفي في حس وبحذر.”
سألتها حنان: “حس هادي أد إيه يعني؟”
“هادي خالص.”
“هو بينام طول النهار؟”
“لا.”
“بيسجل كتب صوتية؟”
“لا.”
“أومال ليه؟”
“بيحب الهدوء.”
بصت حنان حولين القصر الكبّارة وقالت: “باين عليه اشترى منه على قد ما يقدر.”
التلات شغالات اللي قبليها استحملوا حداشر يوم، وتمن أيام، وأربع أيام. بس حنان كانت محتاجة الفلوس ضروري لدرجة إنها وعدت داده نرجس إنها هتعرف تسلك معايا وتعدي.
في بعد ظهر اليوم ده، دخلت مكتبي.
كنت قاعد ورا مكتبي الأرو وبراجع التقارير المالية، والكرسي المتحرك بتاعي محطوط بين شاشتين. قديماً هي اللي قعدتني على الكرسي ده، بس ما هزتش شعرة من سيطرتي على الرجالة اللي شغالين عندي—أو الرجالة اللي بيترعبوا مني.
قلت: “أنتِ جديدة.”
“حنان عبد الفتاح.”
“عارف.”
“كويس، نكسب وقت.”
استحملت أربع دقايق من غير ما تتكلم.
“كتب كتير أوي هنا.”
بطلت كتابة على الكيبورد.
“قريت كل دول؟”
“أنا طلبت من داده نرجس حد ينضف.”
“أعرف أنضف وأسأل أسئلة عادي.”
“أنا بفضل الهدوء.”
“تمام.”
بعد ثلاثين ثانية، بصت حواليها وقالت: “أكيد البيت ده هادي بجد.”
“كان كده.”
أتسمرت مكانها، وبعدين هزت رأسها: “دي حركة حريفة.”
طول الأسبوع اللي بعده، كنت بطلع لها القطط الفاطسة في كل حاجة بتعملها—الشبابيك، الكراسي، المجلدات، حتى الأقلام لما تتركن زيادة نص بوصة. وبعد ظهر يوم الجمعة، المكنسة بتاعتها خبطت الترابيزة الجانبية ووقعت أوراق مفاوضات بقalها أربعتاشر شهر على الأرض.
“اقفي عندك.”
حنان اتعدلت: “إيه؟”
“فهمتِ أنتِ عملتِ إيه حالا؟”
“وقعت كلمتين ورق.”
“كانوا متترتبين.”
“طب قولي كانوا متترتبين إزاي.”
صوتي جرف وشرار طلع منه: “أنتِ مش فاهمة.”
“يمكن مش فاهمة.. عشان كده بقولك قولي.”
محدش كان بيكلمني بالطريقة دي.
نبضها كان باين بيلطش في رقبتها، وكنت عارف إنها محتاجة الشغلانة، بس بدل ما تكش من غضبي، وطت على ركبتها وجمعت كل ورقة بتركيز. “أنا غلطت، وحقك عليا. وريني الترتيب الصح وأنا أصلحه.”
معظم الناس كانوا بيعتذروا لي كأنهم ممسوكين رهائن.
بس حنان اعتذرت وهي لسه شايفة نفسها وعزيزة بنفسها.
قلت أخيراً: “الفولدر الرمادي الأول.”
“ماشي.”
“والأزرق تحته.”
رتبت الورق بالملي زي ما كان، وبعدين زقت عربية النظافة ناحية الباب.
“حنان.”
لفت وبصت لي وهي مستنية.
ولأسباب معرفش أفسرها، التهزيق اللي كنت ناوي أدهولها طار. “خلاص، اتفضلي.”
بره مكتبي، سمعت داده نرجس بتهمس بيأس: “أنتِ بتعافري عشان تتقطعي عيشك يا بنتي؟”
“هو اللي كان بيكلمني بنشافة.”
“ده صاحب البيت!”
وجت إجابة حنان الفورية: “يعني إيه؟”
ولأول مرة من عشرين سنة، حد جوة بيتي اتكلم عني من غير ما يترعش—وبدل ما أدي أمر بطردها، لقيت نفسي واقف بأسماع خطواتها وهي بتبعد في الممر.
ماكنتش اعرف وقتها، بس بعد ست أسابيع، نفس الست المستحيلة دي هتقضي ليلة كاملة جنب سريري وأنا جسمي بيولع بالسخونية، وابنها الصغير نايم على صدرها.
ولما صحيت ولقيت إيدها لسه ماسكة إيدي، إبراهيم القاضي—الراجل اللي نص القاهرة بتخاف تقف قصاده—ابتسم لأول مرة من الليلة اللي أبويا مات فيها.
(حكايات شروق خالد)



