
حنان فتحت عينيها بشويش لما حست بحركتي، وبصت لإيدي اللي ماسكة إيدها، وبعدين رفعت عينيا في عيني بذهول. وشها احمرّ في ثانية، وسحبت إيدها بسرعة وكأنها لمست نار، وحضنت ابنها يوسف أكتر وهي بتتعدل في وقفتها وبتصلح التوكة بتاعتها.
“سـ.. سامحني يا إبراهيم بيه!” قالتها وهي صوتها بيترعش من الإحراج، “أنا النوم غلبني غصب عني والله.. السخونية كانت مكسرة جسمك طول الليل، وكنت خايفة أسيبك والحرارة تعلى تاني.”
بصيت لها بثبات، وجسمي رغم التعب كان فيه راحة ما حسيتهاش من سنين. “أنا مابقولش لحد سامحني يا حنان.. ومابزعلش من حد وقف جنبي وأنا طريح الفراش.”
حنان بلعت ريقها ونزلت عينها في الأرض: “أنا عملت واجبي.. داده نرجس قالتلي إن الدكاترة مش جايين غير على الضهر، وماكنش ينفع أسيبك كده.”
قعدت على السرير بصعوبة، وأشرت لها تقعد تاني على الكرسي.
“ابنك اسمه إيه؟”
“يوسف.”
“ربنا يخليهولك.. إنتي أرملة؟”
“مطلقة.. أبوه طفش وسابنا من يوم ما اتولد لما عرف إنه عنده مشكلة في ثقب القلب ومحتاج عمليات. ومن يومها وأنا بلف على أكل عيشي عشان أصرف على علاجه.”
الكلام نزل عليا زي الدبوس اللي نغز قلبي. الست اللي أطول وأعتى رجالتي من نظرة عيني، واقفه قدامي شايلة شيلة تهد جبال، ومع ذلك بتعافر بشرف وعزة نفس تكفي بلد.
طلبت داده نرجس بالإنتركم، وفي خلال دقايق كانت داخلة بصينية الفطور، وأول ما شافتني قاعد وحنان واقفة، وشها جاب ألوان افتكرتني ههزقها.
“داده نرجس..” قلتها بنبرة حاسمة، “من النهاردة حنان مش هتمسك مكنسة ولا تمسح أرضيات في البيت ده.”
حنان اتخضت وقالت بسرعة: “يا بيه والله أنا ما قصرت! أنا نضفت الممر ومستعدة نكمل شغل—”
قطعت كلامها ورفعت إيدي: “اسمعي للاخر.. إنتي من الليلة دي مسؤولة عن مكتبي الشخصي، وتنظيم أوراقي، والاهتمام بمواعيد دوايا لما أكون هنا. ومرتبك هيتضاعف تلات مرات.”
حنان وداده نرجس اتسمروا مكانهم.
“بس يا بيه..” حنان كانت بتتلعثم، “أنا معنديش خبرة في أوراق المعاملات والشركات بتاعتك!”
ابتسمت ابتسامة خفيفة: “إنتي عندك أهم حاجة في الدنيا يا حنان.. عندك أمانة وعزة نفس، والدنيا دي كلها مفيهاش شركة ولا شغل يتبنى من غير أمانة.”
وبصيت لداده نرجس وقلت: “وتتلم حالة يوسف ابنها، وأحسن دكاترة جراحة قلب في مصر يبدأوا ترتيبات عمليته على حسابي الخاص فوراً.”
دموع حنان نزلت من غير ما تحس، وحطت إيدها على بقها مش مصدقة اللي بتسمعه. قربت خطوة من السرير، وعينيها مليانة امتنان يوزن جبال: “أنا.. أنا مش عارفة أقولك إيه يا إبراهيم بيه.. الدين ده كتير أوي عليا.”
مسكت إيد يوسف الصغير اللي كان باصصلي بعيون بريئة، وقلت بصوت واطي بس طالع من أعماق قلبي: “إنتي مفيش عليكِ دين يا حنان.. إنتي رجعتيلي حاجة كانت ميتة جوايا من عشرين سنة.. رجعتيلي إحساس إن في بني آدم ممكن يخاف عليا من غير مقابلة ولا خوف.”
ومن الليلة دي، القصر المظلم اللي كان شبه السجن، دخلته الشمس لأول مرة.. وعرفت إن الكرسي المتحرك اللي قعدني مش عجز، العجز الحقيقي كان في قلبي اللي حنان سكنته بجدعنتها وأحيت فيه الروح من جديد.
#حكايات_شروق_خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


