روايات وقصص

عِوّض القاضي ج2.حكايات شروق خالد

مرت شهور على الليلة دي، والقصر اللي كان دايماً زي التربة، ساكت ومظلم، بقى فيه روح والحياة دبّت فيه. صوت ضحك يوسف الصغير وهو بيجري في الطرقات كان بيملا المكان، وعملية قلبه نجحت وبقى زي الفل بفضل ربنا.

 

حنان بقت هي كل حاجة في مكتبي وفي حياتي. مسكت أوراق الشغل بذكاء وأمانة يوزنوا دهب، وكل يوم كانت بتثبتلي إن جدعنتها وعزة نفسها مش مجرد كلام. كنت بشوف في عينيها الاهتمام والخوف عليا، مش على إبراهيم القاضي صاحب الملايين، لا.. على إبراهيم الإنسان.

في يوم، كنت قاعد في المكتب براجع صفقات جديدة، وحنان واقفه جنبي بتقدملي فنجان الشاي المضبوط بتاعي، وفجأة دخل سيد.. دراعي اليمين في الشغل. وش سيد كان يطمن ويجيب الخبر الأكيد.

“إبراهيم بيه..” سيد قالها وصوته فيه قلق، “الرجالة بتوع عائلة الميرغني نزلوا السوق النهاردة وبيسألوا عنك.. وبيقولوا إن الحساب القديم بتاع أبوك الله يرحمه لازم يتقفل بطريقة ودية وينهوا الخلاف.”

حنان الفنجان اتدلق من إيدها على الترابيزة من الخضة، وبصتلي بعيون مرعوبة: “إبراهيم بيه.. ناس مين دول؟ وحساب إيه؟”

بصيت لسيد بهدوء، وجوايا ثقة كبيرة: “الميرغني فاكرين إني لما قعدت على الكرسي ده الأمور هتتلخبط.. ما يعرفوش إن إبراهيم القاضي قادر بحكمته يحل أي نزاع ويحمي حقه بالقانون والاصول.”

التفت لحنان وقبل ما تتكلم، مسكت إيدها بثبات: “حنان.. خدي يوسف واطلعي على الأوضة الجوانية مع داده نرجس.. ارتاحي وما تقلقيش خالص.”

حنان ماسكة إيدي ومبتسيبهاش، ودموعها في عينيها: “أنا مش هسيبك يا إبراهيم! مش هسيبك تقابل الناس دول لوحدك.. لو في مشكلة أنا هفضل جنبك!”

ابتسمت لها نص ابتسامة.. ابتسامة راجل شايف مراته وأهله واقفين بضهره: “يا حنان.. الحق دايماً بيكسب، وأنا هعرف أحل الموضوع بحكمة. اسمعي الكلام واطلعي.”

طلعت حنان بالعافية وهي تبصلي وخايفة، وأنا التفت لسيد وقلت بصلابة: “روح استقبلهم في صالون الاستقبال، وبلغهم إننا ناس بتوع حق وبالتفاهم كل حاجة هتنحل.”

وفعلاً، بعد قعدة رجالة وعقلانية، الأمور خلصت، وكل طرف خد حقه بالمعروف والقانون، واتقفل باب الخلافات دايمًا للأبد.

الهدوء رجع للمكان.. والباب بتاع الأوضة الجوانية اتفتح.

حنان جرت عليا وهي بتنهد والدموع مغرقة وشها، وجت عند الكرسي بتاعي ونزلت على ركبتها ونطقت بقلب مخلوع: “إنت كويس؟ حصصلك حاجة؟”

مسحت دموعها بإيدي، وبصيت في عينيها بصدق وحب لأول مرة أعلن عنه من سنة: “أنا كويس طول ما إنتي ويوسف بخير يا حنان.. من النهاردة مفيش خطر ولا خوف. القصر ده بيتك، وإنتي ست البيت ده.. وست قلب إبراهيم القاضي.”

حنان ابتسمت من وسط دموعها وهزت رأسها بكسوف، وعرفت إن الرحلة الصعبة والفقر والتعب انتهوا.. وإن قصة إبراهيم القاضي وحنان مكنتش قصة شغالة ومعلم، دي كانت قصة روحين اتقابلوا عشان ينوروا حياة بعض للأبد.

#حكايات_شروق_خالد

عدت الأيام والشهور، والقصر اللي كان زمان مصدر خوف ورعب لمنطقة التجمع كلها، بقى بيت دافي مليان حب وبركة.

إبراهيم كبر عمليته وعالج رجله ببرامج علاج طبيعي مكثفة، وبدعم حنان وجدعنتها وإصرارها اليومي إنه ما يستسلمش، بدأ يقف على حيله ويمشي خطوتين وتلاتة على عكاز، لحد ما بقى يقف بطوله قدام الدنيا كلها من غير كرسي متحرك ولا عجز.

يوسف ابن حنان دخل أحسن مدرسة، وبقى ينادي لإبراهيم “بابا إبراهيم”، وكان القاضي بياخده في إيده كل يوم جمعه ينزلوا بيه السوق ويفرجه على شغله، وكأنه ابنه من صلبه وأكتر.

وفي يوم دافي من أيام الربيع، القصر كله اتزين بالأضواء والورد الأبيض. المعلم إبراهيم القاضي كتب حسابه الرسمي وقفل كل جراحه القديمة، وأقام أكبر فرح شهدته القاهرة، وعقد قرانه على حنان عبد الفتاح وسط فرحة داده نرجس ورجالة الشغل والبلد كلها.

وقف إبراهيم في نص القصر، لابس بدلة شيك وحنان جنبه كأنها ملكة متوجة بفستانها الأبيض المحتشم الجميل، وتلألأت الدموع في عينيه وهو بيسحب إيدها قدام الناس كلهم وبصوت هز المكان:

“أنا طول عمري فاكر إن القرش والنفوذ هما اللي بيعملوا للراجل قيمة.. بس لما قابلت حنان، عرفت إن القيمة الحقيقية في الست اللي تصونك في غيبتك، وتقف جنبك في مرضك، وتشتري خاطرك بعزة نفس وجدعنة ابن البلد.. حنان مكنتش مجرد ست دخلت بيتي، حنان كانت العوض اللي ربنا باثهولي عشان أبدأ بيه حياتي من جديد.”

حنان بصت له وابتسمت ابتسامة صافية، ومسكت إيده وإيد يوسف الصغير، وبدأت فصل جديد من الحكاية.. حكاية نور القاضي وحنان اللي هدمت الخوف وبنت بالحب والأمانة بيت ما تهزوش أي عاصفة.

#حكايات_شروق_خالد

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى