روايات وقصص

في ليلة العيد، جوزي وزع عيديات على العيلة حكايات رشاد خالد كلها

جوزي انفجر:
— يعني إيه أهو البيت موجود؟! إحنا من الصبح مش عارفين نعمل حاجة!
رديت بهدوء:
— وأنا كنت بعمل كل ده كل يوم.
سكت.
لكن حماتي ما سكتتش.
قالت:
— هو إحنا طلبنا منك تشتغلي؟ إنتِ اللي اخترتي تقعدي في البيت.
بصيت لها وقلت:
— لا يا حماتي.
— إنتوا اللي اخترتوا تسموا اللي بعمله “قعدة في البيت”.
جوزي قرب مني وقال:
— بطلي الكلام ده، وبكرة ترجعي تقعدي في البيت.
ضحكت بهدوء.
— لأ.
— يعني إيه لأ؟
— يعني أنا رجعت لشغلي.
— وإحنا؟
— وإنتوا هتدبروا أموركم.
وشوفت بنتي واقفة عند باب الأوضة.
كانت ساكتة.
قربت منها وقلت:
— إنتِ تعبانة؟
هزت راسها.
وبعدين قالت:
— بابا وداني المدرسة النهارده متأخر.
بصيت لجوزي.
هو بص في الأرض.
لأول مرة ما لقيش حاجة يقولها.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري.
جهزت بنتي، حضرت لها سندوتشات، ووديتها المدرسة.
وبعدين روحت شغلي.
مر أسبوع كامل.
والبيت بدأ يتغير.
حماتي بقت بتشتكي كل يوم.
أخت جوزي بقت تاخد ابنها من المدرسة بنفسها.
وجوزي بدأ يرجع من الشغل يجيب أكل جاهز.
لكن المشكلة إنهم اكتشفوا حاجة أخطر.
المصاريف زادت.
كانوا فاكرين إن الأكل اللي بعمله ببلاش.
الغسيل ببلاش.
تنظيف البيت ببلاش.
توصيل بنتي ببلاش.
رعاية حماتي ببلاش.
لكن لما اختفيت من المعادلة، عرفوا إن “المجاني” ده كان بياخد من عمري وصحتي ووقتي.
بعد شهر، أول مرتب نزل في حسابي.
مسكت الموبايل وبصيت للرقم.
ابتسمت.
مش عشان الفلوس.
لكن عشان الإحساس.
إحساس إني أخيرًا بقيت بملك حاجة تخصني.
رجعت البيت، لقيت جوزي مستنيني.
قال:
— قبضتي؟
قلت:
— أيوه.
قال:
— كام؟
بصيت له.
— ليه؟
اتوتر.
— يعني… بسأل.
ابتسمت.
— زمان لما كنت بتديلي جنيه مصروف، كنت بتسألني صرفته في إيه.
سكت.
قلت:
— دلوقتي أنا اللي هسأل نفسي الفلوس دي هتصرفها في إيه.
اتغيرت ملامحه.
— إنتِ بتعاقبيني؟
قلت:
— لأ.
— أنا بس اتعلمت منك درس.
— إيه هو؟
قلت:
— إن كل واحد يقدّر نفسه بنفسه، لأن الناس ساعات بتقيسك بسعر الحاجة اللي بتديها لك.
بعدها بأيام، حصلت المفاجأة.
الأستاذ كمال كلمني وقال:
— شيماء، عندنا مشروع كبير، والعميل عايزك تكوني المسؤولة عنه.
قلت:
— أنا؟
ضحك.
— أمال مين؟
اشتغلت على المشروع ليل نهار.
وبعد شهرين، المشروع نجح بشكل أكبر من المتوقع.
العميل طلب مني شخصيًا إني أكمل معاه في مشاريع تانية.
والشركة عرضت عليا ترقية.
لما رجعت البيت اليوم ده، كنت مبسوطة جدًا.
لقيت جوزي قاعد مستنيني.
قال:
— مبروك.
استغربت.
— عرفت منين؟
قال:
— الأستاذ كمال كلمني.
قعدت.
قال بعد لحظة صمت:
— أنا كنت غلطان.
بصيت له.
كمل:
— أنا كنت فاكر إنك لما قعدتي في البيت، مستواكي قل.
— لكن لما شوفتك رجعتي الشغل، اكتشفت إنك كنتي شايلة بيت كامل فوق دماغك، وفي نفس الوقت كنتي قادرة ترجعي تشتغلي كأنك ما غبتيش.
ما رديتش.
قال:
— ممكن تسامحيني؟
بصيت له طويلًا.
وقلت:
— أنا مش زعلانة عشان الجنيه.
سكت.
— أنا زعلانة عشان الجنيه كان مجرد ورقة كشفتلي إنتوا شايفيني إزاي.
نزل عينه.
— بس لو عايز نكمل، في شروط.
رفع عينه.
— شروط إيه؟
قلت:
— شغلي مش هسيبه.
— وبنتنا مسؤوليتنا إحنا الاتنين.
— وأمك مسؤوليتك زي ما هي أمي مسؤوليتي.
— ومفيش حد تاني هيقرر أنا أعمل إيه في فلوسي.
هز راسه.
— موافق.
لكن اللي حصل بعد كده هو اللي خلاني أعرف إن الحكاية لسه ما خلصتش.
بعد كام يوم، حماتي دخلت عليا وأنا بحضر نفسي للشغل.
قالت:
— يعني خلاص؟ بقيتي مديرة ونسيتينا؟
ابتسمت.
— مستحيل.
قالت:
— طب أنا عايزة منك حاجة.
— اتفضلي.
قالت:
— أنا عايزة 3000 جنيه.
بصيت لها.
— ليه؟
قالت:
— عشان مصاريفي.
ابتسمت وقلت:
— حاضر.
مدت إيدها.
طلعت من شنطتي ظرف.
حطيته قدامها.
فتحت الظرف بسرعة.
لقيت فيه ورقة.
على الورقة كنت كاتبة:
“مكافأة الاهتمام… 3000 جنيه.”
بصتلي باستغراب.
وبعدين لقت تحتها الفلوس.
وقالت:
— إنتِ بتتريقي عليا؟
ضحكت وقلت:
— لأ.
— أنا بس حبيت أفكرك بحاجة.
— اللي بيتعامل مع الناس على قد قيمتهم، لازم يستحمل إن الناس في يوم من الأيام تعرف قيمتها.
سكتت.
وأول مرة من يوم ما عرفتها، ما لقيتش رد.
بعدها بشهور، حياتنا اتغيرت تمامًا.
أنا بقيت بشتغل.
وجوزي بقى يساعد في البيت.
وبنتي بقت فخورة بيا.
وفي يوم رجعت من المدرسة، دخلت عليا وهي ماسكة ورقة.
قالت:
— ماما، بصي!
كانت رسمة ليّا.
رسمتني واقفة ببدلة الشغل، وماسكة شنطة.
وتحت الرسمة كتبت بخط إيديها الصغير:
“ماما بتشتغل وماما أحسن واحدة.”
حضنتها.
وساعتها افتكرت سؤالها يوم العيد:
“ماما… إنتِ معندكيش عيدية؟”
ابتسمت.
وقلت لها:
— لأ يا حبيبتي.
— ماما خدت أحلى عيدية في حياتها.
قالت:
— إيه هي؟
بصيت لها وقلت:
— إني عرفت قيمتي.
وبعد سنة، جه العيد تاني.
كنا كلنا قاعدين على السفرة.
جوزي قام وطلع ظروف.
ادّى أمه عيديتها.
وادّى أخته.
وادّى ابنها.
وبعدين جه عندي.
حط الظرف قدامي.
بصيت له وابتسمت.
قال:
— المرة دي… مش جنيه.
فتحت الظرف.
لقيت مبلغ محترم.
وفوقه ورقة صغيرة.
فتحتها.
كان مكتوب:
“مش مكافأة على شغلك في البيت… ولا على شغلك في الشركة… دي عيدية لمراتي وشريكتي.”
بصيت له.
وبعدين بصيت لبنتي.
كانت بتضحك.
لكن أنا ما اهتمتش بالمبلغ.
أنا اهتميت بالجملة.
لأن الجنيه اللي ادهولي السنة اللي فاتت كان بالنسبة لهم هزار.
لكن بالنسبة لي كان نقطة التحول.
ومن يومها فهمت إن الإنسان أحيانًا محتاج موقف صغير جدًا عشان يكتشف إنه كان بيقبل بأقل من قيمته بكتير.
مش كل ست قاعدة في البيت “مش بتشتغل”… في ستات بتشتغل 24 ساعة من غير مرتب، ومن غير إجازة، ومن غير حتى كلمة شكر.
وأحيانًا كلمة واحدة جارحة…
بتكون السبب إن الست تفتكر نفسها من جديد.
أما أنا…
فكل ما أشوف الجنيه ده محفوظ في درج مكتبي، بفتكر ليلة العيد.
وبفتكر إن أكتر عيدية وجعتني…
كانت هي نفسها السبب في إن حياتي تبدأ من جديد.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى