
«استنى! ما تركبش العربية!» بنت الخدامة الصغيرة حذّرت ياسين الجبالي… فاتجمّد مكانه. مريم حسن وقّعت عربيتها الخشب من إيديها قبل ما أي حد يفهم إنها خايفة. خبطت اللعبة في أرضية الرخام بصوت حاد وصغير. وبعدين الطفلة اللي عندها تلات سنين جريت على طول ناحية صاحب البيت.
«استنى!»
كان ياسين الجبالي حاطط إيد جوه معطفه، وإيده التانية ممدودة ناحية باب البيت الرئيسي.
لف وبص وراه.
مريم وقفت بينه وبين العربية الـSUV السودا اللي كانت مستنية قدام البيت تحت سما شهر نوفمبر الرمادية.
«ما تركبش العربية دي!»
سكت مدخل البيت كله.
وقعت فوطة التنضيف من إيد أم مريم، سارة حسن.
بقالها تمن شهور بتشتغل في قصر عيلة الجبالي في التجمع الخامس بالقاهرة، واتعلمت قاعدة أسرع من أي قاعدة تانية: ممنوع تقاطع ياسين الجبالي.
شركاته كانت بتوظف آلاف الناس في مجالات النقل والمطاعم والمقاولات والعقارات التجارية في القاهرة.
لكن الناس في البيت كانت دائمًا بتتعامل مع الهدوء الشديد اللي بيحيط بحياته بطريقة حذرة.
سارة ما كانش يهمها غير شغلها، وهي كانت عارفة كويس إيه اللي بيحصل لما ياسين يدخل أي مكان؛ الكل بيسكت باحترام.
وفي الصبح ده، كان واقف وراه اتنين من رجاله:
أدهم منصور، مدير أمنه، انتبه في نفس اللحظة.
وحسام الشرقاوي، المسؤول عن العربيات وتأمين مداخل البيت، بص ناحية الشبابيك الأمامية.
لكن مريم كانت باصة لياسين بس.
خدودها كانت محمرة، وإيديها الصغيرين مقبوضين.
جريت سارة ناحيتها:
«مريم.»
بنتها ما اتحركتش.
«حبيبتي، تعالي هنا.»
«لأ.»
الكلمة خرجت بالكاد كهمسة.
حست سارة إن قلبها وقع.
مريم ما كانتش طفلة عنيدة، لكنها لما كانت بتسمع نبرة أمها، كانت بتيجي فورًا… مش المرة دي.
بص ياسين للطفلة، وبعدين بص لسارة:
«هي بتخاف من العربيات؟»
«لأ يا باشا.»
كرهت سارة إنها ردت بسرعة كده، وحست إن صوتها طلع دفاعي:
«هي بتحب العربيات جدًا.»
العربية الخشب الصغيرة بتاعة مريم كانت مرمية وراها جنب السلم، وياسين لاحظها هو كمان.
بص حسام في ساعته:
«يا باشا، إحنا متأخرين اتناشر دقيقة.»
كان ياسين عنده اجتماع في وسط البلد مع تلاتة رجال من اتحاد شركات شحن، والناس دي ما كانتش بتحب أي تغيير في آخر لحظة.
لكن ياسين تجاهل حسام، ونزل على ركبته.
الحركة دي خوفت سارة أكتر من الغضب، لأن ياسين الجبالي ما كانش بينزل على ركبته قدام حد.
من قريب، ملامحه فضلت هادية ومسيطر عليها.
كان عنده اتنين وأربعين سنة، شعره أسود وفيه خصلات رمادي، ومعطفه الأسود متفصل بدقة شديدة.
«مريم.»
بصت له الطفلة:
«أيوه؟»
«ليه ما ينفعش أركب العربية؟»
شفايفها بدأت ترتعش، وقربت سارة منها:
«مفيش حاجة يا حبيبتي.»
مريم أشارت من خلال باب البيت المفتوح ناحية العربية الـSUV السودا الواقفة عند أول الطريق الدائري قدام القصر.
عيني ياسين اتغيرت:
«إيه اللي حصل؟»
بصت مريم له وبعدين قالت:
«الراجل.»
بص ياسين ناحية العربية فورًا:
«راجل؟»
كملت مريم:
«تحتها.»
بقى صوت ياسين أهدى:
«تحت العربية؟»
هزت راسها:
«أيوه.»
«وإمتى شفتيه؟»
الطفلة بصت له بحيرة:
«في الضلمة.»
«يعني لما الدنيا كانت ضلمة؟»
هزت راسها:
«أيوه.»
«كان بالليل؟»
«أيوه.»
«حط إيه؟»
مريم اتضايقت من كتر الأسئلة وقالت:
«نور.»
ورفعت صوابعها الصغيرين وعملت بيهم دايرة:
«نور صغير… حط حاجة سودا.»
حست سارة ببرودة بتجري في جسمها كله.
طلع من حسام نفس قصير:
«يا باشا…»
لكن ياسين ما شالش عينه من على مريم:
«شفتي ده إمتى؟»
رفعت الطفلة تلات صوابع.
بص ياسين لسارة:
«من تلات أيام؟»
هزت سارة راسها:
«مش عارفة.»
شقة الموظفين بتاعتهم كانت في الجزء الشرقي من مبنى الجراج، وشباك أوضة مريم كان بيطل على جزء من الطريق المؤدي للجراج.
وفجأة افتكرت سارة إنها صحيت من تلات ليالي، ولقت مريم واقفة جنب الشباك فاكراها بتتفرج على المطر.
«مريم.»
نزلت سارة على ركبها قدام بنتها:
«كانت ليلة المطر؟»
هزت مريم راسها:
«مطر كتير.»
ضحك حسام ضحكة قصيرة ومتوترة:
«الأطفال ممكن تحلم يا باشا، دي عندها تلات سنين.»
المرة دي ياسين بص له، فسكت حسام فورًا.
وقف ياسين وقال:
«أدهم.»
«أيوه يا باشا.»
«ابعد كل الناس عن العربية.»
الجزء الثاني
أدهم ما سألش ليه؛ رفع إيده فورًا، واتنين من رجال الأمن اتحركوا ناحية البوابة:
«محدش يقرب من العربية. اقفلوا الطريق كله.»
حسام حاول يتكلم:
«بس يا باشا، العربية اتفحصت قبل ما—»
«قولت محدش يقرب.»
صوت ياسين ما كانش عالي، وده بالذات هو اللي خلّى الكل يتحرك أسرع.
سارة فضلت واقفة مكانها حاضنة مريم، وبتبص للعربية من بعيد وقلبها بيخبط بعنف.
بعد أقل من دقيقة، وصل رجل من فريق الأمن ومعاه جهاز فحص، وبدأ يفحص السيارة من مسافة.
ثواني… وبعدين وقف فجأة.
بص لأدهم، وأدهم بص لياسين:
«في حاجة تحت العربية.»
شهقت سارة، بينما لم يتحرك ياسين من مكانه:
«إيه؟»
«مش قادر أحدد من هنا.»
أدهم أشار للفريق:
«هاتوا الروبوت.»
بعد دقائق، كان جهاز صغير يتحرك أسفل السيارة.
الكل وقف ساكت، ومريم دافنة وشها في كتف أمها.
ظهر جسم صغير مثبت بالقرب من الجزء السفلي للعربية.
حسام ابتلع ريقه:
«ده… ممكن يكون جهاز تتبع.»
أدهم هز راسه:
«مش بس تتبع.»
قرب ياسين خطوة:
«اتكلم.»
«في جسم تاني جنبه، والشكل مش مطمئن.»
سارة حسّت إن رجليها ما بقوش شايلينها، لكن مريم رفعت راسها فجأة وقالت:
«مش ده.»
بصت لياسين:
«ده مش اللي شوفته.»
كل العيون اتجهت لها، ونزل ياسين لمستواها:
«إنتِ شوفتي حاجة تانية؟»
هزت راسها:
«الراجل حط حاجة عند العربية… هناك.»
وأشارت بإصبعها الصغير ناحية باب جانبي في الجراج:
«وبعدين جري.»
وقف ياسين وقال لأدهم:
«هات تسجيلات الكاميرات من تلات ليالي… ومن غير ما حد يعرف.»
بعد عشرين دقايق، كانوا جوه غرفة المراقبة.
سارة كانت قاعدة ومريم على حجرها، بينما ياسين واقف قدام الشاشات.
بدأت الكاميرات ترجع لثلاث ليالٍ مضت، حتى ظهر الساعة الثانية وسبعة عشر دقيقة صباحًا شخص لابس ملابس داكنة، داخل من الباب الجانبي وواقف عند العربية.
حسام قرب من الشاشة:
«هو ده.»
لكن مريم مسكت إيد أمها بسرعة:
«لأ.»
ياسين التفت لها:
«مش هو؟»
هزت راسها:
«الراجل التاني.»
أدهم رجع التسجيل، وبعد ثوانٍ ظهر شخص تاني بعيد عن الكاميرا واقف عند سور الجراج ورفع إيده.
مريم قالت:
«ده.»
اقترب ياسين من الشاشة:
«إنتِ متأكدة؟»
«كان بيبص عليا.»
سارة حسّت بقشعريرة، وسأل ياسين:
«مين عنده وصول للجزء ده من البيت؟»
أدهم بدأ يراجع قائمة العاملين، وفجأة وقف:
«يا باشا… الشخص الأول دخل بكارت موظف باسم محمود عبدالسلام.»
قال حسام بسرعة:
«ده فرد أمن جديد من شهرين تقريبًا.»
«والتاني؟» سأل ياسين.
أدهم ظل ساكتًا:
«الكاميرا مش جايبة وشه.»
«مين كان مسؤول عن تغيير زاوية الكاميرا دي؟»
بص أدهم في الملفات، ثم رفع عينه ببطء:
«حسام.»



