روايات وقصص

حماتى

حماتي كانت كل يوم تقريبًا تقوللي: ـ اخرجي من بيتي! وفي يوم قررت أسمع كلامها فعلًا… اتصلت بشركة نقل عفش. وبعد نص ساعة بس، كان البيت بتاعها بيتفضى قدام عينيها حتة حتة! أنا متجوزة بقالي 3 سنين. وأكتر جملة سمعتها من حماتي خلال الـ 3 سنين دول كانت: ـ البيت ده أنا اللي شرياه، فبطلي تعيشي فيه دور ست البيت!

 

لو اتخانقت أنا وجوزي…
ـ اخرجي من بيتي!
لو الأكل طلع مالح شوية…
ـ مش عاجبك؟ اخرجي من بيتي!
حتى لو اشتريت بوكيه ورد صغير وحطيته في الصالة، كانت لازم ترميلي كلمتين:
ـ ما هو أكيد مش من فلوسك يعني!

لحد الليلة دي…
لما وقفت حماتي قدامي، وشاورت ناحية باب الشقة وقالت ببرود:
ـ اخرجي من بيتي!

المرة دي ما اتخانقتش.
ما عليتش صوتي.
وما حاولتش حتى أدافع عن نفسي.
طلعت موبايلي بهدوء، واتصلت بمكالمة واحدة.
وبعد نص ساعة بالظبط…
شركة نقل العفش كانت واقفة قدام الباب.
وكل حاجة أنا اللي كنت شاريها من يوم جوازنا…
خليتهم يشيلوها.
الكنبة.
السفرة.
الأجهزة الكهربائية.
الأثاث.
وكل حاجة في البيت دفعت فيها جنيه من جيبي.

وأنا واقفة بتفرج على البيت وهو بيفضى واحدة واحدة، وش حماتي بدأ يصفر.
وبعدين صرخت فيا:
ـ إنتِ بتعملي إيه؟! إنتِ عايزة تخربي البيت؟!

بصيتلها وابتسمت.
ـ مش إنتِ اللي قولتيلي أخرج من بيتك؟
رفعت كتفي بهدوء:
ـ خلاص… أنا خارجة. وحاجتي خارجة معايا.

01

3 سنين جواز.
وأكتر كلمة سمعتها فيهم كانت: “اخرجي”.
الأكل مالح؟ اخرجي.
اتأخرت في مسح الأرض؟ اخرجي.
اشتريت بوكيه ورد وحطيته في الصالة؟ اخرجي.

ولو جوزي أحمد مجرد كشر في وشي، أمه سامية كانت أول واحدة تخبط بإيدها على الترابيزة وتقول:
ـ البيت ده أنا اللي شرياه، فبطلي تعيشيلي دور ست البيت هنا.

في الأول كنت بحاول أشرح؛ الأكل مالح النهاردة لأن أحمد نفسه امبارح قاللي إنه نفسه yaكل أكل متبل شوية، والورد اللي في الصالة اشتريته وأنا راجعة من الشغل بفلوسي وما أخدتش جنيه من حد.
بس مع الوقت بطلت أشرح، لأني اكتشفت إن مفيش فايدة؛ عقد الشقة باسم سامية، وعشان كده، جملة “ده بيتي” بالنسبة لها كانت زي الحكم النهائي.

كنت بصحى كل يوم الساعة 6 الصبح، أعمل الفطار، أغسل الهدوم، أمسح البيت، وأنزل شغلي. أرجع حوالي الساعة 7 بالليل أطبخ وأنضف المطبخ.
وأحمد؟ قاعد على الكنبة بيلعب على الموبايل.
وسامية قاعدة على السفرة تراجع شغلي كأنها مفتشة جودة: “الخضار مستوي زيادة.. اللحمة لسه فيها زفارة.. الست اللي عايزة تحافظ على بيتها لازم إيديها تبقى سريعة شوية”.
وأحمد عمره ما كان بيرفع راسه من الموبايل.

وفي ليلة، كنت قاعدة على الأرض جنب الترابيزة، وفي إيدي فوطة بنضف بيها… وفجأة فهمت الحقيقة: المشكلة مش إني مش بعمل كفاية، المشكلة إن البيت ده من البداية مكنش فيه مكان ليا، وأنا كنت بالنسبة لهم مجرد شغالة من غير مرتب.

الساعة كانت حوالي 9 بالليل. كنت لسه حاطة آخر طبق في الدولاب لما موبايلي رن؛ رسالة من البنك بخصوص قسط الشقة الشهري، ومن حساب مرتبي أنا!
أيوه… سامية فعلًا هي اللي دفعت مقدم الشقة، لكن من بعد الجواز، أقساط الشقة كنت بدفعها أنا وأحمد، أو بمعنى أدق، أنا اللي كنت بدفع أغلبها. مرتب أحمد كان بيروح في قسط العربية، السجاير، الخروجات، وأدوية ومكملات أمه. أما مرتبي فكان بيتدفع منه القسط، الكهربا، المياة، الغاز، وطلبات البيت.

وسامية عارفة، وأحمد عارف، لكن ولا واحد فيهم عمره اتكلم.

فجأة جرس الباب رن؛ أخت سامية جت تزورنا ومعاها بنتها، ودخلوا قعدوا من غير ما يغيروا جزمهم، وطبق الفاكهة اتقلب في دقايق. جبت طبق تاني، فأخت سامية بصتله وقالت:
ـ هو ده بس؟
قلت:ـ الفاكهة غليت جدا اليومين دول.
ضحكت بسخرية وقالت:ـ إنتِ خلاص اتجوزتي ودخلتي عيلة، مينفعش كل حاجة تحسبيها على نفسك.
دخلت سامية فورًا:ـ هي تعرف يعني ايه بيت أصلًا؟ تدفع في بوكيه ورد عادي، لكن لما نجيب سيرة فاكهة للضيوف تعملنا فيها حريصة!

في اللحظة دي أحمد خرج من الأوضة وقال:
ـ يا ماما خلاص، كفاية.. ما هي منى أكيد ما عملتش كده بقصد.
كلمة “ما عملتش بقصد” كانت أوجع من الشتيمة.

أخت سامية ضحكت:ـ أحمد ده طيب أوي، راجل غيرك كان استحمل الوش المكشر ده؟
وخبطت سامية الشوكة على السفرة وقالت:ـ مش عاجبها تخرج! هي الشقة أصلًا بتاعتها؟

الصالة كلها سكتت. التليفزيون كان شغال ببرنامج كوميدي، لكن الضحك وقتها كان مستفز.
بصيت لحلة شوربة اللحمة اللي طلبتها سامية الضهر، ووقفت ساعتين بطبخها. داقتها وقالت ملحها قليل، زودت الملح فقالت بقت مالحة، ودلوقتي بتطردني من البيت من غير سبب حقيقي.

حطيت السكينة على الطبق، ورفعت سامية عينها:ـ مالك؟ مش عاجبك؟
وكشر أحمد:ـ بلاش مشاكل بقى.
بصيتله وقلت:ـ أنا اللي بعمل مشاكل؟!
دي تقريبًا كانت أول جملة أقولها طول الليلة، وأول مرة خلال 3 سنين ما أوطيش راسي وأسكت.

ضاحكت سامية باستهزاء:ـ الله! بقى عندك لسان وبتردي كمان؟ قاعدة في بيتي وبتاكلي من خير ابني وفي الآخر بتكشري في وشي؟!
بصيت لأحمد، فهرب بعينه مني وقال:
ـ ادخلي الأوضة يا منى، إنتِ عارفة طبع أمي، استمليها شوية.

استحمل؟ أنا استحملت 3 سنين، استحملت لحد ما حساب مرتبي كان بيتصفر كل شهر تقريبًا، استحملت لما دهب أمي اللي ادتهولي في جوازي سامية أخدته من غير إذني وادته لبنتها، استحملت يوم حرارتي وصلت 39 وبرضه قومت من السرير عشان أعملهم العشا.
لكن الليلة دي… فجأة اكتشفت إني مش عايزة أستحمل تاني ولا دقيقة.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى