روايات وقصص

جوزي

بصيت له وقلت: ليه؟
سكت كريم طويلاً وبعدين قال: أنا كنت عايز أعمل مشروع.
ـ مشروع إيه؟
ـ شركة مقاولات صغيرة.
ـ من غير ما تقوللي؟
ـ كنت عايز أثبتلك إني مش فاشل.
الكلمة دي وجعتني أكتر من كل اللي حصل.. قلت: فسرقت ثقتي؟
ـ ما سرقتش!
ـ استخدمت فلوسي من غير إذني.. وسماحك لأمك تاخد جزء منها.
ما ردش.. وقالت أمه: أنا كنت هرجعهالك!
ضحكت بمرارة: إمتى؟ لما أخويا يسدد ديونه!
قال أبويا: يعني كنتوا بتمولوا أخوكي من فلوس بنتي؟
ولا واحد رد.

كنت فاكرة إن دي أكبر صدمة، لكنها ما كانتش!
قال المحاسب فجأة: فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.
ـ إيه؟
فتح ملف صغير وقال: الشركة اللي كريم كان بيقول إنه أسسها.. الشركة دي موجودة فعلاً.
قلبني دق: باسم مين؟
ـ باسم كريم ونوال.
بصيت لكريم: إيه؟
غمض كريم عينه.
قال أبويا: وفلوس تأسيسها؟
رد المحاسب: جزء منها جاي من حساب سما.
قال كريم بسرعة: أنا كنت هرجعهم!
ـ إمتى؟
ما ردش.

هنا.. أنا ما عيطتش، على العكس، حسيت براحة غريبة لأني أخيرًا فهمت.. الموضوع ما كانش إن كريم عايزني أقعد في البيت، كان عايزني أقعد في البيت عشان ما أشوفش اللي بيحصل في فلوسي!
مدام نوال كانت بتضغط عليا عشان أبطل شغل، وكريم كان بيحاول يظهر قدامي إنه راجل البيت، وفي الحقيقة كان الاتنين بيعتمدوا على راتبي أكتر مما كنت متخيلة.

قمت من على الكرسي، روحت للمطبخ قفلت النار، ورجعت.. بصيت لكريم:
فاكرة لما قلتلي اقعدي في البيت واطبخي زي أي ست طبيعية؟
هز رأسه.
قلت: أنا فعلاً قعدت في البيت النهارده، وطبخت.. بس مش عشان أطيعك.
وقفت قدام باب الشقة: عشان أشوف مين صاحب البيت فعلاً.
قال كريم: سما، إحنا ممكن نحل الموضوع.
ـ لأ.. الموضوع اتحل، بس مش بالطريقة اللي كنت متخيلها.

بعد أسبوعين.. رجعت شغلي، لكن المرة دي بترقية جديدة، الشركة كانت محتاجة مدير مشروع إقليمي والإدارة اختارتني، وراواتبي زاد.
وأول حاجة عملتها؟ فتحت حساب بنكي جديد باسمي فقط، وغيّرت كل كلمات السر، وألغيت كل التفويضات القديمة.
أما كريم فاضطر يواجه الإجراءات القانونية بسبب استخدام أموالي بدون إذني، لكنني لم أطلب حبسه، طلبت فقط استرداد حقي كاملاً.
وبعد جلسات طويلة اتفقنا على الانفصال رسمياً، الشقة فضلت باسمي، والشركة اللي حاول يعملها بفلوسي توقفت.
أما مدام نوال فأخوها اختفى بعد ما ظهرت ديونه الحقيقية، ولما حاولت تتصل بيا بعد شهور ما رديتش.. مش انتقاماً، لكن لأن بعض الأبواب لما تتقفل مش لازم تتفتح تاني.

بعد ستة شهور.. كنت واقفة في موقع المشروع، لابسة خوذتي والعمال حواليا.
قال واحد من المهندسين: مدام سما، المدير العام عايزك في المكتب.
ابتسمت.. وأنا ماشية موبايلي رن برقم غريب.
رديت.. صوت كريم:
ـ سما؟
سكت.. وقال: أنا عايز أعتذر.
ـ اتفضل.
ـ أنا خسرت كل حاجة.
رديت بهدوء: لا يا كريم.. إنت ما خسرتش كل حاجة، إنت خسرت الحاجة اللي كنت فاكر إنك تقدر تملكها وهي أنا.. لكن حياتك لسه قدامك.
ـ ممكن تسامحيني؟
بصيت قدامي وشفت الشمس طالعة على المبنى اللي كنت مسؤولة عنه وقلت: سامحتك من زمان.. بس المسامحة مش معناها الرجوع.
وأغلقت المكالمة.

بعدها بسنة.. كنت قاعدة في مكتبي الجديد، وعلى الحيطة صورة المشروع بعد ما خلص.
دخل أبويا وابتسم وقال: فاكرة اليوم اللي اتصلتي بيا وقلتيلي هات الملف الأزرق؟
ضحكت: عمري ما هنساها.
ـ كنتي بتعيطي؟
هزيت رأسي: لأ.
ـ كنتي خايفة؟
فكرت ثواني ثم قلت: كنت خايفة.
ـ من إيه؟
ـ إني أكتشف إن الشخص اللي عايشة معاه ما يعرفنيش.
سكت أبويا فكملت: بس اكتشفت حاجة أهم.. إني أنا كمان كنت ناسية أعرف نفسي.
ـ وعرفتيها؟
بصيت من الشباك وقلت: أيوه.. مش مجرد زوجة، ولا مجرد موظفة، ولا مجرد ست بتقبض 118 ألف جنيه، أنا إنسانة تعبت ووصلت، ولي حق أختار، ولي حق أرفض، ولي حق أمشي من أي مكان كرامتي فيه بتتهان.
وأهم حاجة.. إني ما احتجتش أخلي حد يحس إنه أقل مني عشان أثبت إني مش أقل من حد.

أما الحلة اللي طبختها يومها، فضلت فاكرة ريحتها فترة طويلة، لأنها كانت أول مرة في حياتي أدخل المطبخ وأنا مش مكسورة، كنت بطبخ وأنا عارفة إن فيه قرار بيتاخد.
ومن يومها فهمت إن أقوى قرار ممكن تاخديه مش دايمًا يكون بالصوت العالي.. أحياناً.. تسيبيهم يفتكروا إنهم كسبوا، وتسكتي، وتحضري أوراقك، وتقفلي الباب بهدوء، وتبدأي حياتك من جديد.
لأن في ناس لما تمنعك من الخروج من باب البيت.. ما تعرفش إنك أصلاً كنتِ بتجهزي للخروج من حياتهم كلها.
النهاية .
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى