روايات وقصص

مربيه

أربعتاشر مربية أطفال محترفة كانوا سابوا فيلا ياسين الدمنهوري في أقل من سنة. اتنين منهم خرجوا منها على الإسعاف. ودلوقتي أنا قدامي 72 ساعة بس عشان أثبت إني أقدر أتعامل مع الأربع عيال اللي كل اللي اشتغلوا عندهم قبل كده كانوا بيسموهم مستحيل يتربّوا. ما كانش قدامي رفاهية إني أفشل.

أختي الصغيرة كانت محتاجة عملية مصيرية، والفلوس اللي هاخدها من الشغلانة دي هي الأمل الوحيد قدامي.
الخوف ممكن أتعامل معاه بعدين.
بس قبل ما ياسين حتى يكمّل تحذيراته عن ولاده
حاجة طارت فجأة من فوق سور السلم في الدور التاني، وجاية ناحيتي بسرعة، لدرجة إني ما لحقتش أفكر.
أنا اسمي سلمى ناصر.
وفي صباح يوم الاتنين، والبرد كان قارس، عربية SUV سودا وقفت قدام بوابة فيلا ياسين الدمنهوري في التجمع.
بوابة حديد ضخمة.
كاميرات مراقبة في كل حتة.
مساحة واسعة مليانة شجر عريان من ورقه.
ورجالة واقفين حوالين المكان، عاملين نفسهم عادي.
بصيت للفيلا من بعيد، وافتكرت أنا جيت هنا ليه.
أختي محتاجة عملية.
وأنا محتاجة الفلوس.
يبقى الخوف يستنى.
لسه هفتح باب العربية
سمعت صوت إزاز بيتكسر في الدور اللي فوق.
وبعده على طول، صوت طفل بيصرخ
آآآه!
طفل تاني انفجر في الضحك.
وبعدين واحد من أفراد الأمن زعق بأعلى صوته
انزل من هناك حالًا!
اتسمع خبط جامد جدًا، لدرجة إن الشبابيك نفسها اتهزت.
بصيت للسواق.
هو ده طبيعي؟
رد بمنتهى البرود
أيوه يا فندم.
اتسمع صوت خَبطة تانية.
السواق سكت ثانيتين، وبعدين قال
يعني دي كانت أعلى شوية من المعتاد.
بصيتله وأنا ببلع ريقي.
يا رب.
أول ما دخلت الفيلا، كل حاجة كانت شيك بشكل مبالغ فيه.
أثاث غالي.
أرضيات لامعة.
تحف في كل مكان.
بس الغريب إن المكان كله كان ميت.
مفيش لعب أطفال.
مفيش صور عيلة.
مفيش حتى حاجة بسيطة تحسسك إن أربع أطفال عايشين هنا.
وأنا طول عمري كنت مقتنعة إن البيوت بتتكلم عن أصحابها.
والبيت ده كان بيقول بصوت عالي إن فيه حاجة حصلت هنا من زمان
وحاجة مش بسيطة.
أنا اشتغلت مع الأطفال حوالي 11 سنة.
منهم ست سنين كنت بتعامل مع أطفال مروا بحاجات صعبة جدًا
إهمال.
مشاكل أسرية.
بيوت بديلة.
وفقدان أهل.
فأنا كنت عارفة كويس إن الطفل اللي بيتصرف بعنف مش بالضرورة يكون طفل سيء.
غالبًا بيكون طفل موجوع ومش عارف يقول اللي جواه.
وفجأة، باب مكتب الفيلا اتفتح.
وخرج منه ياسين الدمنهوري.
واحد وأربعين سنة.
بدلة رمادي غامق متفصلة عليه، وشوية شعر أبيض بدأوا يظهروا عند صدغيه.
الناس في الجرائد كانوا بيسموه رجل أعمال ومستثمر كبير، وبيتكلموا عن تبرعاته وأعماله الخيرية.
لكن في كلام تاني كان بيتقال عنه بعيد عن الجرائد.
إنه راجل مهم.
مفاوض ما بيتهزش.
وإن نفوذه واصل لأماكن محدش يحب يسأل عنها.
بصلي وقال
إنتِ سلمى ناصر؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
على حسب مين بيسأل.
رفع حاجبه.
أنا بسأل.
يبقى أيوه، أنا سلمى.
بصلي شوية، وبعدين قال
عارفة أنا مين؟
هزيت كتفي.
أكيد. دورت عن حضرتك قبل ما أجيلك.
لأول مرة، طرف شفايفه اتحرك كأنه كان هيبتسم.
بس ابتسامته اختفت بسرعة.
دخلنا مكتبه، وقفل الباب ورانا.
وقعد يشرحلي الموضوع.
الكبير اسمه آدم، عنده 11 سنة.
بعده كريم، 9 سنين.
مالك، 7 سنين.
وأصغرهم يحيى، عنده 6 سنين.
أمهم ماتت من أربع سنين.
سكت شوية، وبعدين قال
في 11 شهر، أربعاشر مربية مشيوا.
قلت وأنا بحاول أبان هادية
رقم كبير.
رد بمنتهى الجدية
اتنين منهم خرجوا من هنا على الإسعاف.
رمشت كذا مرة.
معلش ده كان موجود في إعلان الوظيفة؟
بصلي من غير ما يضحك.
لأ.
بلعت ريقي.
تمام.
كمل
هما مش عيال سيئة.
قلت بسرعة
كويس.
هما بس متعصبين.
المرة دي ما رديتش فورًا.
لأن الكلمة دي فرقت معايا.
متعصبين.
مش أشرار.
أطفال زعلانة ومش عارفة تتعامل مع اللي جواها.
كمل ياسين
بيتخانقوا طول الوقت. بيكسروا حاجات. مرة حبسوا واحدة من العاملات جوه دولاب.
دولاب؟
آه.
كبير؟
بصلي باستغراب.
دولاب هدوم.
هزيت راسي.
تمام كملي.
قال
ويحيى شد إنذار الحريق كله عشان واحدة من المربيات أخدت منه التابلت.
رفعت حاجبي.
حصل حريق؟
لأ.
كويس.
بصلي شوية، وبعدين قال
إنتِ مش خايفة؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
خايفة طبعًا.
ومع ذلك قبلتي؟
محتاجة الشغل.
فضل ساكت ثواني، وبعدين سألني فجأة
محتاجة الفلوس ليه للدرجة دي؟
إيدي شدت على شنطتي من غير ما أحس.
السؤال لمس أكتر نقطة كنت بحاول أخبيها.
أختي.
العملية.
والفلوس اللي مش معايا.
فتحت بقي عشان أرد
لكن قبل ما أنطق، سمعنا صوت طفل جاي من الدور اللي فوق
يا بابااا! هي وصلت!
رفعت عيني للسقف.
وفجأة
حاجة اتحدفت من فوق سور السلم.
طارت ناحيتي بسرعة.
مديت إيدي في آخر لحظة
ومسكتها قبل ما تخبط في وشي بسنتيمترات.
كانت كرة بيسبول.
رفعت عيني لفوق.
الأربع عيال كانوا واقفين على السلم، بيبصوا لي.
الكبير، آدم، بص للكرة اللي في إيدي.
وبعدين بصلي.
وقال بمنتهى الهدوء
هي مسكتها.
بصيت لهم واحد واحد.
وبعدين قلت
دي كانت محاولة تخوفني عشان أمشي؟
ولا واحد فيهم رد.
لكن ورايا مباشرة
سمعت ياسين بيهمس بصوت واطي جدًا
لأ دي مش أخطر حاجة ممكن يعملوها.
لأ دي مش أخطر حاجة ممكن يعملوها.
فضلت باصة لياسين ثانيتين.
وبعدين رجعت بصيت للأولاد.
آدم كان واقف قدام إخوته، ثابت بشكل غريب بالنسبة لطفل عنده 11 سنة.
كريم كان بيضحك.
مالك كان مستخبي نصه ورا سور السلم.
أما يحيى
فكان باصصلي بطريقة مختلفة تمامًا.
مش خوف.
ولا تحدي.
كان بيراقبني.
كأنه مستني يشوف أنا هعمل إيه.
نزلت الكرة من إيدي، وبصيت لآدم.
حلوة.
رمش.
إيه؟
الرمية.
قال بتردد
خوفتِ؟
هزيت راسي.
شوية.
كريم ضحك.
يبقى هتمشي.
بصيتله.
ليه؟
كلهم مشيوا.
سكت.
وبعدين قربت منه خطوة.
بس أنا مش كلهم.
ضحكته اختفت.
آدم بصلي بسرعة.
أما يحيى، فابتسم لأول مرة.
ابتسامة صغيرة جدًا.
ما حدش خد باله منها غيري.
ياسين قال بحدة
آدم.
الولد سكت فورًا.
لفيت ناحية ياسين.
ممكن أسأل سؤال؟
اتفضلي.
الأربع أطفال دول عندهم قواعد معينة؟
آه.
وإيه هي؟
رد بسرعة
ممنوع الخروج من الفيلا من غير إذني. ممنوع الاقتراب من مكتبي. ممنوع دخول الجناح الشرقي. وممنوع العبث بالكاميرات.
وقفت عند آخر جملة.
ليه؟
سكت.
مجرد ممنوع.
بصيتله.
تمام.
وبعدين قلت
وأنا عندي قاعدة واحدة.
رفع حاجبه.
إيه؟
طول ما أنا موجودة هنا، محدش هيمد إيده على حد.
ياسين بصلي بثبات.
تقصدي الأطفال؟
أقصد أي حد.
لأول مرة، ملامحه اتغيرت.
لكن قبل ما يتكلم
سمعنا صوت تكسير من المطبخ.
ياسين لف بسرعة.
مالك!
جري ناحية الباب.
وأنا جريت وراه.
دخلنا المطبخ، لقينا طبق مكسور على الأرض، ومالك واقف جنب الرخامة.
لكن المفاجأة إن إيده كانت بتنزف.
ياسين قرب منه.
إنت عملت إيه؟
مالك رجع لورا.
ما عملتش حاجة.
إيدك بتنزف!
مش أنا.
بصيت للأرض.
كان فيه زجاج مكسور.
لكن مكان الطبق كان بعيد عن مالك.
قربت منه بهدوء.
وريني إيدك.
خبّاها ورا ضهره.
لا.
مش هوجعك.
كلهم بيقولوا كده.
الجملة وقفتني.
بصيت لياسين.
هو كمان سمعها.
قلت
مين كلهم؟
مالك ما ردش.
ياسين مد إيده.
تعالى.
الولد اتراجع أكتر.
وفجأة آدم ظهر في الباب.
بابا سيبه.
ياسين بصله.
آدم، اطلع فوق.
لأ.
قلت اطلع فوق.
مش هطلع.
الصوت كان هادي، لكن لأول مرة شفت الغضب الحقيقي في عينه.
مش غضب طفل.
غضب واحد كبير اضطر يكبر بدري.
قلت

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى