روايات وقصص

الحقوا ماما ساعدنى حواديت توتا

الواد الصغير اللي كان بيخبط بكل قوته على إزاز عربيتي الفيراري، ماكانش عنده أكتر من خمس سنين، بس الرعب اللي كان مالي عينيه جمّد الدم في عروقي. ماما بتموت… والنبي ساعدني! ماكانش يعرف إن الراجل اللي قاعد ورا الإزاز ده واحد من كبار رجال الأعمال في القاهرة، والناس كلها بتخاف من اسمه، ولا كان يعرف إن نزولي وراه ودخولي حارة ضيقة في قلب القاهرة هيوصلني لست تعرف اسمي الحقيقي…

 

وتعرف سر أنا كنت فاكر إني دفنته من سنين.

إشارة المرور كانت لسه قلبت أخضر، وأنا نزلت إزاز العربية للنص.

وش الواد كان مليان تراب، والدموع نازلة على خده، وكان حاضن عربية لعبة حمرا قديمة ومبهدلة على صدره.

سألته: إيه اللي حصل؟

قال وهو بيشهق من العياط: ماما مش عارفة تتنفس… هي جوه الحارة. ومش بتصحى. والنبي يا بيه ساعدني.

زمور عربية ضرب ورايا. وبعده زمور تاني.

السواق بتاعي ماكانش معايا الصبح ده. ولا الرجالة الاتنين اللي كانوا دايمًا بيمشوا ورايا ويحرسوني.

ولأول مرة من سنين… كنت لوحدي. وده كان شيء نادر.

عندي ستة وتلاتين سنة، وكنت ماسك شبكة مصالح كبيرة ممتدة من نوادي القاهرة الليلية لحد شركات رجال الأعمال.

الناس كانت بتخاف من اسمي. في ناس كانت مديونة ليا بفلوس، وناس تانية كانت مديونة ليا بحياتها.

عدّيت مواقف صعبة كتير، ورجالة كانوا بيبتسموا في وشي وهم بيرتبوا خلافاتهم.

لكن ولا حاجة في حياتي كانت ممكن تجهزني لطفل عنده خمس سنين واقف قدامي وبيترجاني أنقذ أمه.

سألته: اسمك إيه؟

قال: ياسين.

بصيتله. هو ماكانش طالب فلوس، ولا كان بيحاول يسرق ساعتي. هو كان طالب حاجة أهم… كان طالب وقت.

شغلت إشارات الانتظار، وفتحت باب العربية.

ياسين عينيه اتوسعت أول ما شافني نازل على الرصيف ببدلتي السودا.

قلتله: خدني عندها.

بصلي بعدم تصديق: بجد؟

رديت بحزم: قولتلك خدني عند أمك.

جرينا. وفي ثواني، اختفت الشوارع الواسعة والمحلات اللامعة ورا ضهرنا.

ياسين دخلني حارة ضيقة بين عمارتين قدام في واحدة من مناطق القاهرة القديمة.

أكياس الزبالة كانت مرمية على الجانبين، وكرتون مبلول لازق في حيطان الطوب المتسخة. وفجأة وقف، وأشار لقدامه: هي هناك.

كانت ست مكوّرة نفسها تحت بطانية قديمة.

صرخ: ماما! وجري ناحيتها.

نزلت على ركبتي جنبه، وحطيت صوابعي على رقبتها أدور على النبض. ضعيف، وسريع بشكل يخوّف.

طلعت موبايلي فورًا: إسعاف… حالًا.

موظف الطوارئ بدأ يسألني أسئلة. عادةً مكالمة واحدة مني كانت كفيلة إنها تخلي عشر رجالة يوصلوا في دقايق.

بس المرة دي… ولا حاجة من ده كانت هتفرق. الفلوس والنفوذ ماكانوش يقدروا يجبروا الست دي إنها تتنفس.

ياسين مسك إيد أمه وهو بيعيط: ماما… والنبي اصحي. صوته اتكسر. والصوت ده لمس حاجة جوايا ماكنتش فاكر إنها لسه موجودة.

قلتله: هي لسه بتتنفس. خليك جنبها.

فكّيت لها ياقة هدومها شوية، وفضلت حاطط صوابعي على نبضها.

وفجأة… شعرها الأسود اتحرك من على وشها. اتجمدت مكاني.

كان فيه أثر جرح صغير جنب حاجبها. أنا عارف العلامة دي.

لا… مستحيل. ذكريات دفنتها سنين، فجأة اتفتحت قدامي. ليلة مطر. ست بتعيط. ووعد أنا ماوفيتش بيه. وحاجة صغيرة لونها أحمر اتحطت في إيدي… قبل ما كل حاجة تنهار.

يا بيه؟ صوت ياسين رجعني للواقع. كان بيبصلي، وبعدين سأل: إنت تعرف ماما؟

قبل ما ألحق أرد، الست اتحركت. جفونها رفرفت. قربت منها، فتحت عينيها ببطء. في الأول كانت مش فاهمة حاجة، وبعدين شافتني.

في اللحظة دي، كل الدم اختفى من وشها. همست بصوت متقطع: آسر…؟

الدم اتجمّد في عروقي. ياسين بص لأمه… وبعدين بصلي. محدش قال لها اسمي. والأخطر من كده… إن تقريبًا محدش برّه دايرتي كان يعرف الاسم اللي اتولدت بيه أصلًا.

همست: إنتِ عرفتي اسمي إزاي؟

حاولت تتكلم. لكن قبل ما تنطق، صوت عربيات الإسعاف دوّى من برّه الحارة.

وبصيت ناحية ياسين. وبالأخص… للعربية اللعبة الحمرا القديمة اللي كان حاضنها على صدره. نفسي اتقطع.

كان فيه خدش فضي صغير جدًا على كبوتها، وعجلة واحدة كانت متبدلة بعجلة سودا. أنا كنت عارف كل علامة فيها.

لأن اللعبة دي… كانت بتاعتي أنا. من سنين طويلة. من أيام طفولتي.

بصيت لياسين وقلتله ببطء: ياسين… إيه؟ إنت جبت العربية دي منين؟

شد اللعبة أكتر على صدره، وقال ببساطة: ماما هي اللي ادهالي.

رفعت عيني وبصيت للست. كانت بتعيط دلوقتي. بس مش من الوجع. كان بتعيط من الخوف.

همست: آسر… والنبي… مش قدامه.

مش قدامه؟

دخل اتنين من المسعفين بسرعة للحارة، لكن أنا تقريبًا ماكنتش شايفهم ولا سامعهم.

سنين طويلة، كان رجالة القاهرة بيهمسوا باسمي كأنه تحذير. كان عندي فلوس، ورجالة، وأعداء، وأسرار كفاية تدفن عائلات كاملة.

لكن فجأة… ولا حاجة من كل ده بقت مهمة. لأن طفل عنده خمس سنين خبط على إزاز عربيتي الفيراري، وهو شايل في حضنه حاجة من طفولتي… الطفولة اللي قضيت نص عمري وأنا بحاول أمحيها من دماغي.

وأمه… كانت عارفة بالظبط أنا مين.

السؤال ماعدش: ليه ياسين اختار عربيتي؟ السؤال الحقيقي بقى: هو أصلًا اختارها بنفسه؟ ولا حد هو اللي خلاه ييجي لعندي؟

الفصل الأول: الست اللي عرفت اسمي
أول ما عربية الإسعاف وصلت، المسعفين شالوا الست وحطوها على الترولي. ياسين كان متعلق في إيد أمه ومش راضي يسيبها.

واحد من المسعفين حاول يبعده، قاله: يا حبيبي سيب إيد ماما عشان نعرف ننقلها.

ياسين هز راسه بعنف: لأ!

قربت منه وقلت: ياسين… اسمع كلامه.

بصلي بعينين مليانين خوف: هتسيبها؟

السؤال نزل عليا تقيل. أنا عمري ما كنت من النوع اللي يطمن حد بكلام مش متأكد منه. لكن المرة دي قلت: لا. مش هسيبها.

مسك إيدي: وعد؟

بصيت في عينيه: وعد.

دخلنا عربية الإسعاف. الست كانت فاقدة الوعي تاني. المسعف بدأ يركب لها المحاليل ويقيس الضغط. أنا وقفت جنب الباب. مش فاهم ليه لسه واقف، ولا فاهم ليه الطفل ده قادر يخليني أنسى إن عندي اجتماع بعد ساعة مع أربعة من أكبر المستثمرين في القاهرة.

موبايلي رن. مرة. واتنين. وتلاتة. بصيت للشاشة: مروان.

رديت: أيوه.

صوته جه متوتر: باشا، إنت فين؟

في مستشفى.

سكت: مستشفى؟ حضرتك كويس؟

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى