
أنا كويس. في حاجة حصلت؟
بصيت لياسين: عايزك تعمل حاجة.
أوامرك.
هاتلي كل المعلومات عن ست اسمها…
وقفت. أنا أصلًا ماكنتش عارف اسمها. بصيت للمسعف: اسمها إيه؟
المسعف رد من غير ما يرفع عينه: بطاقتها اسمها مريم عبدالسلام.
كررت: مريم عبدالسلام.
مروان قال: حاضر.
وعايز معلومات عن ولد اسمه ياسين… خمس سنين تقريبًا.
ابنها؟
مش عارف.
تمام.
قفلت.
بعد دقايق، وصلنا المستشفى. وأول ما نزلنا، لقيت مدير الطوارئ بنفسه بيجري علينا: أستاذ آسر!
رفعت إيدي: بلاش كلام كتير. شوف الست.
حاضر.
دخلت مريم الطوارئ، وأنا فضلت بره. ياسين قعد على الكرسي، والعربية اللعبة الحمرا في حضنه. فضلت أبص لها.
حاجة جوايا كانت بتقولي إن الموضوع مش صدفة. مش ممكن. أنا شوفت آلاف العربيات واللعب في حياتي. لكن اللعبة دي… أنا فاكرها. فاكرها كويس.
كانت هدية من أبويا لما كان عندي سبع سنين. عربية سباق حمرا. العجلة الأمامية الشمال كانت اتكسرت في يوم خناقة، وأنا أصلحتها بعجلة سودا من عربية لعبة تانية.
وكان على الكبوت خدش فضي صغير. نفس الخدش. نفس العجلة. نفس اللون.
مديت إيدي: ممكن أشوفها؟
ياسين شدها بعيد: دي بتاعتي.
قلت: مش هاخدها.
فضل باصصلي، وبعدين سأل: إنت بتحب العربيات؟
ضحكت لأول مرة من الصبح: كنت بحبها.
ودلوقتي؟
دلوقتي بحب العربيات الحقيقية.
ابتسم: ماما قالتلي إن العربية الحمرا دي مهمة.
اتشد جسمي: قالتلك ليه؟
قالتلي ما أديهاش لحد.
إلا؟
إلا لو قابلت الراجل اللي عربيته شبهها.
بصيتله: عربيته شبهها؟
هز راسه: قالتلي لو شفت الراجل ده، خليه يساعدنا.
سألته: ومين الراجل ده؟
بصلي، وبكل براءة قال: إنت.
ماعرفتش أرد. وفي اللحظة دي خرج الدكتور. قمت بسرعة: هي عاملة إيه؟
الدكتور قال: حالتها مستقرة مؤقتًا، بس محتاجة فحوصات.
فيه إصابة؟
فيه خبطة في الرأس، وفيه إجهاد شديد.
يعني حالة إغماء؟
الدكتور هز راسه: مش بالضرورة.
بصيتله: يعني إيه؟
ممكن يكون حصل ضغط عصبي شديد أثر عليها.
الهدوء اللي كان في المستشفى اختفى من وداني. بصيت لياسين. الولد كان قاعد لوحده. وأول مرة حسيت إن الموضوع أخطر من جملة عادية. قربت من الدكتور: ممكن أشوفها؟
لما تفوق.
في اللحظة دي موبايل مروان رن. رديت: قول.
صوته كان واطي: باشا… عندي حاجة غريبة.
اتكلم.
مريم عبدالسلام… الاسم ده مش ظاهر تقريبًا في أي سجلات حديثة.
إزاي؟
لأنها عايشة من سنين باسم تاني.
سكت: اسم إيه؟
مروان قال: نورهان عزت.
الاسم ضربني في صدري. قفلت عيني: نورهان. مستحيل.
فتحت عيني وبصيت للعبة الحمرا. بدأت الذكريات ترجع. أنا عندي سبع سنين. أبويا لسه عايش. أمي بتصرخ. فيه خناقة. باب بيت بيتقفل. ست شابة بتجري بيا في المطر.
وكان فيه بنت صغيرة واقفة بعيد. نورهان. أختي.
لا… مش أختي. كانت… ابنة عمي. أو ده اللي قالوهولي.
لكن بعد الليلة دي، كل واحد اختفى في طريق. وأنا اتقال لي إن نورهان ماتت. من سنين. أنا بنفسي حضرت جنازة صغيرة. لكن الجثمان ماشفتهوش.
فضلت واقف وسط المستشفى، حاسس إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
مروان قال: باشا؟
رديت: هات كل حاجة عنها.
حاضر. وما تقولش لحد إني سألت.
حاضر.
قفلت. بعد ساعة تقريبًا، مريم فتحت عينيها. دخلت عندها. كانت مرهقة. أول ما شافتني، جسمها اتشد.
قالت: إنت ماكانش لازم تيجي.
قلت: وإنتِ ماكانش لازم تعرفي اسمي.
دموعها نزلت: أنا كنت عارفة إنك هتظهر.
مين بعت ياسين؟
سكتت.
جاوبيني.
قالت: أنا.
إنتِ؟
هزت راسها: أنا خليته يقف قدام عربيتك.
إنتِ كنتِ عارفة إني هكون هناك؟
أيوه.
إزاي؟
قالت: لأن كل يوم الصبح بتعدي من نفس الطريق.
اتجمدت: مين كان بيراقبني؟
مريم بصت للباب، وبعدين قالت: مش مهم مين بيراقبك.
إيه المهم؟
همست: المهم إنهم عرفوا إن ياسين وصل لك.
دخلت في صمت: مين هم؟
مريم بدأت تعيط: الناس اللي بيطاردونا من سنين.
اتجمدت: ليه؟
قالت: عشان نورهان.
ونورهان فين؟
قالت: عايشة.
قلبي ضرب بعنف: إنتِ نورهان؟
هزت راسها بالنفي: لأ.
أمال مين؟
قالت: أنا كنت مربيتها.
مربية مين؟
بصت ناحية ياسين: ابنك.
سكت ثواني طويلة، وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة: ابني؟
مريم هزت راسها: أيوه.
أنا معنديش ابن.
قالت: دي بالظبط المشكلة.
دخل ياسين فجأة: ماما!
مريم بصتله: تعالى يا حبيبي.
جري عليها، وأنا واقف مش قادر أتحرك.
مريم قالتلي: آسر… قبل ما تكرهني، لازم تعرف الحقيقة كلها.
الحقيقة إيه؟
قالت: ياسين مش مجرد طفل أنا برعاه.
سكتت، وبعدين قالت: ياسين هو ابنك.
كل حاجة حواليا اختفت. صوت الأجهزة. صوت الممرضات. حتى صوت نفسي.
بصيت لياسين. الولد كان ماسك إيد أمه. مافيش أي شبه واضح بيني وبينه، لكن فجأة بدأت أشوف تفاصيل ماكنتش واخد بالي منها. نفس نظرة العين. نفس طريقة ميل الرأس. حتى الحركة الصغيرة اللي بيعملها بإيده لما يتوتر… كنت بعملها وأنا صغير.
رجعت لمريم: مين أمه؟
مريم دموعها نزلت: نورهان.
نورهان مين؟
قالت: الست اللي قالولك إنها ماتت.
اتحركت ناحية الباب: فين هي؟
مريم مسكت إيدي: ماتروحش.
بصيتلها: ليه؟
قالت: لأن لو عرفت إنك لقيت ياسين… هيظهروا.
وده المطلوب؟



