Uncategorized

صاحبى امانى السيد 1

لم أستطع الرد، لأن كل كلمة كانت سهمًا مصيبًا. وقفت من مكانها وهي ترتعش، ونظرت إليّ وقالت: “محنتك لوحدك يا راجل. أنا مش هقدر أساعدك دلوقتي. أنا محتاجة وقت أفكر، لكن اعرف إن البيت ده مش هيرجع زي ما كان مهما حصل. أنت كسرت حاجة صعب تترقع.”

خرجت من الغرفة وتركتني وحدي مع صوت التلفاز المنخفض وضحكات الأطفال البعيدة. جلست على الأرض، وضغطت على رأسي بكفيّ، وأنا أتخيل كل المشاهد القادمة؛ لقاءات العائلة، أسئلة الأولاد، نظرات الجيران، وإجراءات العلاج، وتبعات الطلاق المحتمل، وكلها كانت صورًا ثقيلة تحطم روحي.

في تلك اللحظة، أدركت أن الثقة لا تُباع ولا تُشترى، وأن الزواج ليس لعبة أو صفقة، وأن الرجولة الحقيقية ليست في جمع الزوجات أو إثبات القوة، بل في الصدق والأمانة والوفاء لمن شاركوك حياتهم. ندمت، ندمًا شديدًا، لكن الندم لم يعد يكفي.

خرجت من الشقة بعد أن تركت رسالة لزوجتي بأنني سأنام عند صديق مؤقتًا، وأنني سأعود غدًا لتحمل المسؤولية، مهما كانت النتائج. مشيت في الشوارع وأنا أفكر في أولادي، وفي مستقبلهم، وفي الشفاء النفسي للزوجة الجديدة، وفي كيفية تصحيح الأخطاء، وفي أن الحياة ليست دائمًا كما نرسمها، لكنها دائمًا تمنحنا فرصة لإصلاح ما أفسدناه، متى امتلكنا الشجاعة للاعتراف.

لا أعرف ماذا سيحدث غدًا، لكنني عرفت أن أول خطوة هي قول الحقيقة، والثانية هي تحمل العواقب، والثالثة هي محاولة التعويض بقدر المستطاع. أما الباقي، فهو بيد الله وحده.

فضلت متسمرًا في مكاني، ريقي ناشف وعيني مثبتة على ملامحها القلقة، حتى خطت خطوتين نحوي ومدت يدها تضعها على كتفي وهي تكرر: “فيه إيه يا راجل؟ انطق وقّعت قلبي!”

أول ما لمستني، شعرت بوخز في صدري، وكأن لمسها الطيبة تذكرني بخطئي. بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي خرج مهزوزًا ومبحوحًا لدرجة أنني لم أعرفه:
“أنا أخطأت يا أم العيال.. أخطأت خطأ لا رجعة فيه.. أنا.. أنا تزوجت عليكِ.”

الكلمة نزلت على الشقة كالصاعقة. الهواء فجأة انسحب من المكان. رأيت الصدمة تشل ملامحها، عيناها اتسعتا برعب لا يصدق، ويدها التي كانت على كتفي تجمدت في الهواء، شفتاها بدأت ترتعش وكأنها تنتظر أن تكون الجملة التالية مزحة أو كابوسًا. وعندما رأيتها تفتح فمها، وبدت علامات الألم والغضب في عينيها لتنفجر وتصرخ في وجهي، رفعت يدي المرتجفة وأشرت إليها بخشوع شخص يغرق، وقطعت عليها أي كلمة قبل أن تنطقها:
“انتظري.. انتظري لا تتكلمي ولا تقولي شيئًا.. أقسم بالله ليست هذه الكارثة.. الكارثة أكبر من ذلك بكثير!”

وفجأة، انهارت كل محاولاتي لأن أبدو متماسكًا. رجلاي لم تحملاني، ركبتاي خرتا تحتي ونزلت على الأرض، وسندت رأسي على كفيّ، وانفجرت باكيًا، بكاء رجل اكتشف أنه ألقى بنفسه وعائلته في متاهة بسبب قراراته، وصرت أنتحب بدموع حارقة وأنا أمسك رأسي، غير قادر على جمع شتات نفسي ولا عارف كيف سأكمل بقية الكابوس الذي أوقعت نفسي فيه.

دموعي كانت تنهمر على خديّ، وصوت نشيجه ملأ الصالة لدرجة أنني لم أعد أتنفس بسهولة. رفعت وجهي إليها بصعوبة وأنا جالس على الأرض كطفل صغير، رأيتها واقفة ثابتة في مكانها، الصدمة جمدت حركتها، وعيناها كانتا مزيجًا مريبًا من الدهشة والألم، تنظر إليّ من فوق كأنها ترى شخصًا غريبًا لم تعرفه من قبل.

حاولت أن أجمع لساني المعقود لأكمل، وصوتي خرج متقطعًا وسط البكاء:
“تورطت يا أم العيال.. وضعوني في مأزق كبير. الفتاة التي تزوجتها تعاني من اضطراب نفسي حاد! كانت تحت رعاية أهلها في منشأة متخصصة، وأهلها أخفوا عني الحقيقة، وصديقي الذي زج بي في هذا الأمر كان متواطئًا معهم ليخلصوا من مسؤوليتها ويلقوا بها عليّ أنا!”

مسحت وجهي بكم قميصي وأنا أرتعش كأنني في برد قارس، وكملت وأنا أرى عينيها تلمعان بدموع مكسورة لكن دون أن تنطق بحرف:
“الليلة رأيت الموت بعيني.. أصابتها نوبة اضطراب شديدة، وهددتني، تجمّع الجيران واتصلوا بالإسعاف، وفي المستشفى صدمني الطبيب.. أخبرني أنها تعاني من اضطراب نفسي حاد، وتحتاج إلى علاج مكلف جدًا وغير متوفر بسهولة، وإن لم تتلقَّ الجرعات اللازمة فقد تشكل خطرًا على نفسها ومن حولها. وقال لي بوضوح: إما أن توفر هذا العلاج بأي طريقة، أو تعيدها إلى المصحة المتخصصة تحت مسؤوليتك القانونية.. أنا مربوط بها قانونيًا يا أم العيال، إن حدث أي مكروه فسأكون المسؤول الأول!”

سكت للحظة، وكان الصمت أثقل من جبل على صدري. كنت أتوقع أن تصرخ، تضربني، ترمي في وجهي أي شيء، تطردني خارج البيت.. لكن الهدوء الذي نزل عليها فجأة أرعبني أكثر من صراخها.

تراجعت خطوة إلى الوراء ببطء، وضمت ذراعيها حول نفسها كأنها تحمي قلبها المكسور، ونظرتها تحولت من الصدمة إلى برود قارس، ونظرت إليّ بنبرة هادئة ولكنها قاطعة:
“يعني أنت جئت الآن تبكي عند قدمي لأنك خنتني وكسرت ظهري، أم جئت تعيط لأن ما خططت له لم يسِر كما تمنيت؟”

كلامها وقع عليّ كالصاعقة، شعرت بالدم يتجمد في عروقي وأنا أسمع برود صوتها، برود كان أقسى ألف مرة من الصراخ والعويل.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى