
رفعت يدي المرتجفة لأتوسل إليها، ولساني عاجز عن النطق، لكنها قطعت أي محاولة مني بنظرة واحدة جمدتني في مكاني. رفعت ذقنها للأعلى، ومسحت طرف عينها بإصبعها بسرعة كأنها تمنع أي دمعة من السقوط لأجلي، وصوتها خرج حادًا وجافًا:
“طلّقني يا أبا العيال.. طلقني الآن وفي هذه اللحظة!”
تجمدت وأنا أنظر إليها برعب: “أطلقك؟! أنا غارق يا أم ولادي، أنا جئت إليك مستنجدًا بك لتفكري معي في هذه المصيبة!”
ابتسمت بسخرية مؤلمة، ابتسامة كسر وانتقام في آن واحد، وتقدمت خطوة واحدة وهي تنظر إليّ من فوق:
“مشاكلك هذه تحملها وحدك، لا علاقة لي بها من قريب ولا بعيد! كنت جئت وأخذت رأيي وأنت تذهب تدفع مهرًا للفتاة؟ كنت استشرتني وأنت تؤثث شقة الإيجار وتتفق مع صديقك؟ كنت فكرت فيّ وأنت تعيش أيامًا سعيدة على كذبك وكأنك في سفر عمل؟ جلبت وراءك مصيبة وأغلقت الباب، وتجيء الآن تبكي عند قدمي؟”
تنهدت بنفسٍ مثقل واستمرت بنبرة جمدت روحي:
“ولا تظن أنني ساذجة! أنت جئت تحكي وتتباكى لتعرف إن كنت سأقول لك ‘لا بأس يا حبيبي’، وأمد يدي لأبيع ذهبي أو أفتح مدخراتي التي أدخرتها لأطفالي لتذهب تعالج بها من كنت تتسلى معها؟!”
صرخت في وجهي بشدة حين رأتني أهز رأسي بالنفي:
“ورقة طلاقي أرسلها لي دون ضجة، وهذا البيت لا تدخله مرة أخرى.. تحمل مسؤوليتك واغرق في مشاكلك بعيدًا عني وعن أطفالي، واذهب الآن لتوفر علاج زوجتك الجديدة!”
القسم الثاني
ظللت جالسًا على الأرض بعد أن غادرت الغرفة، وأنا أحدق في الباب المغلق وكأنني أنظر إلى نهاية العالم. صوت خطواتها كان يتردد في أذني، كل خطوة كانت وكأنها تقول لي: “فات الأوان.”
مرت دقائق وكأنها سنوات، وأنا أحاول استيعاب ما حدث. لم أستطع الوقوف، جسدي كله كان يرتجف، وعقلي يرفض تصديق أنني وصلت إلى هذه النقطة. كنت أتخيل أولادي، وجوههم البريئة، ضحكاتهم التي كانت تملأ البيت، وكيف سأنظر في أعينهم بعد كل هذا. كيف سأخبرهم أنني سافرت بعيدًا؟ وكيف سأشرح لهم غيابي؟
نهضت بصعوبة، وتمايلت قدميّ كأنني سكران، وتجهت نحو باب غرفة النوم، وقفت خلف الباب وأنا أسمع صوت بكاءها الخافت، بكاء المرأة التي لم تستطع أن تبكي أمامي، التي أظهرت قوة لم أكن أتخيل أنها تملكها. أردت أن أطرق الباب، أن أتوسل إليها، أن أقول لها ألف كلمة ندم، لكن صوتها الداخلي كان يصرخ في رأسي: “توقف.. لا تزيد الأمور سوءًا.”
تراجعت إلى الصالة، جلست على الأريكة، وأخذت هاتفي بيد مرتجفة، وبدأت أكتب مسودة طلاق، كل حرف كان كالسكين في قلبي. لم أستطع أن أكمل. رميت الهاتف جانبًا وأغلقت عيني، وأنا أتخيل كل الاحتمالات؛ العودة إلى شقة الإيجار، مواجهة أهل الفتاة، البحث عن علاج، الذهاب إلى المصحة، كلها طرق موصدة، وكلها كانت نتيجة خطأ واحد.
فجأة، سمعت صوت ابني من بعيد: “بابا، إمتى هتلعب معانا؟”
ارتعش قلبي، وتجمد المكان في عيني. نظرت إليه من بعيد، رأيته يقف عند باب الغرفة، يبتسم ببراءة، لا يعلم شيئًا عن الخراب الذي يحيط به. لم أستطع أن أرد. نهضت بسرعة، وذهبت إليه، وحضنته بقوة، ودموعي تكاد تنهمر من جديد. صمت قليلًا، ثم همست: “قريبًا يا حبيبي، قريبًا جدًا.”
عدت إلى مكاني بعد أن دخل هو وأخوه إلى غرفتهم، وأمسكت بهاتفي مجددًا، هذه المرة لأتصل بصديق قديم لم أتحدث معه منذ سنوات، رجل حكيم عرفته في الجامعة، أخبرته بكل شيء، ولم أُخفِ عنه شيئًا. سمعني بصمت طويل، ثم قال لي كلمات لا أنساها:
“أنت في قاع الحفرة، هذه حقيقة. لكن القاع ليس نهاية الطريق، هو بداية الاتجاه الصحيح، إن اخترت أن تصعد. ابدأ بالاعتراف أمام نفسك أولًا، ثم تحمّل المسؤولية، وسامح نفسك، لأنك إن لم تسامحها لن تستطيع إصلاح شيء. الزوجة الأولى بحاجة إلى وقت، والثانية بحاجة إلى رعاية، وأطفالك بحاجة إلى أبٍ صادق، وليس أبٍ مثالي. ابدأ خطوة خطوة.”
أغلقت الهاتف، وجلست في الصمت. شعرت بشيء غريب، كأن الوزن على كتفي خف قليلًا. لم تختفِ المشاكل، لكنني شعرت أنني أملك طريقًا، ولو كان طويلًا وشاقًا. قررت أن أكتب رسالة لزوجتي، ليست للاعتذار فقط، بل للاعتراف بكل شيء، ولأعدها بأنني سأتحمل العواقب كاملة، وسأبعد عنها وعن أطفالي أي أذى، حتى لو كان الثمن أن أبتعد أنا.
كتبت الرسالة بخط يدي، وضعتها تحت وسادتها، ثم خرجت من البيت بهدوء. كنت أعرف أن الطريق أمامي طويل، مليء بالعقبات، لكنني اخترت أن أسير فيه، ليس لأثبت لأحد أنني رجل، بل لأثبت لنفسي أنني قادر على التعلم من أخطائي، وأن كسر شيء لا يعني نهايته، بل ربما بداية إعادة بنائه بشكل أقوى، إن توافرت النية الصادقة.


