
زوجة تسعى لإسعاده، وإن الأمور تصبح طبيعية بعد الصدمة الأولى. ومن كثرة كلامه، راودتني فكرة أن أرى إحدى قريبات زوجته، على أساس أنني سأكتفي بالنظر، وإن لم تعجبني، ينتهي الأمر عند هذا الحد.
ذهبت معه بالفعل، ورأيت الفتاة، وكانت حسنة المظهر، لكنني استغربت موافقة أهلها على زواجها من رجل متزوج وأكبر سنًا، وفي شقة مستأجرة. لكن صديقي أقنعني أن أهم شيء عندهم هو تقديم مهر مناسب ووعد بالرعاية. وفعلًا، تم العقد والزواج، وعُدت إلى القاهرة دون أن أخبر زوجتي الأولى بشيء. خطّطت لأن أعيش يومين مع الزوجة الجديدة، ثم أخبر زوجتي، معتقدًا أنها ستتضايق أيامًا ثم تتقبل الأمر لأجل الأطفال.
سافرت مع الجديدة بضعة أيام بحجة سفر للعمل، ثم عدت، لكنني ترددت في إخبار زوجتي الأولى. مرّ شهران وأنا أتهرب، حتى فوجئت بمفاجأة كبرى بسبب الزوجة الجديدة، فتركتها ورجعت إلى زوجتي الأولى، وأنا لا أعرف كيف أواجهها بكل ما حدث.
كنت واقفًا في وسط الصالة، مسندًا ظهري إلى الباب بعد أن أغلقته بالمفتاح من الداخل، وأنفاسي تتصاعد بعنف وكأنني كنت أجري في مضمار طويل. كانت عيناي تنتقلان بين أركان الشقة الهادئة المستقرة التي عشت فيها سنوات. صوت التلفاز منخفض، ورائحة الطعام البيتي المألوفة تملأ المكان، وصوت ضحك أطفالي يخرج من غرفتهم وهم يلعبون. كل زاوية هنا كانت تذكرني بالأمان والاستقرار الذي خسرته بيدي بسبب قرار متسرع.
الشهران الماضيان مرّا كحلم كاذب.. كنت أظن نفسي حكيمًا وقادرًا على التعامل مع الأمور، ضحكت على الدنيا وأخذت ما أردت، حتى تلك الليلة التي انقلب فيها كل شيء رأسًا على عقب.
تذكرت شكلها قبل ساعات فقط؛ الفتاة التي كانت تبدو حسنة المظهر، تحول وجهها إلى ملامح مخيفة فجأة عندما دخلت في نوبة من الاضطراب الشديد. عيناها لمعتا بغضب مفاجئ، وبدأت التشنجات والصراخ العالي الذي كسر هدوء الشقة المستأجرة، وبدأت تكسر كل ما تقع عليه يداها وهي تهددني بألا أقترب منها. عندما تجمّع الجيران واتصلوا بالإسعاف ونُقلت إلى المستشفى، واجهتني الحقيقة المريرة من طبيب الطوارئ الذي عرفها فورًا:
قال لي إنها تعاني من اضطراب نفسي حاد، وإنها خرجت من المستشفى قبل ستة أشهر بمسؤولية أهلها، وأن علاجها مكلف جدًا وغير متوفر بسهولة، ومن دون الجرعات المنتظمة تصبح خطرًا على نفسها ومن حولها، وأخبرني إما أن أوفر لها العلاج سريعًا، أو تعيدوها إلى مصحة متخصصة تحت المراقبة قبل أن تحدث ضررًا.
عندها فقط، انكشف الخيط كله؛ ترحيب أهلها المريب، استعجالهم في إتمام العقد وموافقتهم على كل شروطي، وصديقي الذي أقنعني ودبّر الأمر لي كي أتحمل المسؤولية، ويخلص هو وأهل زوجته من عبء رعايتها.
بينما كنت غارقًا في تلك الأفكار، قطع صوت زوجتي الأولى حبل تفكيري:
“حمدًا لله على سلامتك.. اتأخرت ليه كده النهاردة؟”
رفعت عيني، فوجدتها واقفة أمامي، تمسح يديها بفوطة المطبخ، في عينيها طيبة وحب، لا تشك في شيء من الخراب الذي أحملته معي. اقتربت مني، وعندما رأت وجهي المذهول وعرقي المتصبب، اختفت ابتسامتها وتحولت إلى قلق حقيقي، وسألتني بخوف: “مالك يا راجل؟ وشك مصفر كده وواقف مش قادر تتحرك؟ حصل حاجة في الشغل ولا جرالك حادثة؟”
تجمد لساني، والكلمات توقفت في حلقي كالشوك. ماذا سأقول لها؟ أقول إني خنت ثقتها وبعت استقرار بيتنا بسبب كلام صديق وزينة الدنيا؟ أم أقول إني تزوجت من أخرى دون علمها، وطلعت تعاني من مرض نفسي حاد، وقد أكون مضطرًا الآن إما أن أبحث عن علاج مكلف لأهدئ حالتها، أو أواجه فضيحة دخولها مصحة باسمي؟
نظرت في عينيها وأنا أشعر بأن الأرض تميد بي، وأدركت أن الكلمة التي ستخرج من فمي الآن لن تكسر قلبها فقط، بل ستهز بيتي كله على رأسي ورأس أطفالي.
وقفت أمامها صامتًا لدقائق، وقلبي يدق بسرعة لم أعرفها من قبل. كل ثانية صمت كانت كأنها سنة كاملة. نظرت إليها بعينين مرهقتين، ورأيت فيها مزيجًا من الخوف والحيرة، ثم همست بصوت متعب: “تعالي اجلسي.. عندي كلام كبير أوجّع قلبي وأنا أقوله.”
جلست أمامي، ويديها ترتجفان قليلًا، وكأنها تستشعر أن هناك مكروهًا قادمًا. أمسكت يديها بين كفيّ، وشعرت ببرودتها، وأخذت نفسًا عميقًا ثم قلت: “أنا غلطت، غلط كبير، وكنت ضعيف قدام كلام الناس ووساوس النفس. سمعت كلام ناس مش بتراعي مصلحتي، ودخلت في حاجة أنا مش قدها، وجوزت على نفسي من غير ما تقولي، وطلعت المصيبة أكبر مني بكتير.”
كانت عيناها تتسعان مع كل كلمة، ووجهها يتغير من الحيرة إلى الصدمة، ثم إلى الألم العميق. حاولت أن أمسكها، لكنها سحبت يديها ببطء وقالت بصوت مبحوح: “إنت بتقول إيه؟ إنت جوزت علىّ من غير ما تقول لي؟”
حاولت أن أشرح، قلت لها عن ندمي، وعن أن الزوجة الجديدة تعاني من مرض نفسي خطير، وأني اكتشفت الحقيقة متأخرًا، وأني متردد ولا أعرف ماذا أفعل، وخايف عليها من الصدمة، وخايف على ولادي من التفكك، وخايف على نفسي من الفضيحة ومن تبعات القرارات العاجلة.
صمتت لدقائق طويلة، والدموع تتساقط على خديها بصمت، ثم تحدثت بصوت مكسور، لكنه كان هادئًا وواضحًا: “أنا مش مصدقة إنك تعمل فيّ كده. كل سنين عمري معاك، كل تعب البيت والأولاد، كل ليالي السهر على مرضهم ودروسهم، كل حاجة فجأة بقت ولا حاجة؟ ما تستاهلش منك إنك تقول لي قبل ما ترتبط بغيري؟ ما تستاهلش إنك تشاركني القرار؟”



