
مريم أخدت نفس عميق وحاولت تماسك صوتها عشان ما يبانش فيه أي ضعف
ياسين… أنا مريم.
ياسين اتنفض من كرسيه، وصوته اتغير في ثانية
مريم؟! أنا مش مصدق إنك بتتصلي… مريم، أنا من يوم الجلسة وأنا مش عارف أنام. أنا فتحت تحقيق في الشركة ولقيت كلامك صح، أمي وعميد المالي كانوا بيزورا أوراق من ورايا عشان
مريم قاطعته ببرود وجدية
أنا مش متصلة عشان القضية يا ياسين. أنا متصلة في موضوع تاني خالص… موضوع حياة أو موت.
ياسين سكت، ونبرة الخوف دخلت قلبه
موضوع إيه؟ إنتِ كويسة؟
أنا محتاجة تقابلني فورًا في المستشفى التخصصي في سبورتنج… دلوقتي.
مستشفى؟! إيه اللي حصل؟
لما تيجي هتفهم… بس تعال لوحدك. من غير أمك، ومن غير حراستك.
بعد نص ساعة، ياسين كان واصل المستشفى بيجري في الممرات زي المجنون. شاف مريم واقفة قدام أوضة العناية المركزة للأطفال، ظهرها للحايطة ووشها شاحب بس مرفوع بكبرياء.
قرب منها ونفسه مقطوع
مريم! في إيه؟ مين اللي جوه ده؟
مريم بصت له بثبات، مشيت خطوات ناحية الشباك الزجاجي اللي بيطل على الأوضة، وأشارت بإيدها على السرير الصغير.
كان عمر نايم، متوصل بأجهزة متابعة نبضات القلب والأنبوب البلاستيكي في إيده.
ياسين بص للولد، وبعدين بص لمريم بعدم فهم
مين ده يا مريم؟ ابن مين ده؟
مريم أخدت نفس طويل، وقالت كل كلمة بهدوء كان زي الوقع على دماغه
ده عمر… ابنك.
ياسين اتجمد مكانه، عينيه اتوسعت بذهول
ابني؟! إنتِ بتقولي إيه؟ إحنا متطلقين من سبع سنين!
مريم ابتسمت بسخرية ووجع
أيوه… يوم ما أمك أجبرتني أوقع على سبعة وأربعين ورقة طلاق ورأيتك واقف مش عارف تصدق مين، أنا كنت حامل في الشهر الرابع… وما كنتش حامل في ولد واحد يا ياسين.
ياسين بلع ريقه وصوته اتقطع
يعني… يعني إيه؟
مريم بصت في عينيه وقالت بثقة
أنا خلفت أربع توائم… آدم، وملك، وليان… وعمر اللي نايم جوه ده. أربع أولاد كبروا في حضني من غير ما يسألوا عن أبوه، ومن غير ما يدخل جيبهم جنيه واحد من فلوس عيلة المنشاوي!
ياسين تراجع خطوة لورا، الصدمة كانت شلاه كأنه اضرب بالكهرباء.
أربعة؟! إنتِ خبيتي عليّ أربع أولاد سبع سنين يا مريم؟!
مريم قربت منه وعيونها بتلمع بالغضب والدموع
أنا ما خبيتش! أنت اللي مشيت وما دورتش! أنت اللي طردتني عشان صدقت كدب أمك ورسايلها المتفبركة! أمك اللي كانت بتقول عليّ طمعانة ورخيصة… طردتني وأنا شايلة في بطني أربعة من دمك! وأنا أقسمت يومها إن عيالي مش هيتربوا في بيئة شاكة في شرف أمهم ولا هياكلوا من فلوس اتعيرت بيها!
ياسين حط إيده على وشه وقعد على الكرسي في الممر، كان بيبكي بحرقة وندم يهد الجبال. تذكر يوم الطلاق، وتذكر كيف سابها تمشي وهو مش قادرة يقف في وش أمه.
رفع عينه لمريم وقال بصوت مكسور
وعمر… ماله عمر يا مريم؟
عمر عنده عيب خلقي في القلب من يوم ما اتولد… والدكتور قال إن حالته تدهورت وفيه انسداد في الشريان التاجي، ومحتاج نقل نخاع وتبرع فوري بنسبة توافق وراثي عالية… والأطباء قالوا إن أفضل فرصة للنجاة هي التحاليل والتوافق معاك أنت بصفتك والده البيولوجي.
ياسين قام فورًا وهو بيمسح دموعه
أنا جاهز! يعملوا كل التحاليل دلوقتي! أتبرع له بقلبي كله لو محتاج!
خلال 48 ساعة، الأطباء عملوا الفحوصات الطبية الكاملة لياسين وعمر. النتيجة طلعت إن نسبة التوافق كانت عالية جدًا.
أُدخل عمر غرفة العمليات في جراحة دقيقة استمرت ست ساعات. ياسين ومريم كانوا واقفين قدام الأوضة طول الوقت. مريم كانت بتصلي وتدعي، وياسين كان واقف قريب منها، خايف يلمسها
أو يتكلم، بس عينيه ما نزلتاش من عليها وعلى صورة أولاده الأربعة اللي مريم ورتهالهم في التليفون.
أخيراً، خرج الجراح وابتسامة كبيرة على وشه
العملية نجحت بالكامل! التوافق كان ممتاز والنخاع بدأ يشتغل، وعمر هيكون زي الفل ويفضل مع إخواته بسلام!
مريم وقعت على ركبتها من كتر البكاء والارتياح، وياسين نزل على ركبه جنبها، وحضنها من غير ما يتردد… ومريم المرة دي ما أبعدتوش، لأنها كانت محتاجة لحظة أمان لأول مرة من سبع سنين.
بعد أسبوعين…
سهير المنشاوي كانت قاعدة في صالون بيتها، لما دخل ياسين ومعه ملفات كبيرة وورق قانوني.
سهير بصت له باستغراب
خير يا ياسين؟ مفيش أخبار عن القضية بتاعة منطقة البحر؟ المحامين بيقولوا إن المحامية مريم ضاغطة علينا وممكن نخسر كل حاجة!
ياسين بص لأمه بجمود وبرود عمرها ما شافته منه
القضية اتسحبت يا أمي… لأننا تنازلنا عن المشروع بالكامل لأهالي المنطقة وأعدنا تخصيص الأرض لهم.
سهير قامت صرخت
أنت اتجننت؟! تنازلت عن مشروع بملايين؟!
ياسين طلع ملف ثاني وحطه قدامها
وده ملف التزوير التحويلات اللي إنتِ عملتيه من سبع سنين عشان تطلقي مريم مني… وده الاعتراف الكتابي من عميد المالي اللي اشتغلي معاه.
سهير وشها اتقلب أبيض
ياسين… أنا كنت بحميك!
ياسين بصوت زي الرعد
إنتِ ما حمتنيش! إنتِ دمرت حياتي وخلتيني أطرد مراتي اللي كانت حامل في أربع أولاد من دمي!
سهير شهقت وحطت إيدها على صدرها
أربع أولاد؟!
ياسين كمل بثبات
مريم أثرت إنها تبني نفسها بنفسها، وبقت أشهر محامية في الإسكندرية بشرفها وتعبها… ومسكّتني الدليل على قذارة اللي اتعمل زمان. أنا تنازلت لها ولأولادي عن نصف أسهم مجموعة المنشاوي، وأنا استقلت من إدارة المجموعة.
خرج ياسين وساب أمه تندم في بيتها على كل اللي عملته.
بعد ستة أشهر…
في شقة مريم الجديدة على البحر في الإسكندرية.
الشمس كانت دافية، وصوت ضحكات الأربع أطفال مالي الشقة. آدم كان بيرسم، وملك وليان بيلعبوا في الصالة، وعمر الصغير بيجري برجليه بصحة تامة.
مريم كانت واقفة في البلكونة الكبيرة بتشرب القهوة ومستمتعة بهدوء بالها.
دخل ياسين من باب الشقة، شايل في إيده لعاب للأولاد وحاجات حلوة. الأولاد جريوا عليه وكلهم بيصرخوا بابا! بابا!.
ياسين حضنهم ونزل على ركبه يلعب معاهم، وبعدين قام ومشي ناحية البلكونة عند مريم.
قرب منها، وحط كوباية القهوة بتاعته جنبها وابتسم
المحامية الكبيرة واخدة استراحة؟
مريم ابتسمت بوقار ورقة
باخد استراحة من الحرب اللي عشتها سبع سنين.
ياسين مسك إيدها بحنان، وباسها بحب صادق
مريم… أنا عارف إن السبع سنين دول ما يتنسوش بسهولة، وعارف إن التعب اللي شفتيه كانسببه ضعفي… بس أنا مستعد أقضي باقي عمري تحت رجليكي ورجلين أولادنا عشان أصلح كل غلطة.
مريم بصت للأولاد وهم بيلعبوا، ورجعت بصت لياسين في عينيه
أنت أنقذت عمر يا ياسين… وعمرك ما قصرت مع الأولاد من يوم ما عرفت. الأولاد محتاجين أبوهم… وأنا محتاجة أصدق إن الحب اللي زمان كان حقيقي.
ياسين ضحك بدموع وضمه بحب كبير
حقيقي… وعمره ما مات يا مريم.
وعاشت مريم مع أولادها الأربعة في عز وأمان وحب، مرفوعة الرأس بمجهودها ونجاحها، ورجع الشمل يتجمع تاني بعد ما الحق ظهر وانتهت أيام الظلم والتفرقة.
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




