
الكتابة شهد فين؟ وحقها فين؟ من اللحظة اللي أبو شهد قفل فيها المكالمة مع جوزها، وهو حاسس إن فيه حاجة غلط. كان يوم الخميس، والأب راجل بسيط، كل أمله في الدنيا إن بنته تعيش مستورة ومرتاحة. مسك تليفونه واتصل بشهد. التليفون بيرن…
مرة.
اتنين.
تلاتة.
مفيش رد.
قال لنفسه يمكن عند الترزى، يمكن صوت الماكينات عالي.
استنى شوية واتصل تاني.
برضه مفيش.
هنا قلبه بدأ يدق بسرعة.
اتصل بجوزها:
— شهد فين؟
رد عليه بمنتهى البرود:
— قولتلك يا عمي، خرجت عند الترزى مع صاحبتها ومجعتش.
الأب اتعصب:
— يعني إيه خرجت ومجعتش؟! وإنت قاعد في البيت ولا سألت عليها؟
سكت الزوج ثواني، وبعدها قال:
— يمكن هربت.
— هربت؟! هربت ليه؟
— أصلها خدت دهبها كله ومشيت.
الأب حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
— دهبها؟! إنت بتقول إيه؟ ده دهب بنتي!
— ما هو اللي خدته.
— طب وإنت ليه مبلغتنيش من أول يوم؟
مفيش إجابة.
الأب قفل المكالمة، وقرر يروح بنفسه.
وصل بيت العيلة، ولما دخل، لقى وشوش كتير ساكتة.
سأل:
— فين أوضة شهد؟
دخل الأوضة.
السرير مترتب.
هدومها موجودة.
شبشبها موجود.
موبايلها مش موجود.
فتح الدولاب…
معظم هدومها في مكانها.
بص لجوزها وقال:
— دي لو هربت، كانت هتسيب هدومها كلها؟
الزوج اتوتر:
— يمكن كانت ناوية ترجع.
الأب بص له بنظرة طويلة:
— وإنت كنت عارف إنها هتمشي؟
الزوج سكت.
في اللحظة دي، أخو شهد الصغير كان واقف على باب الأوضة.
قال:
— بابا… أنا عايز أقولك حاجة.
الأب قرب منه.
— قول يا ابني.
— أنا شوفت شهد يوم اللي اختفت.
الأب اتجمد.
— شوفتها فين؟
— في البيت.
الزوج رفع صوته:
— إنت بتخرف!
الولد خاف، لكن الأب مسكه من إيده:
— متخافش. احكي.
قال:
— يوم ما شهد كلمتك وقالتلك تعالى خدني… أنا كنت في الحوش. سمعتها بتعيط. وبعدها شوفت جوزها داخل عليها الأوضة.
سكت لحظة.
— وبعد شوية سمعت خناقة وصوت حاجة وقعت.
الأب وشه اصفر.
— وبعدها؟
— بعدين سكت كل حاجة.
هنا الأب أصر إنهم يجيبوا تسجيلات الكاميرات.
وكانت المفاجأة الأولى.
الكاميرا اللي على باب البيت أظهرت إن شهد ما خرجتش من البيت بالطريقة اللي الزوج حكاها.
مفيش خروج مع صاحبتها.
ومفيش شهد ماشية ناحية الترزى.
لكن التسجيل كان فيه حاجة أخطر…
بعد منتصف الليل، ظهرت عربية غريبة واقفة قدام البيت لدقايق.
نزل منها شخصين.
دخلوا البيت.
وبعد حوالي عشرين دقيقة خرجوا.
لكن الكاميرا ما كانتش واضحة كفاية لتبين مين هم.
الأب اتصل بالشرطة، واتعمل محضر رسمي، وبدأ التفريغ الكامل للكاميرات والمكالمات.
وهنا ظهر تفصيل قلب القضية كلها.
صاحبة شهد قالت إنها فعلًا كانت مستنياها عند الترزى…
لكن شهد ما راحتش لها أصلًا.
والأغرب؟
قالت إنها قبل اختفائها بيوم، شهد اتصلت بيها وقالت:
— لو حصل لي حاجة، متصدقيش أي كلام يتقال عني.
الصاحبة افتكرت إنها بتتكلم بسبب مشاكلها مع جوزها.
لكن دلوقتي الكلام بقى له معنى تاني.
المباحث بدأت تراجع تليفون شهد.
آخر رسالة أرسلتها كانت لأبوها:
“بابا، لو أنا كلمتك وقلتلك تعالى خدني، متتأخرش عليا.”
وبعدها بدقائق حصلت المكالمة اللي قالت فيها:
— جهز شنطتك، أنا جايلك.
لكن الأب كان وقتها لسه بعيد.
ولما اتصلت بيه بعد شوية وقالت:
— خليك بقى، كان شوية زعل وراحوا…
كان واضح إنها كانت بتحاول تطمنه.
بس مين خلاها تغير كلامها؟
وليه؟
بعد يومين من البحث، الشرطة لقت أول خيط حقيقي.
واحد من أصحاب محلات الموبايلات قال إن شخصًا جه له يشتري شريحة جديدة، وسأله لو يقدر يركبها في موبايل قديم.
ولما عرض عليه صورة الموبايل…
الأب عرفه فورًا.
كان موبايل شهد.
لكن الشخص اللي اشتراه ما كانش جوزها.
كان قريب للزوج.
وبالتحقيق معاه، انهار واعترف إنه استلم الموبايل منه بعد ما طلب منه “يتخلص منه”.
وهنا بدأت الحقيقة تظهر قطعة قطعة.
شهد كانت بالفعل اتعرضت للضرب في اليوم اللي كلمت فيه أبوها.
لكنها ما هربتش.
هي كانت محتفظة برسائل وصور تثبت إن حياتها في بيت العيلة بقت جحيم، وكانت ناوية تسيب البيت نهائيًا.
وفي نفس الليلة، حصلت مواجهة بينها وبين زوجها.
الجيران سمعوا صوت الخناقة.
وبعدها، خرج الزوج من البيت لفترة قصيرة.
لكن شهد لم تكن موجودة بعدها.
التحقيقات كشفت إن الزوج اتصل بقريبه، وطلب منه يساعده يخفي آثار ما حدث.
لكن الحقيقة كانت أقرب مما تخيلوا.
شهد كانت حية.
بعد أيام من البحث، وصلت الشرطة لمكان مهجور كان أحد أقارب الزوج يستخدمه لتخزين بعض الأغراض.
وهناك…
وجدوا شهد.
مرهقة، خائفة، لكنها حية.
أول ما شافت أبوها، انفجرت في العياط:
— بابا… أنا كنت عارفة إنك هتدور عليا.
الأب حضنها وقال:
— كنت هقلب الدنيا عليكي يا بنتي.
شهد حكت كل حاجة.
قالت إن زوجها ضربها، وإنها حاولت تهرب، لكنه منعها من الخروج، وبعدها أخفاها في المكان ده بمساعدة قريبه.
أما قصة الذهب؟
طلعت كذبة اتقالت عشان يسبقوا الناس باتهام شهد، ويخلوا اختفائها يبدو كأنه هروب.
والذهب نفسه؟
كان موجودًا في بيت العيلة.
شهد ما سرقتش حاجة.
ولما المواجهة حصلت، زوجها ما قدرش ينكر.
الأب وقف قدامه وقال:
— كنت فاكر لما تتهم بنتي إنها سارقة، الناس هتنسى إنها بنتي؟ كنت فاكر إننا مش هندور عليها؟
الزوج ما ردش.
شهد رجعت بيت أبوها.
لكن المرة دي مش عشان تزوره…
رجعت وهي عارفة إن حياتها القديمة انتهت.
وبعد الإجراءات القانونية، بدأت تستعيد حياتها من جديد.
أما أبوها، فكل ما يفتكر اليوم اللي قال فيه:
“جهزي شنطتك أنا جاي آخدك”
وبعدين بنته اتصلت وقالت له:
“خليك بقى…”
يحمد ربنا إنه ما صدقش الرواية اللي اتقالت عنهـا.
لأن لو كان صدق إنها هربت…
كان ممكن الحقيقة تفضل مدفونة.
شهد كانت فين؟
كانت مخبية غصب عنها.
وحقها فين؟
حقها بقى في إيد القانون.
والدرس اللي فضل أبوها يقوله لكل أب:
لما بنتك تقولك “تعالى خدني”… متعتبرهاش خناقة عادية. روح لها. حتى لو قالت لك بعدها “خلاص متجيش”. يمكن تكون قالتها وهي خايفة… ويمكن تكون دي آخر فرصة لإنقاذها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




