منوعات

سر الدولاب القديم ج 2 و الاخير حكـايات مني السيد

“أنتي يا ست أسماء.. حفظتي ذكرى عيلة كاملة من الضياع، وحميتي حاجة كانت بالنسبة لجدتي أغلى من كل الممتلكات اللي اتسابِت بعدها. أنا شفت ناس كتير بتختلف على مصالحها، لكن عمري ما شفت أمانة ونظافة يد زي اللي شوفتها فيكي وفي ابنك.”

أسماء ردت بصوت راضي ومؤمن:

“يا عمر بيه، إحنا ناس على قد حالنا آه، بس عمرنا ما دخلنا على عيالنا حاجة مش بتاعتنا. المرحوم طارق جوزي سابلي كنز أعظم من أي دولاب، سابلي ولاد بيعرفوا الصح من الغلط وبيخافوا من الحرام. ووصية جدتك الست شريفة هانم كانت وجع في قلبي كأم، ومكنتش هقدر أرتاح لو العرايس دي اتكسرت ولا اتهانت.”

عمر ابتسم ابتسامة صافية، وطلع من جيبه دفتر شيكات وقلم.

“جدتي كتبت في وصيتها: خذها، بعها لمن يقدرها، أطعم بها أولادك واستر بها بيتك. أنا مش هشتري منك العرايس، لأنها إرث عيلتي ومش هتتباع، دي هتروح لمتحف الفنون الجميلة باسم نادية.. بس المكافأة اللي أنا كنت راصدها لحفظ الأمانة، ونصيبك في إنقاذ مقتنيات العيلة، ده حقك.”

عمر كتب الشيك، وقطعه من الدفتر، ومده لأسماء.

أسماء بصت للرقم المكتوب في الشيك:

“خمسمائة ألف جنيه مصري لا غير.”

إيدها رجعت لورا برهبة:

“كتير يا بيه.. والله العظيم كتير أوي. أنا معملتش غير واجبي، والأمانة ملهاش تمن!”

عمر مسك إيدها وحط الشيك فيها بكل احترام:

“ده مش تمن الأمانة يا أم كريم، ده رزق عيالك اللي ربنا ساقه ليكي بعد سنين طويلة. شريفة هانم كتبته بحبر قلبها، وربنا حفظه عشان يوصل في معاده للبيت اللي يستحقه. خدي الشيك، ومتقلقيش من نيفين ولا مدحت، الموضوع بقى في إيد الجهات المختصة، وكل واحد هيتحاسب على تصرفاته.”

٥. شمس جديدة على الخانكة

مرت سنة كاملة على اليوم ده.

شوارع الخانكة لسه زي ما هي، بس بيت أسماء الصغير اتغيرت ملامحه تماماً.

حيطة الرطوبة اتقشرت واتعملت محارة وعزل نضيف ودهان بيج دافي منور الصالة. الحوش الصغير اتسقف بخشب بسيط وبقى جنينة صغيرة مليانة شتلات فل وياسمين ونباتات زينة خضرا مبهجة، ريحتها بتملى البيت كله في الصباحية.

أسماء مسابتش شغلها في المشتل لأنها بتحب خضرة الزرع، بس مبقتش عاملة يومية بتكافح عشان اللقمة؛ شاركت الحاج عبد الرازق في مشتل جديد على الطريق السريع، وبقت شريكة برأس مالها ومجهودها، واسمها بقى معروف بالأمانة والشطارة.

كريم دخل كلية التجارة، وبقى راجل البيت اللي بيعتمد عليه بجد، لابس قميص وبنطلون مكويين، وشايل مسؤوليات إخواته من غير ما يشيل هم كل جنيه.

ومنة كبرت وبقت بتساعد أمها، والتوأم حسن وهناء بيلعبوا في الصالة بهدوم العيد الجديدة، شبعانين ومبسوطين.

أما نيفين ومدحت، فالقضية انتهت بحكم قانوني رادع، وخرجت نيفين من التجربة دي مكسورة الجناح، وعرفت إن الظلم والطمع نهايتهم دايماً خسارة.

وفي يوم جمعة، بعد صلاة العصر، كانت أسماء قاعدة في الصالة بتشرب شاي بالنعناع، والعيال حواليها بيكتبوا واجباتهم المدرسية، وصوت إذاعة القرآن الكريم طالع هادي من الراديو.

بصت لحيطة الصالة الرئيسية.

مكانش في دولاب خلاص، لكن كان فيه برواز خشب شيك جداً، فيه صورة فوتوغرافية قديمة بالأبيض والأسود للبنت الصغيرة نادية ذو الفقار وهي حاضنة عروستها البورسلين وبتضحك ضحكة بريئة.

وجنب الصورة كان فيه كارت شكر رسمي من إدارة المتاحف، تقديراً لأسماء على حفظها للمقتنيات القديمة وإعادتها إلى مكانها المناسب.

رفعت أسماء إيدها للسما، وعينيها مليانة دموع شكر وراحة، وقالت بصوت هادي طالع من أعماق قلبها:

“الحمد لله يا رب.. سترتني وعوضت صبري خير، ورحمت عيالي من قهر الدنيا وظلم القلوب القاسية.”

وبصت لعيالها، وابتسمت.

كانت فاكرة إن الدولاب القديم هو اللي هيغيّر حياتها، لكنها اكتشفت في النهاية إن أعظم كنز كان الأمانة اللي حافظت عليها، والبيت اللي قدرت تبنيه من جديد، وعيالها اللي فضلوا واقفين جنبها.

ومن يومها، كل ما كانت تشوف صورة نادية، كانت تفتكر إن بعض الحكايات بتبدأ من مكان محدش يتوقعه، وإن الخير ممكن يفضل مستخبي سنين طويلة، لحد ما يلاقي الشخص المناسب اللي يعرف قيمته.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى