روايات وقصص

مكالمه جوزى

نهى بصت حوالينها: “قبل ما أقولك، لازم تعرفي إن أحمد مش في المكان اللي قالك عليه.”
“أنا عارفة.”
اتنهدت: “كويس.”
طلعت من شنطتها ملف أسود وحطته قدامي: “ده السبب الحقيقي لسفره.”

فتحت الملف.
أول حاجة شفتها كانت صورة لعقد مشروع، وبعدها صور لمخططات هندسية، وفي آخر صفحة… كان فيه اسم أحمد.
بصيت لها: “إيه ده؟”
قالت: “المشروع اللي أحمد قالك إنه رايح يشتغل عليه مش مشروع عادي… كان فيه تفاصيل كثيرة تطلبت سفره لمكان تاني بشكل رسمي عشان يبعد عن ضغط العمل.”

قلت: “طب هو ليه قال إنه في فندق؟”
نهى سكتت: “لأن المكان اللي كان موجود فيه لازم يفضل سري، وكان فيه ناس بتراقبه فترة مؤقتة.”
بصيت لها: “يعني الشباك اللي كنت بشوفه كل يوم… مش مكان أحمد؟ مجرد فيديو مسجل؟”
نهى هزت راسها: “لأ، مكالماته كانت حقيقية، لكن الخلفية كانت بتتعمل من مكان مجهز.”

فتحت عيني بدهشة: “إزاي؟”
نهى طلعت جهاز تابلت وشغلت تسجيل.
ظهر أحمد قدامي بنفس القميص ونفس الشباك، لكن التسجيل كان من زاوية مختلفة.
الشجرة الناشفة اللي كنت بشوفها كل يوم كانت في الحقيقة ديكور خلفي قدام شباك داخلي.

اتنفست بصدمة: “كانوا عاملين ديكور عشان يبان إنه في نفس المكان؟”
“أيوه.”
“لكن ليه؟”
نهى قالت: “عشان محدش يعرف مكانه الحقيقي خلال فترة عمله هناك.”

سألتها: “طيب الفستان اللي شفته؟”
نهى سكتت، وقالت: “هنا لازم تشوفي بنفسك.”
أخذتني إلى غرفة صغيرة. فتحت باب الدولاب.
كان جواه قميص كاروهات، وفستان حريمي، وحذاء أبيض.
بصيت لها: “إيه ده؟”
قالت: “القميص ده بتاع أحمد، والفستان والحذاء بتوع أختي.”
“أختك؟”
“أيوه، اسمها هبة، وهي الشخص اللي مستنياكي.”

اتوترت: “فين؟”
نهى بصت للساعة: “كانت هنا من شوية.”
وفجأة… سمعنا صوت مفتاح بيلف في الباب.
الباب اتفتح، ودخلت بنت في أوائل الثلاثينات.
أول ما شافتني، وقفت وقالت: “إنتِ مريم؟”
هزيت راسي: “أيوه.”

قربت مني وبصوت منخفض قالت: “أنا هبة، وأحمد ساعدني كتير خلال الفترة اللي فاتت.”
“واللي هقولهولك دلوقتي هو السبب الحقيقي اللي خلى أحمد يغيب عن البيت.”

الجزء الثاني: السر الذي خُبئ عني

قعدنا في غرفة صغيرة. هبة كانت متوترة جدًا، وحطت قدامي شنطة مليانة أوراق وقالت: “أحمد طلب مني ماكلمكيش إلا لو حصلت ظروف طارئة.”
سألتها: “إيه الظروف؟”
قالت: “أنا كنت شغالة في نفس المجال اللي أحمد راح له، وحصلت لخبطة في بعض البيانات، وأحمد وقف معايا عشان يحمي الأوراق لحد ما تتظبط.”

سألتها: “وأحمد فين دلوقتي؟”
سكتت، وبعدين قالت: “أحمد موجود في المستشفى.”
حسيت إن الدنيا لفت بيا: “إيه؟ اتعرض لحادث؟”
“أيوه، من 3 أيام.”
“وإنتوا مخبين عليا؟”
قالت بسرعة: “هو اللي طلب كده عشان كان خايف عليكي وعلى سلامتك.”

دموعي نزلت من غير ما أحس.
يعني طول الفترة دي كان بيحميني؟
هبة قالت: “أيوه، بس ده مش معناه إنه كان من حقه يكذب عليكي.”

فضلت ساكتة. كنت غضبانة، وخايفة، ومرتاحة في نفس الوقت.
غضبانة لأنه أخفى عني كل ده، وخايفة لأنه ممكن يكون تعبان.
لكن أكتر حاجة وجعتني… إن كل مرة كنت أشوفه على الشاشة وأقول لنفسي إنه بخير، كان بيعاني من تعب واجهاد لوحده.

خرجنا من العمارة من باب خلفي، وركبنا عربية نهى للمستشفى.
صعدنا للدور الرابع، وقفت قدام باب الغرفة. إيدي كانت بتترعش.
فتحت الباب ولقت أحمد على السرير.
أول ما شافني، فتح عينيه وبصلي فترة طويلة، وبعدين قال بصوت ضعيف: “مريم…”

قربت منه: “إنت كنت ناوي ترجع وتقوللي إمتى؟”
سكت.
قلت: “كنت هتفضل تخبي عليا لحد إمتى؟”
حاول يقوم، فقلت: “متتحركش.”
قال: “أنا آسف.”
“آسف على إيه؟”
“على كل حاجة… على الأيام، على المكالمات، على إنك عشتِ في قلق.”
أغمض عينيه: “كنت خايف عليكي.”
قلت: “وأنا كنت محتاجة أعرف، من حقي أعرف إذا كان أبو ابني في مكان آمن ولا لأ.”
سكت، وبعدين قال: “معاكي حق.”

قعدت جنبه: “احكيلي كل حاجه.”
أحمد بدأ يتكلم بهدوء. حكى لي عن ظروف العمل، وعن تعارفه على هبة، وكيف تكاتفا لتجاوز الأزمة، وكيف أن الشركة خصصت له مكانًا مؤقتًا بعيدًا عن المشاكل مع ترتيب ديكور الفيديو لضمان سلامته وعدم إثارة القلق.

قلت: “طب ليه الفستان كان موجود؟”
أحمد بص لهبة.
هبة قالت: “كان فستاني، كنت أنا كمان متواجدة في المنطقة لنفس أسباب العمل، ويوسف شاف الحاجات دي بالمصادفة.”
ضحكت وسط دموعي: “يعني ابني هو اللي كشفكم؟”
أحمد ابتسم: “يوسف كان أذكى واحد فينا.”

بعد أيام، خرج أحمد من المستشفى، ورجعنا البيت.
أول يوم رجع فيه، يوسف جرى عليه بحضن دافئ: “بابااا!”
أحمد حضنه بقوة: “وحشتني يا بطل.”
“جبتلي العربية الحمرا؟”
“جبتلك اتنين.”

وأنا كنت واقفة بعيد ببص لهم.
لأول مرة من 100 يوم… أحمد كان قدامي فعلًا، مش على شاشة ولا خلف شباك مزيف.
بعد ما يوسف دخل أوضته، أحمد قرب مني وقال: “أنا عارف إنك لسه زعلانة.”
“ششوياً.”
“حقك.”
ابتسمت بهدوء، ومسك إيدي.
فهمنا وقتها أن الأمان مش إننا نخبي الحقيقة، بل إننا نواجه أي ظرف مع بعض.

وبعد سنة كاملة، في نفس اليوم اللي كان فيه أحمد مسافر، يوسف كان واقف في البلكونة وقال: “ماما! الشجرة طلعت ورد تاني!”
ضحكت وبصيت لأحمد.
قال: “المرة دي أنا شايفها بنفسي.”
وحضنا بعض، وحسينا إن البيت رجع دافي وحقيقي، وبدأت صفحة جديدة هادئة ومستقرة معًا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى