منوعات

نجاة وكشف مستور ج 1 حكـايات مني السيد

الجزء الأ”لو ركبتي مع طارق عربيته النهاردة، رجلك الشمال هتتعب تاني.”

أمي قالت الجملة دي بنفس النبرة الهادية والمسيطرة اللي ممشية بيها حياتي من سنين. زمان، كان مجرد ما النبرة دي تطلع، أسمع الكلام من غير ولا كلمة ولا نقاش.

أنا دنيا، وعندي أخت توأم اسمها دينا. من وإحنا عيال صغيرة، اتربينا على إن أمنا، تيسير، عندها مكاشفة وبتشوف حاجات صعبة هتحصل قبل ميعادها. بس على كلامها، ليها بس تلات تحذيرات في السنة؛ لو نطقت بالرابعة، روحها تروح.

وأنا صدقتها وعشت مصدقاها… عشان دفعت تمن غالي أوي من وأنا عندي تلاتاشر سنة.

في يوم الصبح، وإحنا رايحين المدرسة ومستنيين الباص، لقيت أمي بتبصلي بصة غريبة وطويلة أوي. كانت شبه اللي عايز يمسكني من إيدي ويمنعني، بس في الآخر هزت راسها وقالت:

“اللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين.”

بعدها بأربعين دقيقة بالظبط، أوتوبيس المدرسة زحلق في لفة على طريق المحور وهو غرقان مطرة. مكنتش حاسة بحاجة غير لما لقيت نفسي في المستشفى ورجلي الشمال مصابة إصابة شديدة. عمليتين، ومسامير، وشهور علاج طبيعي علشان أعرف أقف عليها تاني، وسايبالي أثر وتغيير كبير ورا ركبتي لحد النهاردة.

ساعتها أمي قعدت تعيط جنب سريري وتقولي:

“كنت مخلصة التلات تحذيرات بتوع السنة يا دنيا… لو كنت فتحت بقي ومنعتك، كانت هتبقى الرابعة وكنت هموت وأسيبكم.”

مسكت إيدها وبوستها وقلت:

“مش ذنبك يا ماما، قدر ولطف.”

ومن اليوم ده، كلامها بقى بالنسبة لي حقيقة مقدسة.

لما تمينا عشرين سنة وبقينا في الجامعة، ندهتلي لوحدي وقالتلي:

“حبي أي حد في الدنيا، إلا واحد اسمه طارق الشرقاوي.”

بعدها بشهرين اتعرفت عليه. طارق كان عارف إن رجلي بتوجعني في البرد والشتا، كان يغير أي خروجة فيها مشي كتير عشاني، وعمره ما سألني ولا ضايقني بخصوص توتري وخوفي من العربيات وطريق السفر.

يوم ما جه واعترفلي بحبه وطلب يتقدملي، كان نفسي أصرخ وأقوله موافقة.

بس وش أمي جه قدامي.

قولتله وأنا موجوعة من جوايا:

“آسفة يا طارق… أنا عمري ما حسيت بحاجة ناحيتك، ومكنتش شايفاك غير زميل.”

وشه اصفر وصوته اتهز:

“عمرك؟ خالص؟”

“خالص.”

ليلتها نمت مهدودة من كتر العياط.

ست شهور بالظبط، ولقيت أختي دينا هي اللي بدأت تخرج وتتكلم مع طارق! مفتحتش بقي ولا عاتبت، عشان أمي كانت دايماً تغسل مخي بكلمتين:

“أختك طالعة ضعيفة ومبتستحملش يا دنيا، إنما إنتي ضهر وسند وحمولة وتقدري تتنازلي.”

لحد ما جه الصيف، ورجعت من الساحل للبيت فجأة وقبل ميعادي بيوم.

بالليل، سمعت صوت أمي طالع من أوضة دينا، كانت بتقولها:

“يوم سبعة في الشهر متطلعيش في أسانسير الكلية. ويوم تلتاشر أوعي تاكلي من برا أو تاكلي سمك. وقبل يوم مناقشة المشروع اتأكدي من مدرج القاعة. ويوم عيد ميلادك إياكي تسوقي العربية بنفسك.”

وقفت برة وبدأت أعد على صوابعي.

واحد، اتنين، تلاتة، أربعة…

دينا نفسها خدت بالها وقالت:

“ماما، مش إنتي دايماً بتقولي ليكي تلات حاجات بس في السنة عشان متتعبيش وتموتي؟”

أمي ضحكت ضحكة خفيفة كدة بسخرية وقالت:

“ده كلام بقوله لأختك علشان تمشي على العجين متلخبطوش.”

حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت والدنيا بتلف بيا.

ساعتها دينا سألتها عن طارق:

“طب وطارق؟”

أمي اتنهدت وقالت:

“طارق كان هيشيل دنيا في عينيه، وكان هيعيشها ملكة طول عمرها.”

“طب وليه خليتيها تكسر قلبه وترفضه وتبعد عنه؟”

“عشان إنتي يا دينا مولودة غلبانة ومبتستحمليش شكة الدبوس، ولو واحدة فيكم نصيبها تتدلع وترتاح في الدنيا، يبقى إنتي أولى بيها.”

“بس كده ظلم لدنيا…”

“دنيا حيطة سد، بتستحمل.”

حطيت إيدي على بقي وكتمت نفسي بالعافية عشان صوت شهقتي ميطلعش.

لحد ما دينا سألتها السؤال اللي كسر ضهري ودفن أي رحمة في قلبي:

“والحادثة بتاعة زمان… لما كان عندها تلاتاشر سنة؟”

أمي ردت بصوت واطي بكل برود:

“شفتها… وعرفت إن الأوتوبيس هيعمل حادثة. بس أبوكي كان عيان ومصاريفنا كتير وأنا مكنش فيا حيل، وشفت إن دنيا مش هتموت، قولت هتستحمل الإصابة والوجع وتعدي.”

بصيت على علامة الإصابة والتغيير اللي في رجلي.

سبع سنين كاملة وأنا فاكرة إن أمي غصب عنها مقدرتش تنقذني، وكنت بصبرها وأبوس إيدها.

وفي الليلة دي عرفت الحقيقة المرة:

هي كانت تقدر تنقذني عادي جداً…

بس هي اختارتني وضحت بيا، وقررت بمزاجها إني البنت اللي ينفع تشيل الوجع بدالهم كلهم.


الجزء الثاني

الهوا اللي كان داخل صدري اتحول لمسامير بتدق في قفصي الصدري.

كنت ساندة كف إيدي على الحيطة المقشرة بتاعة الممر، الحيطة ساقعة تلج رغم إننا في عز حر شهر تمانية في القاهرة، والدنيا خنقة ورطوبة تعصر الهدوم.

صوابعي كانت ماسكة الموبايل لدرجة إن ضوافيري ابيضت، والزرار الأحمر بتاع التسجيل على الشاشة بينبض في الضلمة.

دقيقة وخمسة وأربعين ثانية…

دقيقة وستة وأربعين ثانية…

كل ثانية بتمر بتسجل وجع جديد، وبتكشف حقيقة كل يوم عشته في البيت ده وأنا بحسب نفسي البنت البارة اللي بتفدي أمها بكل حاجة.

رجلي الشمال بدأت ترتعش. العصب اللي تعبان من سنين، واللي الدكاترة قالوا عليه تلف جزئي ملوش علاج، فجأة بقى بينبض بوجع غريب، زي ما يكون الإصابة عرفت إن صاحبتها اتباعت، فقررت تصرخ بالنيابة عني.

جوة الأوضة، صوت ضحكة دينا كان طالع خفيف، مش ضحكة شريرة قد ما هي ضحكة عيلة مدلدلة اتعودت إن الحاجة الحلوة تتخطف من إيد أختها وتتحط في حجرها وهي قاعدة مرتاحة.

“بس تصدقي يا ماما؟ طارق مبيحبنيش زي ما كان بيبصلها. يعني حتى لما بنخرج، بحس إنه بيدور على حاجة ناقصة… ساعات لما بتعدي عربية سريعة بيمسك دراعي بسرعة، زي ما يكون خايف أقع، وبعدين يبص في عيني ويسكت فجأة ووشه يقفل… هو لسه فاكرها، صح؟”

صوت أمي وهي بتشرب الشاي بالنعناع من الكوباية رن في ودني. الصوت ده، اللي كنت زمان بقعد جنبه وأحس بالأمان، بقى دلوقتي غريب ومزعج.

“ينسى ولا مينساش، بكره يتعود. الرجالة يا بت زي العجين، اللي تعجن وتخبز على إيدها هي اللي تاكل الرغيف في الآخر. هو بس زعلان على كرامته عشان البت صدته فجأة، بكرة لما تتجوزوا وتملي عينه وتخلفيله الولد، هينسى اسمها أصلاً.

وبعدين هو طارق لاقي؟ شاب شغال في بنك محترم، وعنده شقته في التجمع جاهزة من مجاميعه، وشاريكي. عايزاني أسيب نعمة زي دي تروح لدنيا؟

دنيا جدعة، دنيا ميتخافش عليها، تاكل الصخر وتعيش في أي حتة… إنما إنتي عودك طري يا دينا، لو رماكي الزمن في مكان صعب متعرفيش تتصرفي.”

“طب لو عرفت يا ماما؟ لو حست بحاجة؟”

“هتعرف منين يا خايبة؟ هو أنا عبيطة؟ دنيا أصلاً حاطة في دماغها إني لو قولت التحذير الرابع دمي هيقف وهموت مكاني.

البت بتصحى بالليل تتأكد إني بتنفس! دي بتطبخلي وتغسلي وتقلم ضوافر رجلي عشان خايفة عليا من الهوا الطاير. الهبلة فاكرة إنها شايلة روحي في إيدها، مبتشكش فيا بربع قرش.

وبعدين حتى لو شكت… هي تقدر تكسرلي كلمة؟ أنا أمها، واللي أقوله يمشي على رقبتها زي السيف.”

الكلمات نزلت عليا كأنها مية مغلية.

حسيت بإحساس شنيع، إحساس إنك مكشوف تماماً قدام شوية ناس كنت فاكرهم سترك وغطاك.

طول عمري وأنا بدخل البيت ده وأنا حاسة بذنب ملوش آخر. كل ما أشوف أمي بتكح، كل ما أسمعها بتتوجع من صداع، كنت بترعب لا أكون زعلتها أو خليتها تتكلم كلمة زيادة فيتحسب عليها تحذير رابع وتفارقنا.

افتكرت يوم نتيجة الثانوية العامة. لما جبت مجموع يدخلني هندسة المنصورة، بعيد عن البيت، قعدت تبكي في الصالة وتقول لي:

“لو بعدتي عن عيني هشوف مصايب هتحصلك ومش هعرف أمنع نفسي من التحذير، وهتكون نهايتي على إيدك يا دنيا.”

ساعتها روحت بنفسي مكتب التنسيق وقدمت على كلية تجارة إنجليزي في جامعة عين شمس، عشان أفضل جنبها في العباسية، عشان أطبخ لها، وأشيل عنها، وأفضل الشخص اللي بيشيل مسئوليات العيلة.

رجعت خطوة لورا على أطراف صوابعي. السيراميك كان بيطلع تزييقة خفيفة تحت كعبي، فقلعت الشبشب وشيلته في إيدي، وبلعت ريقي اللي كان مر زي الحنظل.

مشيت في الصالة الضلمة، عيني على باب الشقة الحديد. قفلته بمفتاحي براحة تامة، اللسان دخل في الكالون من غير صوت، كإني بهرب من بيتي، أو روح بتبعد عن مكان وجعها.

نزلت السلم بتاع العمارة جري.

كانت الساعة اتنين ونص بالليل. شارعنا في مصر الجديدة، الشارع الهادي العريض اللي مليان شجر عتيق، كان ساكت تماماً إلا من صوت صفير الهوا السخن وصوت كلاب بتنبح في آخر الميدان.

قعدت على الرصيف قدام البوابة، ضهري مسنود على شجرة جميز قديمة، وفتحت التليفون بإيدين بترجف زي ورقة شجر في مهب الريح.

وقفت التسجيل.

حجم الملف 12 ميجا. الصوت نقي جداً، مفيش فيه خروشة. صوت أمي وصوت أختي وصوت الحقيقة اللي طالعة تكشف سبع سنين من الخداع.

قعدت أعيط، بس عياط من غير صوت. الدموع كانت بتنزل دافية وسريعة، تحرق خدي وتقع على بنطلوني الجينز.

افتكرت طارق.

افتكرت طارق يوم ما اتقابلنا في الكافيه الصغير اللي ورا الكلية. كان الشتا داخل، ومطرة خفيفة بدأت تنزل، ورجلي الشمال كانت متشنجة كالعادة، بمشي عليها وأنا بعرج خفيف وبحاول أداري عشان محدش ياخد باله.

هو مكنش يعرفني وقتها، كان زميل في الدفعة بيحضر نفس المادة.

فجأة لقيته جاي ناحيتي، شادد كرسي حديد وحاطه في طريقي وقال بابتسامة هادية:

“جداً اقعدي دقيقة يا دنيا، الرصيف هنا مبلول وممكن تتزحلقي، وأنا أصلاً طلبت اتنين قهوة بحليب ومحتاج حد يشرب التانية معايا بدل ما تبرد.”

طارق عمره ما قالي رجلك مالها. عمره ما بص للأرض وهو ماشي جنبي بنظرة شفقة.

كان لما يلاقيني بطأت في المشي، يقوم مطلع تليفونه فجأة ويقول:

“يا ستي أنا تهت، تعالي نقعد هنا خمس دقائق أشوف الخريطة.”

وهو عارف الطريق صم، بس كان بيعمل كده عشان يديني فرصة أريح من غير ما يحسسني إني عاجزة.

وفي الآخر… جيت أنا بكل قسوة الدنيا، قولتله:

“أنا مش طيقاك يا طارق، ومشوفتكش غير زميل تافه.”

يومها شفت راجل مكسور واقف على رجليه. عينيه اللي كانت بتلمع كل ما يشوفني، بهتت وبقت زي الرماد. لف وشه ومشي، ومسمعتش صوته بعدها غير في التليفون لما كان بيتصل يطمن عليا كصاحب للعيلة، لحد ما دينا لفت حواليه بتوجيه من الست الوالدة.

مسحت وشي بضهر كمي، ووقفت.

“هتعملي إيه يا دنيا؟”

الصوت ده طلع من جوايا، صوت مرعوب، متعود على الخضوع.

“هتروحي تقولي لطارق؟ هيقول عليكي غيرانة من أختك وعايزة تبوظي جوازتها بعد ما خطوبتها قربت تتكتب في النور!

هتدخلي تفرقي التسجيل في وش أمك؟ هتقولك دبلجة، ولا هتعمل نفسها تعبانة وتطلعك إنتي اللي ظلمتي أمك قدام العيلة كلها!”

أمي مكانتش ست عادية. تيسير دي كانت داهية، داهية متلبسة توب الست الطيبة الصابرة، أم البنات اللي جوزها توفى وسابها تشيل الحمل لوحدها.

العيلة كلها من عمامي لخوالي بيعملولها ألف حساب، وبياخدوا رأيها في كل جوازة وشرا بيت وميراث.

لو روحت واجهتها بالصوت العالي، هتطلعني مضطربة أو ناكرة جميل.

لازم أكون أهدى من كدة. لازم أكون ذكية زيها بالظبط.

رجعت طلعت السلم تاني. كل خطوة كانت بتكلفني مجهود جبار، بس المرة دي الوجع اللي في رجلي مكنش بيخليني أضعف، كان بيديني قوة تخليني أكمل.

فتحت الباب بالراحة، كانت الساعة تلاتة وربع. النور في أوضة دينا اطفى، وصوت أمي الخفيف كان طالع من أوضتها.

اتسحبت ودخلت أوضتي، قفلت الباب بالمفتاح، ودخلت تحت اللحاف بهدومي وبترابي، وحضنت الموبايل في صدري.

نمت؟ منمتش.

كنت باصة للسقف، لحد ما خيوط الفجر الأولى شقت الضلمة ودخلت من بين شرايش الشيش.

مع طلوع الشمس، صوت الباب بتاع أمي اتفتح. صوت خطواتها البطيئة اللي بتجرجر في الأرض بالشبشب، وصوت طقطقة البوتاجاز وهي بتولع على كنكة القهوة.

شوية ولقيت الباب بتاعي بيخبط خبطتين حنينين، الخبطتين اللي كنت زمان بصحى عليهم وأحس بالرضا.

“دنيا… يا بت يا دنيا، إنتي جيتي إمتى من السفر يا قلبي؟”

أخدت نفس عميق، عدلت صوتي عشان ميبانش فيه البكا ولا الخنقة، وفتحت الباب بابتسامة باهتة:

“جيت بالليل متأخر أوي يا ماما، لقيتكم نايمين قولت مصلحيكمش.”

أمي بصتلي. عينيها الضيقة، بلونها العسلي الباهت اللي كان دايماً بيبان فيه غموض الناس بتاعة المكاشفة، فضلت متثبتة في وشي.

قلبها كان بيدق ولا دي شطارة؟ مقدرتش أعرف.

“مال وشك مصفر كدة ليه؟ ورجلك مالها ساندة عليها بزيادة؟ مش قولتلك متسافريش مع صحابك دول طريق الساحل وحش؟ قلبي كان واكلني عليكي يا بنتي، بس الحمد لله ربنا سترها معايا ومرضيتش أنطق عشان مخلصش تحذيراتي.”

يا جبروتك.

كنت عايزة أمد إيدي وأشدها من شعرها الأبيض اللي طالع من الطرحة، بس وقفت مكاني وابتسمت ابتسامة باردة زي التلج:

“أبداً يا ماما، شوية إرهاق بس من الطريق. المهم إنتي عاملة إيه؟ صحتك تمام؟”

“بخير طول ما أنتوا بخير… اجهزي كدة وصحصحي، عشان طارق جاي النهاردة يتغدى معانا، وجايب معاه مامته وخالته. خلاص يا بت يا دنيا، عايزين يقرا الفاتحة رسمي مع أختك، والواد مستعجل على الخطوبة.”

الكلمة نزلت على ودني، بس وشي فضل زي الصخر.

“ألف مبروك يا ماما… دينا تستاهل كل خير.”

أمي ارتاحت. شوفت في عينيها لمعة الانتصار والاطمئنان، لمعة الست اللي خطتها ماشية بالمللي ومفيش خرم إبرة يفلت منها.

طبطبت على كتفي وقالت:

“أهو ده العشم فيكي يا حبيبتي، بنتي العاقلة الكبيرة. ادخلي بقى استحمي وروقي نفسك واعمليلنا صينية البشاميل اللي بيحبها، إنتي عارفة أختك مش شاطرة في المطبخ ومبتعرفش تظبط الملح.”

دخلت الحمام، وقفت قدام المراية.

شوفت واحدة تانية خالص.

مش دنيا الطيبة الغلبانة اللي دايماً بتيجي على نفسها عشان خاطر غيرها.

شوفت واحدة عينيها حمرا من الغيظ، وشفايفها مزمومة بغضب مكنتش أعرف إنه موجود جوايا أصلاً.

فتحت الحنفية وسيبت المية تغرق وشي، وفضلت أفكر في كلام أمي مع دينا بالليل:

“يوم سبعة في الشهر متطلعيش في أسانسير الكلية. ويوم تلتاشر أوعي تاكلي من برا أو تاكلي سمك. وقبل يوم مناقشة المشروع اتأكدي من مدرج القاعة. ويوم عيد ميلادك إياكي تسوقي العربية بنفسك.”

النهاردة كام في الشهر؟

النهاردة ستة.

بكرة يوم سبعة.

بكرة ميعاد الأسانسير بتاع الكلية.

دينا في سنة رابعة كلية صيدلة، وعندها سكشن عملي كبير في مبنى المعامل القديم، المبنى اللي أسانسيره بيعلق كل يومين والتاني وكل الطلبة بتخاف تركبه، بس دينا عشان دلوعة ومبتقدرش تطلع أربع أدوار على رجلها، دايماً بتركبه مع صحابها.

أمي شافت إن الأسانسير هيحصله حاجة بكرة. عشان كدة حذرت دينا.

طلعت من الحمام، ونشفت وشي، ولبست إسدال وخرجت على المطبخ.

بدأت أجهز الأكل زي ما طلبت مني بالظبط. عصجت اللحمة، وعملت البشاميل، وريحة السمنة البلدي ملت البيت.

دينا صحيت متأخر، دخلت عليا المطبخ وهي لابسة بيجامة جديدة وبتتمطع، وشها منور ومبسوط.

“صباح الخير يا دودو… حمد الله على السلامة! شوفتي بقى؟ طارق جاي النهاردة يطلب إيدي رسمي! مش مصدقة بجد، أخيراً يا دنيا!”

بصتلها. ملامحها شبه ملامحي بالمللي، إحنا توأم متطابق في كل حاجة في الشكل، حتى الشامة الصغيرة اللي جنب الشفة الشمال.

بس هي وشها مفيهوش كرمشة هم، مفيهوش أثر سهر وتعب ومسؤولية.

هي الوردة المتدلعة، وأنا الطينة اللي شايلة الجذور تحت الأرض.

“ألف مبروك يا دينا. ربنا يتمملك على خير.”

قربت مني، وحضنتني بحركة مسرحية سخيفة، وقالت وهي بتوشوشني:

“إنتي مش زعلانة مني يا دنيا، صح؟ أنا عارفة إنه كان زميلك زمان في الكلية، بس النصيب بقى… الحب مبيعرفش الحاجات دي.”

كنت حاسة إن صوابعي بتتشل من الغيظ، بس رديت بنبرة أهدى من مية النيل:

“لا يا حبيبتي، أزعل من إيه؟ اللي فات مات، وطارق خلاص بقى زي أخويا.”

دينا ابتسمت بفرحة عبيطة، وجريت على أوضتها عشان تبدأ تجهز هدومها وتستشور شعرها.

على الساعة أربعة العصر، جرس الباب رن.

قلبي دق دقة غبية، دقة وجع قديم لسه محتفظ بسخونته.

فتحت أمي الباب، ودخلت الست مامت طارق، ست شيك ووقورة، ووراها خالته، وفي الآخر دخل هو.

طارق.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى