
كان لابس قميص كحلي وبنطلون جراي، دقنه محلوقة بعناية، وماسك في إيده بوكيه ورد أبيض كبير وعلبة شيكولاتة فخمة.
أول ما عينه جت في عيني في الصالة، شفت الرجفة اللي مرت في كتفه. شفت إزاي شفايفه اتفتحت سنة كإنه عايز ينطق اسمي، قبل ما يرجع يبلع ريقه ويعدل وقفته.
“أهلاً يا طارق يا ابني، نورتنا وشرفت بيتنا!”
أمي استقبلته بحفاوة مبالغ فيها، واخدت منه العلبة والورد ودخلتهم جوة.
طارق بصلي بصوت واطي جداً وهو بيعدي من جنبي:
“إزيك يا دنيا… بقالي كتير مشوفتكيش.”
“الحمد لله يا طارق، منور.”
رديت ببرود مدروس، ودخلت المطبخ أجيب الشربات والعصير.
القعدة في الصالون كانت ماشية زي الكتاب بيقول. ضحك وهزار، وكلام عن الشبكة والشقة والمؤخر، وأمي قاعدة زي الباشا تملي شروطها بحنية ملعوبة، ومامت طارق بتوافق بمحبة عشان ابنها عايز يكمل.
ودينا قاعدة حاطة وشها في الأرض ومبتسمة ابتسامة الخجل المصطنعة.
وأنا؟
أنا كنت رايحة جاية بالصواني والحلويات.
كل ما كنت أدخل بكوبايات ولا أطباق، كنت ألمح عين طارق متبعاني.
كانت عينيه مليانة حيرة، مليانة عتاب مستخبي، كإنه بيصرخ في سره:
“ليه سيبتيني؟ ليه رميتيني للأيام ووافقتي إنك تبقي أخت مراتي؟”
خلص اليوم، والاتفاق تم، واتقرر إن قراية الفاتحة والخطوبة الرسمية هتكون كمان تلات أسابيع في قاعة على النيل.
طارق ومامته نزلوا، وأمي قفلت الباب وراهم، ورقصت في الصالة من الفرحة وهي بتحضن دينا وتقولها:
“شوفتي؟ قولتلك هيجيلك! أهو الواد شاريكي ووافق على كل اللي طلبته من غير ولا كلمة اعتراض!”
سيبتهم ودخلت أوضتي.
طلعت كراسة صغيرة وقلم، وكتبت فيها الآتي:
يوم 7: حادثة أسانسير كلية صيدلة. بكرة.
يوم 13: تعب شديد من أكل برة أو سمك.
ميعاد المناقشة: انهيار أو إصابة في مدرج القاعة.
يوم عيد الميلاد: حادثة عربية لو دينا ساقت.
بصيت للكلام المكتوب.
أمي مش بتشوف الغيب بالمعنى الإلهي النقي، أمي عندها بصيص غامض بيجيلها في المنامات أو الإحساس، وكانت بتستغل ده عشان تلعب بينا زي الدمى.
كانت تقدر تحميني من إصابة رجلي وتنقذني من سنين العذاب، بس اختارت تضحي بيا عشان خاطر تعب أبويا وراحتها هي.
ودلوقتي بتسخر كل الرؤى دي عشان تأمن حياة بنتها المفضلة على حسابي.
“ماشي يا ماما…” همست لنفسي في الضلمة. “لو إنتي بتلعبي بالقدر… أنا بقى اللي هلعب على المكشوف.”
تاني يوم الصبح، يوم سبعة.
الساعة سبعة الصبح، دينا كانت واقفة قدام المراية بتلبس عشان تنزل كليتها.
أنا كنت صاحية قبلها بساعة كاملة.
دخلت عليها الأوضة ومعايا مج نسكافيه دافي، وابتسامة عريضة على وشي:
“صباح الفل يا عروسة… عاملالك نسكافيه بالبندق زي ما بتحبيه.”
دينا لفت ليا بفرحة:
“تسلميلي يا دودو، والله أنا مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك النهاردة، حاسة إني متأخرة والدكتور بتاع العملي لو قفل الباب هيسقطني.”
“طب الحقي اشربي وانزلي بسرعة، الطريق زحمة أوي النهاردة عند كوبري العباسية.”
شربت المج على بوقين، ولبست شنطتها ونزلت تجري على السلم عشان تلحق أوبر.
أول ما باب العمارة رزع، دخلت أوضة أمي.
أمي كانت لسه صاحية، بتفرك في عينيها وبتقرا في المصحف بتاعها، عشان ترسم دور التقوى والبركة.
قعدت على طرف السرير جنبها وقلت:
“ماما… أنا عندي مشوار مهم أوي النهاردة تبع ورق التخرج في الجامعة، ومحتاجة دينا تجيلي هناك توقعلي على استمارة تبع السكن أو التدريب الصيفي، بس تليفونها بيرن ومبتردش.”
أمي بصتلي بريبة:
“تليفونها؟ هي نزلت خلاص؟”
“آه لسه نازلة حالا، وبتقولي هتوصل كليتها على تمانية ونص ووراها سكشن في الدور الرابع في مبنى المعامل.”
أمي اتنفضت من مكانها في السرير، والغطا وقع من عليها! وشها اتخطف، والدم هرب من خدودها كأنها شافت أسوأ خبر ممكن.
“مبنى المعامل؟! هي راحت مبنى المعامل؟!”
“آه يا ماما، مالك اټخضيتي كدة ليه؟ دينا بقالها أسبوعين بتقول إن سكشن الكيميا العملي هناك في الدور الرابع، وقالتلي هتطلع في الأسانسير السريع عشان رجليها متوجعهاش وتلحق الدكتور.”
أمي مسكت دراعي بقوة خلت صوابعها تضغط على إيدي:
“أسانسير؟! هي مقالتليش إنه في المعامل القديمة! أنا قولت معمل المبنى الجديد اللي في الدور الأرضي!”
“لا، الجديد مقفول للتجديدات بقاله شهر، الكلية كلها شغالة في القديم.”
قولت الجملة دي وأنا عيني في عينيها مباشرة، ببرود يخوف.
أمي رمت المصحف على السرير، وجريت على تليفونها تدوس على زرايره بإيدين بتترعش.
حطت السماعة على ودنها… الخط كان مقفول أو غير متاح، شبكة المترو وطريق العباسية دايماً بتقطع في الحتة دي.
“ردي يا دينا! ردي يا بت! ردي!”
أمي كانت بتصرخ وهي بتلف حوالين نفسها في الصالة بسرعة عمري ما شوفتها عليها.
فجأة لفت عليا وصاحت:
“انزلي وراها يا دنيا! خدي تاكسي والحقيها! متخليهاش تركب الأسانسير ده! قولي لها تطلع على السلم، قولي لها متدخلش السكشن النهاردة خالص!”
بصيت لأمي، ومتحركتش خطوة واحدة.
فضلت واقفة مكاني، وحطيت إيدي في جيوب الروب بتاعي، وقلت بصوت هادي ومستفز:
“وليه متنزليش إنتي يا ماما؟ ولا خايفة تخرجي في الشمس؟”
“دنيا مش وقت برود! بقولك أختك في خطر! الحقيها!”
“خطر إيه يا ماما؟ هو إنتي شوفتي حاجة وحشة هتحصلها؟”
أمي سكتت فجأة.
لسانها وقف في زورها.
عينيها راحت وجت، وخوفها اتضاعف، مش بس خوف على دينا، ده خوف من إن السر اللي بنته سنين يتهد فوق راسها.
لو قالتلي: “أنا شفت إن الأسانسير هيقع”، هتبقى دي التحذيرة الرابعة اللي المفروض على حسب كدبتها إنها تموت لو نطقتها ليا!
بلعت ريقها بالعافية وقالت بصوت متهدج:
“قلبي… قلبي حاسس، الأم بتحس يا بنتي!”
ابتسمت ابتسامة خبيثة، وقلت:
“طب وماله يا ماما… ما إنتي برضه قلبك كان حاسس يوم أتوبيس المدرسة بتاعي، وقولتيلي اللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين، وسبتيني أركب ورجلي اتصابت. ولا هو قلب الأم ده بيشتغل لناس وناس؟”
أمي اتصمرت في مكانها.
الملامح بتاعتها اتجمدت، وبصتلي بصة خوف حقيقي، كأنها لأول مرة بتشوفني، لأول مرة بتدرك إن البنت الهادية اللي كانت بتدوس عليها، فتحت عينيها وشايفة كل الحقيقة اللي كانت مخبية تحت السجادة.
“إنتي… إنتي قصدك إيه يا دنيا؟”
وقبل ما أرد عليها، رنة تليفوني قطعت الصمت في الشقة.
بصيت على الشاشة.
الاسم اللي كان بينور:
طارق الشرقاوي.
مردتش على أمي. شيلت الموبايل، وفتحت الخط، وقلت بصوت مسموع وواضح قدامها:
“أيوة يا طارق… كويس إنك اتصلت. أنا محتاجاك دلوقتي حالاً، في موضوع مصيري يخص دينا… ويخصني أنا وإنت.”


