
بإحدى قرى المنصورة، استيقظت حياة على صوت والدتها وهي تقول:
“يا بنتي حرام عليكي، اصحي بقى، كفاية نوم.”
حياة وهي تفرك عينيها:
“يا ماما حرام عليكي، أنا مصدقت خلصت امتحانات، سيبيني أنام شوية بقى.”
ابتسمت والدتها شادية وقالت:
“لما نشوف آخرتها إيه، وبيني وبينك النتيجة يا حياة.”
حياة بخوف:
“حرام عليكي يا ماما، والله أنا خايفة لوحدي، ده أنا زي بنتك والله.”
ضربتها بالمخدة على وجهها وقالت:
“قومي يا بنت، عمك جاي يتغدى معانا، وجدك بيسأل عليكي. قومي.”
نهضت حياة وقالت:
“محدش يعرف يرتاح في البيت ده، أنا عارفة.”
وذهبت إلى حمامها الخاص.
كان جدها إبراهيم الشاذلي كبير العائلة، ولكنه أصيب بوعكة صحية أقعدته عن الحركة، فترك إدارة الأراضي لابنه صابر الشاذلي وحفيده خالد.
قبلت حياة جدها وقالت:
“صباح الخير يا عسل.”
قالت والدتها بغضب:
“يا بنت عيب كده بدل الدلع ده، تعالي ساعديني، عمك على وصول.”
ضحك الشاذلي وقال:
“سيبيها براحتها يا شادية، دي ملحقتش ترتاح من المذاكرة.”
حياة:
“مفيش حد حاسس بيا غيرك يا عسل. أنت عارف، لولا إنك جدي كنت اتجوزتك يا قمر أنت.”
شادية:
“عوض عليا عوض الصابرين يا رب.”
وتركتهم وذهبت إلى المطبخ.
ضحكت حياة وقالت:
“أنا رايحة وراها لحسن تعمل فيا حاجة، مش هتأخر عليك يا عسل أنت.”
وصل صابر الشاذلي وسلم على والده، وجلس لتناول الغداء معهم.
بعد الانتهاء، نظر لوالده وقال:
“مش خلاص كده يا حاج، ونجوز العيال بقى.”
الشاذلي:
“عيال مين يا صابر؟”
صابر:
“خالد وحياة.”
شادية:
“جواز إيه يا أبو خالد؟ وتعليمها وشهادتها؟”
صابر:
“والله حلو، الحريم بقى ليها رأي كمان.”
الشاذلي:
“اسكتي يا شادية. مفيش حد هيتجوز. وشيل الموضوع ده من دماغك يا صابر، فاهم؟ حياة لسه صغيرة وأنا وعدتها هتكمل الجامعة. ولا إيه؟ عشان أنا تعبان هتعصى أوامري؟”
صابر بغضب:
“ناقص تقول كمان ونجوزها لواحد معاها في الجامعة وياخد الفلوس على الجاهز، ولا كأني تعبت فيها أنا وابني، مش كده؟”
الشاذلي:
“أنت كل همك الفلوس. وبعدين مالها؟ وهي حرة فيه وأنا لسه عايش يا صابر. لما أموت ابقى خد حقها.”
غضب صابر وتركهم وخرج من الفيلا.
كانت حياة تستمع لكل شيء، فاطمأنت لوجود جدها معها وقالت:
“يا رب باركلي في صحته، أنا مليش غيره.”
غضبت شادية وقالت:
“شفت يا عمي؟ عايز ياخد حقها قدام عيني. أنا خايفة يعمل حاجة.”
الشاذلي:
“متخافيش يا بنتي. أنتِ وبنتك أمانة في رقبتي وحقكم محفوظ، متقلقيش.”
شادية:
“أنا كفاية إنك معانا يا عمي. ربنا يطول لنا في عمرك يا رب.”
الشاذلي:
“أنا داخل المكتب، محدش يدخل. هعمل كام تليفون.”
بعد مرور ساعة تقريبًا خرج من المكتب وقال:
“المحامي جاي في الطريق، أول ما يوصل طلعيه الأوضة عندي.”
شادية:
“خير يا عمي؟”
الشاذلي:
“خير يا بنتي، متقلقيش.”
وصل المحامي وظل معه ساعتين تقريبًا، وشادية متوترة لا تعلم ماذا يخطط الشاذلي، فهي خائفة عليهم من صابر. لقد أصبح شديد التحكم في العائلة منذ أن تولى إدارة الأمور بعد مرض والده، وأصبح متحكمًا في رأس المال.
خرج المحامي، وذهبت إليه شادية وقالت:
“أنا عارفة إنك بتخطط لحاجة ومش هتقول عليها، صح؟”
ابتسم وقال:
“لو كان عندي بنت، مكنتش هتفهمني زيك كده. بس متخافيش، كل حاجة هتبقى كويسة.”
في فيلا صابر الشاذلي، كان يجلس مع زوجته كريمة غاضبًا، فقد أخبره أحد العاملين في فيلا والده بحضور المحامي.
قالت كريمة:
“قلتلك مرات أخوك دي مش سهلة. أكيد أقنعَت أبوك بحاجة، ومش بعيد يكون عمل لهم توكيل أو كتب لهم حاجة. إحنا لازم نعرف.”
صابر:
“ده هيكون آخر يوم لها في البيت لو ده حصل. لازم نوقف الموضوع.”
كريمة:
“إحنا مش هنستنى. لازم نعرف أبوك اتفق على إيه مع المحامي.”
دخل خالد وقال:
“مالكو متضايقين كده ليه؟”
صابر بغضب:
“ما البيه لو موجود كان عرف كل حاجة. لكن ليه لازم يخرج مع الشلة اللي ملموم عليها؟ مش كده؟”
كريمة:
“فيه إيه يا صابر؟ ما تسيب الواد براحته، هو إحنا عندنا كام واحد يعني؟”
صابر:
“أنا مش قلتلك تروح عند جدك وتشوف حياة وتحاول تتكلم معاها؟ يمكن توافق تتجوزك يا موكوس أنت.”
كريمة:
“نعم؟ هي تطول تتجوزه أصلًا؟ ده لولا الورث مكنتش وافقت أبدًا.”
خالد:
“اعتبره حصل يا حاج، ومتزعلش نفسك.”
صابر:
“لما أشوف آخرتها معاك إيه.”
صعدت كريمة لغرفة ولدها خالد وقالت:
“أنت يا منيل، جدك شكله بيخطط لمصيبة ولازم نعرف.”
خالد:
“انسى إن المحامي يقول أي حاجة.”
كريمة:
“إحنا لازم نلاقي حل مع جدك في أسرع وقت. أنا معنديش استعداد شادية دي تشاركني في حاجة. كفاية الفيلا اللي عمك كتبها باسمها لما عمك فؤاد تنازل عن نصيبه ووصى بكده قبل وفاته.”
خالد:
“اشمعنى؟ ليه متنازلش لأبويا؟”
كريمة:
“عمك فؤاد كان بيحب واحدة من مصر، وبسببها مكنش عايز يتزوج بنت عمه، وتركها قبل الفرح بأسبوع. جدك وقتها زعل منه جدًا، وعمك الوحيد اللي ساعده ووقف جنبه، وهو كمان اللي خلى جدك يسامحه بعد كده.”
خالد:
“بس عمي الله يرحمه عمره ما جه هنا، ولا شوفت ولاده كمان.”
كريمة:
“ملهمش حاجة هنا عشان ييجوا، وجدك زي ما أنت عارف بيروح لهم مصر ويقعد عندهم وقت الفحوصات والمتابعات.”
خالد:
“أنا سمعت أبويا بيقول معاهم فلوس كتير أوي.”
كريمة:
“عمك الله يرحمه طول عمره أذكى من أبوك. المهم لازم نشوف حل مع جدك.”
خالد:
“الحل الوحيد إنه يبعد عن إدارة الأمور، ودي سيبهالي.”
كريمة:
“إنت هتعمل إيه؟ متتصرفش من نفسك.”
خالد:
“متخافيش، أنا هتصرف وأخلي كل حاجة تمشي لصالحنا، وبعدين أتجوز حياة.”
كريمة:
“وتتجوز البنت ليه؟”
خالد:
“عشان تبقى ترفضني تاني. هنبسط شوية، وأسيبك أنتِ تتعاملي معاها.”
كريمة:
“ابن أمك صحيح.”
وتركت الغرفة وخرجت.
بعد مرور أسبوعين، ظهرت نتيجة حياة ونجحت بتقدير جيد جدًا.
فرحت كثيرًا وقالت والدتها:
“ألف مبروك يا حبيبتي.”
حياة:
“أنا فرحانة أوي يا ماما. فين جدو أبلغه النتيجة؟”
ذهبت مسرعة لغرفة جدها، فوجدته نائمًا. حاولت إيقاظه، لكنه لم يستجب.
صرخت حياة:
“الحقيني يا ماما، جدو مش بيرد عليا!”
حاولت شادية إيقاظه واتصلت بالطبيب، وعندما وصل وفحصه قال:
“أنا آسف، البقاء لله.”
صرخت شادية بصوت عالٍ، وحياة أيضًا انهارت وأمسكت يد جدها وقالت:
“سيبتني ليه يا جدو؟ يلا قوم. أنت مشيت كده فجأة، وأنا كنت عايزة أفرحك بالنتيجة. قوم يا جدو، أنا آسفة. وهسمع الكلام، بس قوم يا جدو، قوم بقى عشاني، متسيبنيش.”
أبعدتها والدتها عن جدها واتصلت بصابر لتخبره بوفاة والده.
أقام صابر عزاءً كبيرًا لوالده حتى لا يتحدث الناس عنه، ووقف هو وابنه خالد في العزاء.
كانت حياة في حالة انهيار من الصدمة، وقام الطبيب بمتابعتها وإعطائها ما تحتاجه من رعاية.
بعد انتهاء العزاء، كان الجميع يجلس في الفيلا، وفجأة دخل شاب وذهب وسلم على شادية وقال:
“البقاء لله يا مرات عمي. أنا لسه راجع من لندن، أول ما عرفت رجعت على طول.”
شادية:
“جدك مات يا آدم.”
وبدأت تبكي.
صُدم الجميع، فهذه أول مرة يرى فيها الجميع آدم.
قام صابر وقال:
“مش تسلم على عمك يا آدم؟”
نظر آدم بغضب وقال:
“أهلًا يا عمي.”
صابر:
“دي طريقة تكلم عمك بيها؟ هو ده اللي علمهولك فؤاد؟”
آدم:
“متجيبش سيرته بالطريقة دي. أنا ساكت احترامًا لجدي الله يرحمه.”
خالد:
“وجدك مات خلاص. يلا مع السلامة، شرفت.”
ذهب آدم نحوه غاضبًا، لكن شادية منعته وقالت:
“البيت ده بيتي أنا، ومحدش هيقعد فيه غير بأمري أنا.”
كريمة:
“الله يرحمك يا عمي. جه اليوم اللي نمشي فيه؟ يلا يا صابر.”
صابر:
“أنا استحملتك كتير وأبويا عايش. من دلوقتي الكلمة كلمتي. وحياة هتتجوز خالد ابني، ومفيش جامعة.”
تدخل آدم وقال:
“واضح يا عمي إنك متعرفش إن حياة مراتي.”
صُدم الجميع.
حتى شادية اعتقدت أن آدم قال هذا فقط ليدافع عن حياة.
صابر:
“واتجوزتها إمتى؟ فكرني عشان أصدقك.”
آدم بثقة:
“العفو يا عمي، بس أكيد جدي ملحقش يبلغك إني اتجوزتها من أسبوع، ووصاني عليها كمان هي ومرات عمي.”
شادية وهي تبكي:
“الله يرحمك يا عمي، الله يرحمك.”
كريمة:
“استعبط بقى وقولي إنك متعرفيش. أنا قلت من زمان إن الموضوع مش سهل. وفين ورقة الجواز؟”
آدم:
“بكرة المحامي جاي، وهنفتح وصية جدي.”
صابر بصدمة:
“وصية؟ أنا أبويا مكتبش وصية.”
آدم:
“واضح يا عمي إنك مكنتش تعرف جدي كويس. بعد إذنكم هطلع أستريح لأني تعبان من السفر.”
خرج صابر وكريمة وابنهما خالد مصدومين، غير مصدقين ما حدث.
كانت كريمة تتحدث بكلام غير مفهوم من شدة الصدمة، فصرخ بها صابر:
“بطلي كلام بقى وخلينا نشوف هنعمل إيه.”
خالد:
“دي مشكلة كبيرة لو فعلًا متجوزها. كده ملناش حق في أملاكها، وهو هياخد كل حاجة.”
صابر:
“ده على حسابي.”
في الفيلا، صعدت شادية للاطمئنان على حياة، فوجدتها ما زالت نائمة.
ذهبت لغرفة آدم وطرقت على الباب، فسمح لها بالدخول.
قالت:
“ممكن تفهمني إيه اللي بيحصل؟”
آدم:
“هقولك حاضر.”
فلاش باك
كان آدم يجلس بشركته الهندسية عندما وجد جده يتصل به.
رد عليه وقال:
“أهلًا بالكبير، عامل إيه؟”
الشاذلي:
“مش كويس يا آدم يا ولدي، مش كويس.”
آدم بقلق:
“مالك يا جدي؟ إيه اللي حصل؟”
الشاذلي:
“عمك عايز ياخد نصيب حياة، ويطلعها من الجامعة، ويجوزها ابنه خالد.”
آدم:
“ده اټجنن؟ أكيد ميقدرش يعمل كده.”
الشاذلي:
“أنا يا ابني مش هعيش لها العمر كله. هطلب منك طلب وتعمله يا آدم. عايزك تتجوز حياة عشان أضمن حقها وتلاقي حد يدافع عنها.”
آدم:
“أتجوزها إزاي يا جدي؟”
الشاذلي:
“جواز رسمي يا آدم، لحد ما تخلص الجامعة وتبدأ تعتمد على نفسها وتجيب لها حقها، وبعدها كل واحد يحدد طريقه.”
آدم:
“بس يا جدي، أنا آخر مرة شفتها كانت طفلة صغيرة، وأنت عارف إني مرتبط. هعمل كده إزاي؟”
الشاذلي:
“بنت عمك وعايشة معاكم هي وأمها، إيه المشكلة؟ أنا عارف إني بضغط عليك، بس ده أول طلب أطلبه منك يا ولدي. خليني أكون مطمن عليها.”
آدم:
“بعد الشر عليك يا جدي. حاضر، اللي أنت عايزه هعمله. بس أنت هتبلغ مرات عمي وحياة.”
الشاذلي:
“لا، هيعرفوا لما أكون رحلت. أنا وكيل حياة وهرتب كل حاجة، وهكتب لها جواب أحكيلها فيه كل شيء. متقلقش.”
آدم:
“اللي تشوفه يا جدي. وبسرعة ابعت المحامي، لأني مسافر لندن كمان يومين.”
باك
شادية:
“الله يرحمك يا عمي. شال همنا وهو عايش، وبعد رحيله كمان. وأنت يا آدم يا ابني، أنا لو عشت عمري كله أشكرك إنك وافقت مش هيكفيك يا ابني.”
آدم:
“متقوليش كده تاني. أنتِ زي أمي، وجدي وصاني عليكم.”
شادية:
“ربنا يخليك يا ابني. ربنا وحده يعلم غلاوة خديجة وأختك عاليا وأحمد أخوك.”
قطع حديثهما صراخ حياة وهي تنادي.
ذهبت شادية مسرعة هي وآدم إليها، فوجداها على الأرض، فساعدها آدم ووضعها على السرير، وتركها مع والدتها التي أخذتها في حضنها لتطمئن عليها.
في الصباح استيقظ الجميع، وظلت حياة بغرفتها لا تريد رؤية أي شخص، فهي خائفة من عمها ومما سيفعله بها.
جاء المحامي ومعه صابر وكريمة وخالد.
فتح المحامي الوصية وسأل عن حياة.
قالت شادية:
“تعبانة ومش قادرة تتحرك من الأوضة.”
المحامي:
“أنا معايا جواب من جدها.”
آدم:
“أنا هوصله لها، متقلقش.”
وبالفعل أعطاه لها، وبعد ذلك فتح الوصية، وكانت مناصفة بين حياة وصابر، ووضع الشاذلي آدم وصيًا على حياة باعتباره زوجها.
صُدم الجميع، واعترض صابر بشدة واتهمهم بالتلاعب.
آدم بانفعال:
“أنا لحد دلوقتي مش عايز أرد عليك احترامًا لجدي، لكن من فضلك التزم بحدودك. ونظر إلى زوجة عمه وقال: يلا يا مرات عمي، استعدي أنتِ وحياة عشان هنرجع القاهرة ونعيش معانا هناك.”
والتفت للمحامي وقال:
“شكرًا، وتعبناك معانا. وأنا عارف جدي تعبك في الفترة الأخيرة قد إيه.”
المحامي:
“جدك كان صديق يا ابني، الله يرحمه.”
وتركهم وخرج من الفيلا.
نظر آدم لعمه وقال:
“هبعتلك المحامي بتاعي عشان يبقى التعامل بينك وبينه، ولو حابب تشتري نصيب حياة معنديش مانع.”
صابر بعدم تصديق:
“أنت بتقول إيه؟ مين ده اللي أتعامل معاه؟ أنت هتراجع ورايا يا ابن فؤاد؟”
آدم:
“ده حق مراتي ولازم أحافظ عليه. وبعد إذنك يا عمي عشان نستعد للسفر.”
خرجوا من الفيلا، وقال خالد بغضب:
“إنت إزاي تسيبه يتصرف كده؟ إنت هتسكتله؟”
صابر بغضب:
“ما أنت لو كنت مسؤول كان جدك رتب لك الموضوع، لكنك مش مهتم بمسؤولياتك، حتى الأرض مش واخد بالك منها.”
كريمة:
“إنت هتطلع غضبك في الواد؟ اتصرف وشوف هتعمل إيه في المشكلة دي.”
أخذت شادية الجواب من آدم وصعدت لحياة في غرفتها وقالت:
“جدك كتب الجواب ده قبل ما يرحل.”
أخذت حياة الجواب بسرعة وفتحته.
“حفيدتي حياة،
مدام الجواب معاكي وبتقريه، يبقى أنا قابلت وجه كريم. عارف إن الكلام اللي هقوله صعب عليكي، بس مكنش قدامي حل غيره. أنا رتبت زواجك من آدم ابن عمك، وهو هياخد باله منك لحد ما تخلصي تعليمك وتشتغلي ويجيبلك حقك من عمك وابنه. متخافيش منه، آدم راجل وهيحافظ عليكي، وبعد ما كل حاجة ترجعلك، كل واحد يحدد طريقه. متزعليش يا حياة، أنا خايف عليكي.
جدك الشاذلي.”
صُدمت حياة من رسالة جدها وظلت تبكي، ولكن قالت والدتها:
“متخافيش يا حياة. آدم راجل وهياخد باله مننا، وهياخدنا نعيش معاهم في القاهرة.”
حياة:
“صعب عليا اللي بيحصل ده، بس عشان جدي أنا هعمل أي حاجة كان عايزها عشان ميزعلش مني.”
قبلت شادية رأسها وقالت:
“يلا يا بنتي لمي هدومك عشان هنسافر معاه.”
فعلت حياة ما طلبته والدتها، وبالفعل أنهوا كل شيء.
كان آدم ينتظرهم أمام السيارة. كانت هذه أول مرة يرى فيها حياة منذ سنوات، فقد كانت آخر مرة طفلة صغيرة. بدت جميلة ورقيقة رغم علامات التعب الظاهرة عليها، ولفت انتباهه هدوء ملامحها وحجابها.
تنحنح وحمل منهم الحقائب، ثم جلس بجوار السائق، وجلست حياة مع والدتها.
وصلوا إلى القصر، فوجدوا خديجة تنتظرهم.
سلمت على شادية وقالت:
“البقاء لله يا حبيبتي.”
شادية:
“ونعم بالله يا خديجة. سلمي يا حياة على مرات عمك.”
ابتسمت لها حياة، فاحتضنتها خديجة، ودخلوا القصر.
كانت عاليا وزوجها مراد وأحمد شقيقهم الأصغر ينتظرونهم، وسلموا عليهم جميعًا.
أوصلتهم خديجة لغرفتهم وقالت:
“أنا مش عايزاكي تفهميني غلط يا شادية، بس محدش يعرف بزواجهم غيري.”
شادية بتفهم:
“عين العقل، متقلقيش. ومحدش هيعرف خالص. إحنا عارفين إنه مرتبط، ربنا يكرمه يا رب.”
خديجة:
“ربنا يخليكي يا شادية. هسيبكم ترتاحوا، بعد إذنكم.”
حياة:
“شكلهم طيبين أوي.”
شادية:
“الحمد لله يا بنتي. جدك سلمنا لإيد أمينة، الله يرحمه. إحنا هنا عشان آخر سنة ليكي في الكلية، وبعدين تاخدي حقك ونعيش لوحدنا يا بنتي.”
حياة:
“إن شاء الله يا ماما.”
بالأسفل كانت عاليا تتحدث مع آدم:
“شكلها طيبة أوي، وباين عليها الحزن على جدو الله يرحمه.”
آدم:
“أكيد، ماهو اللي رباها بعد ما عمك مات، كان كل حاجة ليها.”
عاليا:
“بس تفتكر ليه جدو طلب يعيشوا معانا هنا؟”
آدم:
“عاليا، مش وقته. هحكيلك بعدين. المهم تاخدي بالك منهم ومن حياة لأنها متعرفش حد.”
عاليا:
“متقلقش يا حبيبي.”
أحمد:
“أنا مش مصدق نفسي. أنا يبقى عندي بنت عم جميلة كده ومعرفش. ياريتني سمعت كلامك يا جدي وكنت سافرت.”
آدم بغضب:
“أحمد، ملكش دعوة بيها. دي محترمة، ولو عرفت إنك ضايقتها هتزعل من رد فعلي.”
تدخل مراد وقال:
“اهدى يا آدم. يعني أنت مش عارف أحمد؟ أكيد بيهزر.”
أحمد مدافعًا عن نفسه:
“أنا آسف يا آدم، والله أنا بهزر. وكفاية إن جدو الله يرحمه موصينا عليهم.”
قطع حديثهم نزول حياة.
ذهبت إليها عاليا وقالت:
“نورتي يا حياة والله. لو تعرفي كان نفسي أتعرف عليكي من زمان.”
حياة:
“أنا كمان جدو حكالي عنكو كتير، ومبسوطة إني معاكو.”
دخلت خديجة وشادية لإخبارهم بتجهيز العشاء.
عند الانتهاء، نظرت حياة لآدم وقالت:
“بشمهندس آدم، ممكن أتكلم مع حضرتك؟”
آدم:
“أكيد طبعًا، اتفضلي.”
وذهب معها إلى مكتبه.
حياة:
“أنا متشكرة جدًا على وقفتك معانا، وأوعدك إن محدش هيعرف حاجة عن جوازنا، وأوعدك أول ما هاخد حقي من عمي، هاخد والدتي ونمشي.”
آدم:
“أنا عملت كده عشان جدي وحبي ليه. مقدرتش أرفض طلبه. ومبسوط إنك قدرتي موقفي، لأني مرتبط فعلًا، وأتمنى فعلًا إنها متلاحظش حاجة.”
حياة:
“أوعدك إنها مش هتلاحظ حاجة، وشكرًا مرة تانية.”
وتركتـه وعادت لغرفتها.
مر شهر كامل ولم يحدث شيء، ولكن تعلقت عاليا بحياة كثيرًا، وأحمد أيضًا اعتبرها شقيقته، وكان يأخذها للنادي مع عاليا، ومراد زوج عاليا أحب صحبتها أيضًا، ولكن آدم لم تتعامل معه نهائيًا وكانت تتجنب الحديث معه.
في الشركة عند آدم، كان منزعجًا من تأخير العمل، فدخل مراد عليه وقال:
“مالك يا آدم؟ ما الشغل ماشي تمام وكل حاجة، ليه العصبية؟”
آدم:
“أنا على آخري يا مراد، فبالله عليك متضغطش عليا عشان متزعلش مني.”
مراد:
“مستحيل يكون فيه حاجة في الشغل، لأن كل حاجة تمام. مش ورقة اتأخرت عليك تعمل فيك كده. حصل إيه يا صاحبي؟”
تنهد آدم وقال:
“عمي مش عايز يدي حياة حقها، ورافض المحامي يتعامل معاه. وأنا مش فاضي لوجع الدماغ ده. أنا لولا جدي مكنتش دخلت بينهم أصلًا.”
مراد بضيق:
“واضح إن جدك حط عليك مسؤولية كبيرة. بعد إذنك أنا ماشي.”
ولم يترك فرصة ليرد آدم عليه.
كانوا يجلسون بالنادي، فلاحظت حياة حزن عاليا وقالت:
“والله كنا فضلنا في البيت أحسن. مالك يا قمر؟”
عاليا:
“مراد رجع تاني يتأخر في الشركة، ومبقتش أعرف أقعد معاه، وهو بيوحشني أوي يا حياة، بس بخاف أقوله يضايق.”
ابتسمت حياة لأن مراد كان يقف ويستمع لكل شيء، وقالت:
“لا يا عاليا، خليكي ست مصرية أصيلة. لازم تفهميه إنك مضايقة.”
صُدمت عاليا وقالت:
“إيه ده؟ إنتي طلعتي شقية! لا طبعًا، مقدرش أزعله، ده حبيبي.”
مراد:
“ده إنتِ اللي حبيبتي وعمري كله.”
وخجلت عاليا وقالت:
“بس يا مراد، كسفتني.”
جلس مراد وطلب الغداء، وتناول الجميع طعامهم وعادوا للقصر.
جلسوا جميعًا بالحديقة، فقال مراد موجهًا كلامه لأحمد:
“مش نلم نفسنا بقى ونجي الشركة، ولا هتفضل كده مقضيها خروج؟”
أحمد:
“أوبا، الدخلة دي أنا عارفها. أنت مالك قلبت على آدم وبتتكلم زيه بالضبط.”
عاليا:
“يعني عشان خايف عليك تعمل كده.”
أحمد:
“ما تقولي حاجة يا حياة، دافعي عني.”
حياة:
“أدافع عنك لو أنت مظلوم بس. أنت غلطان، لازم تستغل وقتك وتساعدهم في الشركة. ياريتني مكانك والله.”
مراد:
“وإيه اللي يمنعك؟ تعالي اشتغلي معايا، وأهو يكون تدريب ليكي. إيه رأيك؟”
حياة بقلق:
“لا بلاش. أنا أخاف بشمهندس آدم يضايق ولا حاجة.”
مراد:
“أولًا أنا مدير الحسابات، يعني شغلك معايا أنا. آدم مش بيدخل في شغلي. إيه رأيك؟”
أحمد:
“لو اشتغلتي معانا وعد، هنزل أنا كمان.”
حياة:
“طيب سيبوني آخد رأي ماما الأول وهرد عليكم.”
قطع حديثهم وصول آدم، فسلم على الجميع وقال:
“حياة، عايزك في المكتب شوية.”
ذهبت حياة خلفه وجلست على الكرسي أمامه.
تنهد آدم وقال:
“مكنتش حابب أضايقك، بس لازم تعرفي إن عمك منشف دماغه ورافض يديلك حقك، وطرد المحامي بتاعي. أنا كده هضطر أتحرك رسميًا، بس كنت لازم أعرفك الأول.”
حياة:
“بلاش ده، مهما كان عمي. وهو طيب والله، بس مراته هي اللي مخلياه كده وابنه كمان. أنا عمرى ما أكون سبب في أذى حد.”
آدم بتعجب من رد فعلها وطيبتها:
“والحل طيب؟”
حياة:
“مش عارفة. أكيد فيه حلول كتير، بس أنا معرفهاش.”
آدم:
“في موضوع تاني مهم كنت عايزك فيه. رنا رجعت النهارده من أمريكا وبكرة هتيجي تتعشى معانا. حبيت أعرفك.”
حياة:
“متقلقش. أنت ابن عمي وأنا بنت عمك. بس كنت عايزة أستأذنك، مراد طلب مني أشتغل معاه في الشركة ويكون تدريب ليا، فكنت حابة آخد رأيك.”
آدم:
“فكرة كويسة، وأكيد لو حابة تعملي كده أنا موافق طبعًا.”
ابتسمت حياة:
“شكرًا إنك وافقت. أنا كنت خايفة ترفض.”
فرح آدم عندما وجدها تبتسم، لكنه عاد مرة أخرى لملامحه الهادئة.
خرجت حياة وأخبرت والدتها بكل شيء.
قالت شادية:
“وبعدين بقى فيك يا صابر أنت ومراتك؟ أنا تعبت منهم.”
حياة:
“متقلقيش يا ماما، آدم وعدني هيجيب حقي منهم. المهم إيه رأيك في الشغل؟”
شادية:
“براحتك يا حبيبتي، اللي أنتِ عايزاه.”
في اليوم التالي لم يحدث جديد طوال النهار، وعندما جاء المساء كان الجميع ينتظر رنا وآدم.
حياة:
“عاليا، هي رنا دي حلوة؟”
عاليا:
“هي حلوة آه، بس مغرورة أوي وبتحب نفسها. فلو زعلتك أو رخمت عليكي متزعليش.”
أحمد:
“هو أنا مينفعش أخلع من الجو ده؟ أنا وهي مفيش بينا تفاهم، ومش طالب نقاش مع آدم بعد ما تمشي.”
لاحظت حياة أن الجميع لا يشعرون بالارتياح تجاه رنا، فتعجبت من ذلك، ولكن فجأة سمعت صوت ضحكة عالية، وبعدها دخل آدم ومعه فتاة.
قالت حياة لنفسها:
“دي حلوة أوي، حقها تبقى واثقة في نفسها.”
سلمت على الجميع ونظرت لحياة وقالت:
“أكيد أنتِ حياة، مش كده؟”
حياة:
“أهلًا، حمد لله على السلامة.”
رنا:
“ميرسي.”

