
قالت:
— وإنتِ هتسيبي بيتك؟
سكت شوية، وبعدين قلت:
— مش هسيبه… أنا بس عايزة أشتغل.
وافقت.
وأول يوم أخدت منها مبلغ صغير جدًا.
مسكته في إيدي وأنا راجعة، وحسيت إني ماسكة كنز.
فلوس كسبتها بإيدي…
ومحدش له حق يقول لي: دي فلوسنا.
ومن اليوم ده بدأت أشتغل.
يوم عند دي، ويوم عند دي.
كنت برجع تعبانة لدرجة إني مش قادرة أقف على رجلي.
لكن كل ما أشوف بنتيّ، كنت أنسى التعب.
وبدأت أوفر جنيه على جنيه.
سامية لاحظت التغيير.
في يوم قالت لي:
— إنتِ بتجيبي فلوس منين؟
قلت:
— بشتغل.
قالت:
— ومين سمح لك تشتغلي؟
بصيت لها لأول مرة من غير ما أوطي عيني.
وقلت:
— أنا.
اتصدمت من إجابتي.
وقالت:
— إنتِ اتجننتي؟
قلت بهدوء:
— يمكن.
وسبتها ومشيت.
ومن اللحظة دي، سامية بدأت تحس إن مريم اللي كانت بتخاف من صوتها…
مش هي نفس مريم القديمة.
لكنها ما كانتش تعرف إن اللي بخبيه عنها أخطر بكتير من شغلي.
لأني كنت بجمع فلوس في السر…
وكنت بدور على مكان صغير أعيش فيه أنا وبناتي.
وكان عندي قرار واحد بس:
المرة دي لما أخرج من البيت…
مش هخرج منه عشان أرجع تاني.
سامية ما كانتش هتسكت.
من يوم ما لاحظت إني بقيت بنزل أشتغل، وإن معايا فلوس حتى لو قليلة، وهي عينيها عليا.
وفي ليلة، استنت لما جابر رجع من شغله.
كانت قاعدة جنبه في الصالة، وأنا في المطبخ بجهز العشا.
سمعتها بتقول له بهدوء:
— جابر… أنا مش عايزة أعمل مشاكل، بس لازم أكلمك في حاجة.
جابر بص لها وقال:
— في إيه؟
قالت وهي بتتنهد:
— مراتك اتغيرت.
سكت شوية، وبعدين قالت:
— مريم بقت تنزل من البيت من غير ما تقول لحد، وتشتغل، وتمسك فلوس لنفسها.
جابر رد:
— يعني إيه المشكلة؟ ما هي بتشتغل.
سامية قربت منه وقالت:
— المشكلة مش في الشغل يا جابر… المشكلة إني حاسة إنها بتجهز لحاجة.
جابر بص لها باستغراب:
— لحاجة إيه؟
قالت:
— معرفش… بس واحدة عاشت سنين وهي ساكتة، فجأة تبتدي تشتغل وتجمع فلوس وتتحرك لوحدها… أكيد في حاجة في دماغها.
جابر سكت.
سامية استغلت سكوته وكملت:
— وبعدين إنت عارف هي كانت عايشة إزاي قبل ما تتجوزك.
الجملة دي خلت جابر يضيق.
قال لها:
— تقصدي إيه؟
قالت بسرعة:
— ولا أقصد حاجة… أنا بس خايفة عليك.
وبعدين قربت منه وقالت:
— أنا خايفة تكون بتستعد تمشي وتسيبك، وبعدها تاخد البنات وتقول إنك مش بتصرف عليهم.
جابر اتعدل في قعدته.
— هي قالت لك إنها هتمشي؟
سامية هزت راسها:
— لا… بس أنا بفهم الستات.
وبعدين قالت الجملة اللي كانت مستنياها:
— وأنا لو مكانك، ما كنتش أسيبها تجمع فلوس من وراك كده.
في اللحظة دي، جابر بدأ يفكر.
وأنا في المطبخ ما كنتش أعرف إن الكلام اللي بيتقال عليا كان بيغيّر حاجات كتير في دماغه.
بعد شوية، دخل عليا المطبخ.
وقال بحدة:
— إنتِ بتشتغلي فين؟
اتوترت.
قلت:
— بشتغل عند ناس من المنطقة.
— وبتاخدي كام؟
سكت.
قال:
— بسألك!
قلت له المبلغ.
فضل ساكت ثواني، وبعدين قال:
— والفلوس دي بتعملي بيها إيه؟
بصيت له وقلت:
— بساعد بيها في مصاريف البنات.
رد بسرعة:
— ولا بتخبيها؟
اتجمدت.
بصيت له وقلت:
— بخبيها؟
قال:
— أيوه.
فهمت وقتها إن حد حط الكلام ده في دماغه.
وبصيت ناحية الصالة…
لقيت سامية قاعدة مكانها، وباصالي بنظرة انتصار.
ساعتها عرفت إن المعركة الحقيقية بدأت.
لكن سامية ما كانتش تعرف حاجة واحدة…
إن كل كلمة قالتها لجابر، كانت بتقربني أكتر من القرار اللي كنت مخبياه.
من اليوم ده، جابر اتغير معايا.
بقى كل ما يشوفني داخلة أو خارجة يسألني:
— رايحة فين؟
— جاية منين؟
— معاكي فلوس كام؟
حتى الفلوس اللي كنت بتعب فيها طول اليوم، بقى عايز يعرف أنا حطاها فين.
وأنا كنت برد عليه بهدوء.
مش خوف زي زمان…
كنت بس مستنية الوقت المناسب.
أما سامية، فبقت كل ما تعدي من جنبي ترمي كلمة.
مرة تقول:
— اللي بيجمع فلوس في السر بيكون ناوي على حاجة.
ومرة تقول:
— خلي بالك يا جابر… الست لما تستغنى عن جوزها ما يبقاش ليه لازمة عندها.
كنت بسمع وأسكت.
لحد يوم رجعت من الشغل، ولقيت جابر مستنيني.
قال لي:
— اقعدي.
قعدت.
قال:
— أنا سمعت إنك بتفكري تمشي.
بصيت له وقلت:
— مين قال لك؟
سكت.
بصيت ناحية سامية.
لقيتها واقفة بعيد وبتتفرج علينا.
قلت له:
— أنا عمري ما قلت إني همشي.
قال:
— بس تصرفاتك بتقول كده.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت:
— يمكن لأني تعبت.
اتعصب وقال:
— تعبتِ من إيه؟ إنتِ عايشة هنا وولادك عايشين هنا.
رديت لأول مرة من غير ما أخاف:
— أنا عشت هنا سنين، بس عمري ما حسيت إن ده بيتي.
سكت.
حتى سامية سكتت.
وكملت:
— أنا من وأنا عندي 12 سنة وأنا بخدم الناس. ولما اتجوزتك، فضلت أخدمك وأخدم مراتك وأهلك.
جابر قال:
— سامية مراتي زيك.
بصيت له وقلت:
— وأنا مش خدامة عند حد.
الجملة وقعت عليهم زي الصدمة.
سامية قربت وقالت:
— أهو شفت؟ أنا قلت لك إنها اتغيرت.
لكن المرة دي ما بصيتش لها.
بصيت لجابر وقلت:
— أنا مش بطلب منك فلوس، ولا بطلب بيت، ولا حتى بطلب منك تحبني… أنا بس عايزة أعيش أنا وبناتي بكرامتنا.
جابر سكت.
وأنا دخلت أوضتي.
قفلت الباب.
وطلعت العلبة الصغيرة اللي كنت مخبية فيها فلوسي.
عديتهم واحد واحد.
ما كانوش مبلغ كبير.
لكن بالنسبة لي كانوا بداية حياة.
حطيتهم في شنطة قديمة، ومعاهم شهادات ميلاد البنات وأوراقي.
وقلت لنفسي:
«لسه ناقص خطوة واحدة.»
كنت محتاجة مكان نعيش فيه.
وفي اليوم اللي بعده، وأنا في الشغل، الست اللي بشتغل عندها لاحظت إني ساكتة.
سألتني:
— مالك يا مريم؟
في الأول خفت أحكي.
لكن بعد شوية دموعي نزلت.
وحكيت لها كل حاجة.
فضلت ساكتة تسمعني، ولما خلصت قالت:
— لو إنتِ فعلًا ناوية تبدأي حياة جديدة، أنا ممكن أساعدك تلاقي أوضة صغيرة إيجارها على قد فلوسك.
قلبي دق بسرعة.
قلت لها:
— بجد؟
قالت:
— بجد.
رجعت البيت اليوم ده وأنا حاسة إني لأول مرة شايفة باب للخروج.
لكن وأنا داخلة، سمعت سامية بتتكلم مع جابر.
وقفت قبل ما يدخلوا عليا.
سمعتها بتقول:
— لو سبتها تعمل اللي في دماغها، بكرة مش هتعرف توقفها.
رد جابر:
— تقصدي إيه؟
قالت:
— أنا شاكة إنها ناوية تهرب بالبنتين.
ساعتها اتجمدت مكاني.
لأن سامية ما كانتش شكت…
هي كانت عرفت.
حد قال لها.
وأنا الوحيدة اللي كنت حكيت له عن خطتي…
كانت الست اللي بشتغل عندها.
دخلت أوضتي بسرعة، وقفلت الباب.
وقلت لنفسي:
«لا… لازم أتصرف قبل ما يعرفوا كل حاجة.»
لكن اللي ما كنتش أعرفه…
إن جابر كان بالفعل بدأ يدور على الشنطة اللي بخبي فيها أوراقي.



