منوعات

ندي الجمل 1

من وهي عندها 12 سنة، اتحرمت من حضن أمها، واتحولت في بيت أخوالها لخدامة محدش بيسأل تعبانة ولا لأ.
ولما افتكرت إن الجواز هيكون طوق النجاة، اكتشفت إنها خرجت من بيت يخنقها… لبيت تاني بيكسرها كل يوم.
لكن يوم ما بصّت لبناتها، قررت تعمل حاجة لأول مرة في حياتها… تختار نفسها.
أنا اسمي مريم، وعمري وقتها كان 12 سنة بس…
أبويا كان مات، وأمي اتجوزت بعده، وبدل ما تاخدني معاها، ودّتني عند جدتي.
جدتي كانت عايشة في بيت كبير، وكان عايش معاها أخوالي ومراتاتهم.
كنت فاكرة إني رايحة عند جدتي، يعني هبقى في أمان…
لكن اللي حصل كان بداية أسوأ سنين عمري.
من أول يوم، بقيت شغالة في البيت.
مش شغل طفلة عندها 12 سنة…
ده أنا كنت شغالة علشان آكل.
وياريتني كنت حتى بلاقي اللقمة.
كل يوم الصبح كنت باخد طبق كبير مليان صابون وكلور وسلك، وأطلع على شقق أخوالي ومراتاتهم.
أدخل الحمام…
أغسله وأنضفه وأدعكه لحد ما يبقى بيلمع.
وأول ما أخلص، مرات خالي تجيبلي كرسي وتقول:
— اطلعي اغسلي المواعين.
كنت أطلع على الكرسي وأنا صغيرة، وأفضل واقفة أغسل المواعين لحد ما ضهري يوجعني وإيدي تتشقق.
وأول ما أخلص عندها، أطلع على الشقة التانية عند مرات خالي التانية.
وأعمل نفس اللي عملته.
تنضيف…
مواعين…
غسيل…
ومشاوير.
كانوا يبعتوني أجيب طلبات، وأقضي مشاوير، وأعمل كل اللي يتقال لي.
كنت بلف طول اليوم من شقة لشقة، وكأني خدامة عند البيت كله.
وأكتر واحدة كانت بتقسى عليا كانت مرات خالي.
كانت ساعات ترفض حتى تأكلني.
ولو طلبت منها أكل، تبصلي وتقول:
— إذا كانت أمك رمتك، إحنا هندور عليكي؟!
كنت بسكت.
ما كنتش بقدر أرد.
لأني كنت عارفة إن لو اتكلمت، هتروح تقول لخالي.
وخالي كان يضربني.
فكنت أبلع الكلام مع دموعي وأسكت.
أما مرات خالي التالتة، فكانت بتقلدها في حاجات كتير، لكن على الأقل كانت بتأكلني.
وفي كل مرة كنت أروح أشتكي لجدتي وأقول لها:
— أنا تعبت يا جدتي.
كانت تبصلي وتقول:
— اسمعي كلامهم يا مريم… ليخلوا أخوالك يمشوكي وتترمي في الشارع.
فكنت أخاف وأسكت.
كان الشارع بالنسبة لي أخوف من كل اللي بشوفه جوه البيت.
وكانت خالتي كمان بتستغلني.
تجيبلي سجادها وبطاطينها، وتقول لي:
— خدي دول اغسليهم.
أغسلهم وأنشرهم وأستنى ينشفوا، وبعدها أركب توكتوك وأروح أوصلهم لها.
كنت عندي 12 سنة…
لكن حياتي كانت حياة ست كبيرة.
مفيش مدرسة…
مفيش لعب…
مفيش طفولة…
ومفيش حد أسند عليه راسي وأقول له: أنا تعبت.
عدت السنين وأنا عايشة بنفس الطريقة.
لحد ما بقيت 18 سنة.
وفي السنة دي، جدتي ماتت.
يوم موتها حسيت إن آخر حاجة كانت رابطاني بالمكان ده راحت.
صحيح جدتي ما قدرتش تحميني من اللي كانوا بيعملوه فيا، لكن وجودها كان بيخليني أحس إن ليا بيت.
بعد موتها، بدأت أخاف أكتر.
خفت أعيش لوحدي.
وخفت أخوالي يطردوني.
وفي الوقت ده، شاب جارنا اسمه شريف بدأ يحاول يكلمني.
وأنا من خوفي ويأسي، فكرت:
يمكن يتجوزني.
يمكن أخرج من البيت ده.
يمكن أخيرًا أعيش زي أي بنت في سني.
لكن شريف ما كانش بيفكر في الجواز زي ما أنا كنت فاكرة.
وفي يوم، حصلت المصيبة.
لقيته جوه شقة جدتي…
وخالي كان موجود.
وأول ما خالي شافه، سأله:
— إنت بتعمل إيه هنا؟!
شريف بصله وقال:
— هي اللي كلمتني وقالت لي تعالى نتقابل.
في اللحظة دي حسيت إن قلبي وقع مني.
خالي مسكني وضربني وبهدلني.
وأنا من كتر خوفي، لمّيت هدومي وخرجت.
خرجت من البيت…
وقعدت في الشارع 3 أيام.
3 أيام وأنا مش عارفة أروح فين.
وفي الآخر، رجعت.
لكن مرات خالي رفضت تدخلني البيت.
وقفت قدام الباب وأنا مش عارفة أعمل إيه.
لحد ما جبت ناس من الجيران، وقعدوا يتكلموا معاهم بالعافية، لحد ما وافقوا يدخلوني.
كنت فاكرة إن دي أسوأ حاجة ممكن تحصل لي.
لكن ما كنتش أعرف إن اللي جاي هيكون أصعب.
بعدها اتجوزت راجل أكبر مني بـ13 سنة اسمه جابر.
كان مطلق وعنده 3 أولاد.
وأنا كنت فاكرة إن الجواز هيكون طوق النجاة.
فاكرة إني أخيرًا هبقى ليا بيت.
لكن بعد ما اتجوزني…
رجّع مراته الأولى.
وبقيت أنا عايشة معاها، وخدامة ليها ولأهله ولأخواته البنات.
ومرت السنين…
وخلفت بنتين.
ولما كنت ببص لهم، كنت بخاف.
كنت شايفة نفسي فيهم.
وكنت بقول:
«يا ترى هعيشهم نفس اللي عشته؟»
كنت خايفة عليهم من الدنيا…
لكن ما كنتش عارفة أعمل إيه.
فضلت سنين مستحملة الذل والمهانة.
لحد ما حماتي ماتت.
وبعد موتها، بناتها ما بقوش ييجوا زي الأول.
لكن ضرتي فضلت زي ما هي.
فضلت تبهدلني وتتعامل معايا كأني خدامة عندها.
لحد يوم…
صحيت الصبح وبصيت على بنتيّ.
وبعدين بصيت لنفسي.
وساعتها حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت…
لكن المرة دي مش من الضعف.
من كتر ما أنا تعبت.
وقلت لنفسي:
«كفاية… أنا استحملت علشاني، لكن مش هسمح لبناتي يدفعوا تمن ضعفي.»
ومن اليوم ده…
قررت إن حياتي لازم تتغير، مهما كان تمن التغيير.

تاني يوم صحيت بدري عن عادتي.
بصيت على بنتيّ وهما نايمين جنبي، وقعدت أتأمل وشوشهم.
واحدة منهم كانت حاضنة لعبتها، والتانية نايمة وهي ماسكة طرف البطانية.
فضلت أبص لهم ودموعي تنزل في صمت.
أنا استحملت كل حاجة علشان ما يبقاش ليا مكان أروح له…
لكن هما؟
هما ذنبهم إيه؟
قمت من مكاني، وغسلت وشي، وبصيت لنفسي في المراية.
ولأول مرة من سنين، قلت بصوت مسموع:
— أنا مش هفضل كده.
دخلت المطبخ أعمل الفطار، لقيت سامية داخلة ورايا.
بصت لي وقالت:
— إنتِ اتأخرتي ليه؟
سكت.
قالت بعصبية:
— أنا بكلمك!
رفعت عيني عليها وقلت:
— حاضر.
ابتسمت بسخرية وقالت:
— هو إنتِ من إمتى بتردي؟
الكلمة دي كانت عادية بالنسبة لها…
لكن بالنسبة لي كانت آخر مسمار.
فضلت طول اليوم أفكر.
أنا معايا بنتين، ومفيش فلوس، ومفيش بيت، وجابر عمره ما وقف جنبي.
لو خرجت من البيت، هروح فين؟
ولو فضلت، بناتي هيكبروا قدام عيني وهم شايفين أمهم بتتهان.
بالليل، لما الكل نام، قعدت جنب بنتي الكبيرة.
قلت لها:
— لو في يوم ماما قالت لك لازم نمشي من هنا… هتمشي معايا؟
بصت لي باستغراب وقالت:
— هنروح فين يا ماما؟
حضنتها وقلت:
— أي حتة… المهم نبقى سوا.
ما نمتش الليلة دي.
وقعدت أفكر في كل شغلانة أقدر أشتغلها.
أنا بعرف أنضف.
بعرف أغسل.
بعرف أطبخ.
بعرف أعمل حاجات كتير اتعلمتها غصب عني وأنا طفلة.
لكن لأول مرة فكرت:
«طب ما أستخدم كل اللي اتعلمته ده علشان أنقذ نفسي؟»
تاني يوم، وأنا بكنس السلم، سمعت واحدة من الجيران بتتكلم مع مرات ابنها.
كانت بتقول لها:
— أنا محتاجة واحدة تيجي تساعدني في البيت يومين في الأسبوع.
قلبي دق بسرعة.
استنيت لما خلصت كلامها، وروحت لها.
وقلت:
— لو محتاجة حد ينضف لك البيت… أنا ممكن أشتغل.
بصت لي وقالت:
— إنتِ؟
هزيت راسي.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى