روايات وقصص

محمد نور

في أول صفحة كانت كاتبة كلمة واحدة:

“الأصل”.

— لما بكون تعبانة أو يائسة —شرحتلي—، ببص فيه.

مشت إيدها على الغلاف:

— بفتكر ورشتك. ريحة النشارة. عدتك. والكلمة اللي كنت بتقولها ديماً.

افتكرتها قبل ما هي تقولها.

— “اللقمة الحلال والشغل النظيف ما يعرش إيدك ولا يكسر عينك.”

مريم ابتسمت:

— بالظبط.

ساعتها بكيت بكاء مرير.

ما همنيش أبكي قدامها ولا قدام قبر مراتي.

مريم عينها اتملت دموع هي كمان.

— أنا عمر ما قل افتخاري بيك يا بابا.

طلعت تليفونها وورتني صورة لمكتب خشب كلاسيك، معمول بأسلوب الأسطوات بتوع زمان، وفيه حفر وردة صغيرة في الزاوية.

عرفته في ساعتها!

ده أنا اللي عامله بإيدي من تلاتين سنة لدكتور في الجامعة.

— ده كان عميد الكلية عندي —قالت لي—. أول ما دخلت بيته وشفت المكتب، قلت له: “ده شغل بابا، ده أشطر أسطى نجارة في مصر”.

فضلت باصص للصورة.

في الوقت اللي كنت فاكر إن بنتي كسفانة مني، هي كانت شايلة اسمي بفخر واعتزاز.

الوحيد اللي اتكسف منها كان أنا.

بعد الزيارة دي، تعبت ورقدت.

سخونية، وضغط، وإرهاق.

مريم أخدت أجازة من شغلها.

كانت بتعملي الأكل بنفسها، وتظبطلي العلاج، وتمشيني بالراحة لما بدأت أسترد صحتي.

ما بقيناش فجأة العيلة المثالية اللي في المسلسلات.

كان فيه شرخ كبير ورواسب سنين.

بس الجدار بدأ يتفكك.

بعد شهر، البروفيسور بيليني جه مصر عشان مؤتمر دولي.

مريم عزمتني.

قعدت في آخر صف وهي بتلقي كلمتها قدام علماء ورمامين من كل دول العالم.

كانت بتتكلم بثقة وقوة عمرى ما شفتهم فيها.

لما خلصت، فضلت تجاوب على الأسئلة لمدة ساعة.

أنا كنت باصص لها وفكري حاجة واحدة بس:

دي بنتي.

بعد المؤتمر، مريم جابت البروفيسور لحد عندي.

— ده بابا.

الراجل سلم عليا بحرارة، والمترجم ترجم كلامه:

— دلوقتي عرفت سر الإبداع في إيدين مريم. هي ديماً بتقول إنك الراجل اللي علمها إن تصليح الأشياء هو نوع من أنواع الحب.

دورت وشي الناحية الثانية عشان ما حدش يشوف دموعي.

بعدها بكام يوم، قررت أرجع طنطا.

ما كنتش عاوز أكون عبء على حياتها وشغلها.

في المحطة، مريم أدتني كارت بنك.

— ده فيه مبلغ يكفيك تجيب حد يساعدك أو تقعد في دار رعاية كويسة ترتاح فيها.

هزيت رأسي بالرفض:

— لأ يا بنتي.

— يا بابا…

— سيبيني أعمل حاجة واحدة صح في حياتي.

طلعت من جيبي حاجة ملفوفة.

 

طول الأسابيع اللي فاتت كنت اشتريت عدد بسيطة واشتغلت في السر.

كانت فاصلة كتب (علامة قراءة) مصنوعة من خشب الصندل، وفي أعلاها حفر لوردة بسيطة.

مسكتها مريم بين إيديها الاثنين.

— مش طالعة مظبوطة أوي —قلتلها.

— لا، جميلة جدًا.

— لا، بس اتعملت بقلب صافي.

عينيها اتملت دموع.

— “الشغل النظيف ما يعرش إيدك ولا يكسر عينك” —كررت الجملة—. أخدت 73 سنة عشان أفهم إن المبدأ ده ينطبق على الأبوة كمان.

مريم حضنتني.

حضن قصير… بس بعد عشر سنين جفاء، كان عندي بالدنيا وما فيها، أغلى من كل الملايين اللي وزعتها.

رجعت طنطا، بعت شوية عدد قديمة ما بقيتش أقدر أستخدمها، ودخلت دار مسنين محترمة بقراري.

ما أديتش ولا مليم لهدى ولا لريم عشان أحل مشاكلهم.

ولا كرهتهم.

بس فهمت إن سداد غلطاتهم مش هيخليهم بنات أفضل، ولا هيخليني أب أحسن.

مريم بقت ترن عليا كل يوم حد.

نتكلم بالراحة.

ساعات تبعتلي صور لوثائق خلصت ترميمها.

وأنا أبعتلها رسومات وتصاميم للشبابيك والأبواب بتوع زمان.

بعد شهور، جالي طرد فيه كتاب عن النجارة المصرية القديمة.

وجواه صورة للمخطوطة اللي رممتها هي وفريقها.

وعلى ظهر الصورة كانت كاتبة:

“لبابا… فيه حاجات عمرها ما بترجع زي الأول بالظبط. بس ده مش معناه إنها ما تقدرش تكمل وتعيش.”

حطيت الصورة دي جنب سريري.

طول عمري كنت فاكر إن مريم بتضيع وقتها في تصليح الورق القديم.

دلوقتي عرفت إني كنت غبي وغلطان.

هي بترمم الذاكرة.

بتنقذ الحاجات اللي الناس فاكرة إنها أملها ضاع.

وهي عملت معايا نفس الشيء.

ما مسحتش الجروح اللي سببهالها.

ولا مثلت إن العشر سنين ما حصلوش.

هي بس مسكت اللي فاضل بيننا، وبصبر ودقة، بدأت ترقعه وتجمعه من تاني.

يمكن ده أصعب درس بتتعلمه لما تكبر:

فيه أخطاء ما فيش فلوس الدنيا تقدر تصلحها.

وفيه كلام بيعلم في القلوب.

وفيه أولاد مش محتاجين فلوسنا وثروتنا؛ محتاجين بس إننا نبصلهم ونفهمهم قبل ما الفأس تقع في الرأس وتفوت الأوان.

أنا وزعت 10.5 مليون جنيه وأنا فاكر إني بؤمن كبري.

واكتشفت في الآخر إن البنت اللي ما أديتهاش ولا مليم كانت الوحيدة اللي مش محتاجة لفلوسي.

الحاجة الوحيدة اللي كانت مستنياها مني طول السنين دي كانت أرخص بكتير… ولراجل أناني وعنيد زيي، كانت أصعب بكتير:

الفهم والحنية.

دلوقتي، كل ما حد في الدار يسألني مين من بناتك ورث حرفتك، برادد بنفس الجملة:

 

مريم.

بيتفاجأوا ويسألوني:

— هي كمان شغال في النجارة؟

ببتسم وبقول:

— لا… هي بتشتغل في حاجات أرقى وأرق بكتير من الخشب.

وبفتكرنا ساعتها…

بنت اتعلمت إزاي تلملم الورق المكسور وتصلحه…

وأب عجوز، لما بطل يتكابر ويشوف نفسه صاحب الحقيقة، اكتشف إنه هو كمان ينفع يترمم.

النهاية

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى