عام

ابني زقني من على السلم

كان بيتابعني.
سكت.
المرة دي ما عرفش يجاوب.
وقتها عرفت إن الموضوع أكبر من مجرد كذبة.
لكن قبل ما أتكلم، تليفونه رن.
بص للشاشة.
واتغير وشه.
قال
لازم أرد.
وخرج من الأوضة.
استنيت عشر ثواني.
وبعدين مشيت وراه بهدوء.
لقيته واقف في الممر بيتكلم بصوت واطي.
سمعته بيقول
رجع لها النظر.
سكت.
وبعدين قال
أيوه وشكت.
قلبي وقع.
مين اللي كان بيكلمه؟
قربت أكتر.
سمعته يقول
لازم نتصرف قبل ما تفتكر كل حاجة.
وقتها رجعت خطوة لورا.
ودخلت الأوضة قبل ما يحس إني سمعته.
بعد أقل من دقيقة دخل.
بصلي.
وأنا كنت قاعدة على  وكأني ما سمعتش حاجة.
قال
بكرة هنروح للدكتور.
قلت
حاضر.
وبعدين سألته
وآدم فين؟
نام.
لوحده؟
داليا معاه.
هنا بالذات حسيت إن فيه حاجة غلط.
لأن داليا كانت عايشة معانا من سنين بحجة إنها أرملة ومحتاجة مكان.
لكن بعد اللي شوفته النهارده
بدأت أسأل نفسي
ليه داليا بالذات؟
وليه آدم متعلق بيها بالشكل ده؟
استنيت لحد ما أحمد نام.
وبعدين خرجت من .
مشيت حافية في الممر.
وأنا لأول مرة أقدر أشوف البيت اللي عشت فيه سبع سنين.
دخلت أوضة آدم.
الباب كان موارب.
سمعت صوت داليا بتتكلم في التليفون.
لازم نمشي قبل ما تفتكر كل حاجة.
اتجمدت مكاني.
قالت
أيوه، رجعلها نظرها.
سكتت.
وبعدين قالت
لا لسه ما عرفتوش.
قلبي بدأ يدق بعنف.
قربت من الباب.
وفجأة سمعتها بتقول
لو عرفت إن آدم ابني أنا كل حاجة هتنهار.
إيدي اتحطت على بوقي.
ابنها؟
آدم ابن داليا؟
لكن قبل ما أستوعب، سمعتها تقول
وإنت وعدتني إن أحمد مش هيقول لها الحقيقة.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
رجعت لأوضتي بسرعة.
قفلت الباب.
وقعدت على الأرض.
آدم ابن داليا.
يبقى ليه عاش معايا ست سنين؟
وليه أحمد قال إنه ابني؟
وليه أنا فاكرة إني خلفته؟
وفجأة
رجعتلي ذكرى.
مش كاملة.
مجرد مشهد.
أنا في مستشفى.
لابسة لبس العمليات.
وبعيط.
وفي حضني طفل صغير.
وسمعت صوت ممرضة بتقول
مبروك يا مدام سلمى.
حطيت إيدي على دماغي.
بدأت أفتكر.
كان فيه طفل.
أنا فعلًا ولدت.
لكن
الطفل اللي كان في حضني وقتها ما كانش آدم.
كان طفل تاني.
ولد صغير.
وعلى إيده سوار مكتوب عليه اسم
يوسف.
شهقت.
يوسف!
الاسم ظهر في دماغي واضح.
يوسف كان ابني.
أنا خلفت يوسف.
لكن فين يوسف؟
مين أخده؟
وليه آدم دخل حياتي بعد كده؟
قبل ما أقدر أفكر، تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت.
ألو؟
صوت راجل قال
مدام سلمى؟
أيوه.
أنا دكتور محمود.
مين دكتور محمود؟
قال
الدكتور اللي كان موجود يوم ولادتك.
جسمي كله اتشد.
إنت عرفت رقمي منين؟
أبوكي كلمني.
سكت لحظة.
وبعدين قال
لازم نتقابل.
ليه؟
صوته اتغير.
لأن في حاجة حصلت يوم ولادتك، وأنا فضلت ساكت سبع سنين.
إيه هي؟
ابنك الحقيقي ما ماتش.
نفسي اتقطع.
إيه؟
قال
يوسف عايش.
قبل ما أتكلم
الخط اتقفل.
فضلت ماسكة التليفون وأنا مش قادرة أتنفس.
ابني عايش.
يعني الطفل اللي ربيته ست سنين مش ابني.
وابني الحقيقي موجود في مكان ما.
لكن السؤال الأصعب
مين اللي أخفاه؟
وفي نفس اللحظة، سمعت صوت مفتاح بيتحط في باب الشقة.
مشيت ناحية الباب.
بصيت من فتحة الباب.
أحمد كان داخل.
لكن المرة دي
ما كانش لوحده.
كان معاه راجل غريب.
والراجل ده أول ما دخل البيت، بص ناحية السلم وقال لأحمد
هي شافتك؟
أحمد رد
لا.
الراجل قال
متأكد؟
متأكد.
يبقى لازم نخلص الليلة.
قلبي اتقبض.
رجعت خطوة.
لكن فجأة
الراجل رفع عينه ناحية الممر.
وبص مباشرة ناحية أوضتي.
كأنه حس إني واقفة هناك.
وأحمد قال له بسرعة
متقلقش هي لسه مش فاهمة حاجة.
دخلوا الصالة.
وأنا قفلت باب أوضتي بالمفتاح.
وبعت رسالة واحدة لأبويا
بابا متجيش لوحدك.
وبعدها رسالة تانية
يوسف عايش.
لكن وأنا بحاول أبعت الرسالة
وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة.
صورة لطفل صغير.
واقف قدام بوابة مدرسة.
وتحت الصورة مكتوب
لو عايزة تعرفي ابنك الحقيقي فين متثقيش في أي حد.
فضلت أبص للصورة.
وبعدين قربت من الشاشة.
الولد كان عنده حوالي ست سنين.
نفس السن اللي عنده آدم.
ونفس شكل عيني.
لكن اللي خلاني أنهار
إن الولد كان لابس سلسلة صغيرة في رقبته.
السلسلة اللي ظهرت في آخر ذكرى بدأت أفتكرها.
السلسلة اللي أنا بنفسي حطيتها في رقبة ابني يوم ولادته.
يوسف كان عايش.
وكان قدامي في الصورة.
لكن مين اللي كان بيراقبه؟
وليه الشخص اللي بعت الصورة عايزني أعرف؟
وفي اللحظة دي
سمعت خبطة قوية على باب أوضتي.
صوت أحمد
سلمى افتحي الباب.
ما رديتش.
خبط تاني.
سلمى؟
حطيت التليفون في جيبي.
وبصيت حواليا.
لأول مرة من سبع سنين
أنا مش الست العمياء اللي محبوسة في بيتها.
أنا شايفة.
وعارفة إن جوزي بيخبي عني ابني الحقيقي.
وعارفة إن داليا مش مجرد مرات أخوه.
وعارفة إن الحادثة اللي فقدت فيها نظري ما كانتش  عادية.
لكن لسه ما كنتش عارفة  حاجة
إن الشخص اللي دبر الحادثة من سبع سنين
كان واقف برا باب أوضتي دلوقتي.
وأنا كنت على بعد ثواني بس من معرفة اسمه.
خبط أحمد على الباب مرة تانية.
سلمى افتحي الباب.
ما رديتش.
سمعت صوت داليا من وراه
سيبها يا أحمد، هي محتاجة ترتاح.
ضحكت بيني وبين نفسي.
محتاجة ترتاح.
بعد سبع سنين من الكذب، بقوا خايفين من واحدة لسه شايفة الدنيا من كام ساعة.
بصيت على الشباك.
وبعدين على باب الأوضة.
كان عندي مخرج واحد.
فتحت الشباك بهدوء، وطلعت منه على البلكونة.
نزلت السلم الخارجي الصغير اللي كان واصل للجراج.
خرجت من البيت من غير ما يحسوا.
ركبت عربيتي، وأول ما قفلت الباب، اتصلت بأبويا.
بابا أنا برا البيت.
صوته كان متوتر
إنتِ فين؟
في العربية.
متتحركيش. أنا جاي لك.
بعد أقل من عشرين دقيقة، عربيته وصلت.
أول ما نزل، جري عليّا وحضني.
وأنا لأول مرة من سبع سنين حضنت أبويا وأنا شايفة وشه.
كان أكبر بكتير مما تخيلت.
شعره كله أبيض.
وعينيه مليانة دموع.
قال
أنا كنت فاكر إني مش هشوفك تاني.
قلت
وأنا كنت فاكرة إنك ميت.
بصلي بحزن.
أحمد هو اللي قال لك كده؟
هزيت راسي.
أيوه.
أبويا سكت.
وبعدين طلع ملف كبير من العربية.
أنا ما كنتش ساكت يا سلمى.
فتحت الملف.
كان فيه صور.
تقارير.
محاضر.
وأسماء.
قال
بعد الحادثة، أحمد قال إنك فقدتي الذاكرة والنظر، وإنك مش عايزة تشوفي حد من أهلك.
وأنا صدقته.
إحنا ما صدقناش.
قلبت الصفحات.
لقيت صورة قديمة لآدم.
وبجانبها صورة لداليا.
وبعدين صورة لطفل صغير.
تحتها اسم
يوسف حسن عبدالسلام.
إيدي بدأت ترتعش.
ده ابني؟
أبويا قال
ده ابنك.
دموعي نزلت.
طب فين؟
بصلي.
في دار رعاية من سبع سنين.
شهقت.
إيه؟
بعد ولادتك بأيام، أحمد قدم ورق إن الطفل.
بس إنت قلت إنه عايش!
عشان الطفل اللي اتسجل إنه  ما كانش يوسف.
سكت.
حسيت إن الدنيا بتلف.
أبويا كمل
أحمد وداليا كانوا متفقين مع موظف في المستشفى. بدّلوا أساور الأطفال، وسجلوا ابنك على إنه ابن داليا.
وآدم؟
آدم هو ابن داليا.
غمضت عيني.
كل حاجة بدأت تركب.
داليا ولدت قبلّي بأيام.
لكن طفلها مات بعد الولادة.
ويوسف كان عايش.
فبدلوهم.
داليا أخدت ابني.
وأنا أخدت طفل مش ابني.
لكن ليه؟
أبويا قال
لأن أحمد كان داخل على أزمة مالية كبيرة.
إيه علاقتها بيوسف؟
كانت فيه شركة باسمك.
بصيت له.
شركتي؟
أيوه.
فتح ورقة.
جدك كان سايب لك أسهم وحسابات باسمك، لكن كان فيه شرط لازم تفضلي بكامل أهليتك لحد سن معين.
سكت.
وبعدين فهمت.
يعني لو أنا فقدت الذاكرة؟
أحمد يقدر يتحكم في كل حاجة بتوكيل.
نظرت للورقة.
والحادثة؟
أبويا بصلي.
مش حادثة.
سكت.
أحمد عرف إنك ناوية تراجعي حسابات الشركة، وعرف إنك اكتشفتي إن فيه فلوس ناقصة.
حسيت .
هو حاول
؟
أبويا قال
حاول يعمل حادث يخوفك ويخليكي تفقدي الذاكرة مؤقتًا.
لكنه تسبب في فقدان نظري.
أيوه.
دموعي نزلت.
سبع سنين.
سبع سنين وأنا فاكرة إن الدنيا ظلمتني.
لكن الحقيقة إن أقرب شخص ليا هو اللي سرق مني الدنيا.
في اليوم التالي، رحنا للدكتور محمود.
أول ما شافني، عيط.
قال
أنا آسف يا سلمى.
ليه سكت؟
خوفت.
من مين؟
بص لأبويا.
من أحمد.
وبعدين طلع ورقة قديمة.
دي نتيجة تحليل الحمض النووي اللي اتعمل يوم الولادة.
بصيت للورقة.
النتيجة كانت واضحة.
يوسف ابني.
وآدم مش ابني.
لكن كان فيه مفاجأة تانية.
الدكتور قال
في حاجة لازم تعرفيها.
إيه؟
يوم الحادث، أحمد ما كانش لوحده.
مين كان معاه؟
الدكتور سكت.
وبعدين قال
داليا.
حسيت إن آخر قطعة في الصورة اكتملت.
رجعت البيت ومعايا أبويا والمحامي.
لكن البيت كان فاضي.
أحمد وداليا هربوا.
أما آدم
فكان موجود.
قاعد في  لوحده.
أول ما شافني، وقف.
بصلي.
وقال
إنتِ هتعملي في بابا حاجة؟
قعدت قدامه.
لأ.
سكت.
أنا مش هأذي بابا.
بصلي بحذر.
قلت
بس عندي سؤال.
إيه؟
إنت تعرف يوسف؟
وشه اتغير.
سكت.
وبعدين قال
أيوه.
قلبي وقف.
تعرفه منين؟
قال بصوت واطي
هو أخويا.
دموعي نزلت.
يوسف فين؟
آدم بص للأرض.
بابا كان بياخدني معاه أوقات.
فين؟
دار الأطفال.
حطيت إيدي على قلبي.
وإنت
كنت بتشوف يوسف؟
هز راسه.
كان دايمًا بيسألني عن ماما.
اتكسرت.
وإنت كنت بتقوله إيه؟
قال
بابا قالي أقوله إن ماما.
غمضت عيني.
طفل عنده ست سنين كان شايل سر أكبر من سنه.
حضنته.
في البداية اتخشب.
وبعدين انهار في حضني.
وبكى.
أنا مش عايز بابا يزعل مني.
قلت له
إنت ما عملتش حاجة غلط.
وبعدها بأيام
وصلنا لدار الأطفال.
كنت ماشية في الممر وأنا مش قادرة أتنفس.
الباب اتفتح.
وظهر ولد صغير.
واقف لوحده.
ولما شافني
ثبت مكانه.
أنا كمان ثبت.
عيني وقعت على السلسلة اللي في رقبته.
نفس السلسلة.
نفس اللي كنت حطاها له يوم ولادته.
قربت منه.
نزلت على ركبتي.
وقلت
يوسف؟
الولد بصلي.
وسأل
إنتِ مين؟
حطيت إيدي على خده.
أنا ماما.
سكت.
وبعدين قرب مني خطوة.
بجد؟
انهرت.
حضنته.
وهو فضل ساكت ثواني.
وبعدين همس
كنت مستنيكي.
فضلت أحضنه وأنا بعيط.
بعدها بأيام، الشرطة قبضت على أحمد وداليا بعد ما حاولوا يهربوا بأوراق مزورة.
والتحقيقات كشفت كل حاجة.
التوكيلات.
الحسابات.
تبديل الأطفال.
التلاعب في ملفات المستشفى.
وتدبير .
أما الأموال اللي اتسرقت مني
رجعت.
لكن الغريب إن أكتر حاجة ما كنتش مهتمة بيها كانت الفلوس.
كنت عايزة سبع سنين من عمري.
سبع سنين ضاعت مني.
لكن مستحيل ترجع.
أما آدم
فما سيبتوش.
رغم كل اللي حصل، كان طفل.
طفل اتربى على كذبة هو نفسه ما اختارش يعيشها.
دخلته مدرسة جديدة.
وخليته يشوف يوسف.
ومع الوقت، الاتنين بقوا إخوات بجد.
وفي يوم، بعد شهور من كل اللي حصل، كنت قاعدة في الجنينة.
يوسف على يميني.
وآدم على شمالي.
يوسف كان بيضحك، وآدم بيحاول يعلمه يركب العجلة.
بصيت للسما.
وفكرت في اليوم اللي وقعت فيه من على السلم.
الوقعة اللي كنت فاكرة إنها هتنهي حياتي
هي نفسها اللي رجعتلي عيني.
ورجعتلي أبويا.
ورجعتلي ابني.
وكشفت لي الناس اللي كانوا عايشين جنبي مني حياتي يوم ورا يوم.
وقتها يوسف مسك إيدي وقال
ماما؟
بصيت له.
نعم يا حبيبي؟
ابتسم.
إنتِ مش هتسيبيني تاني؟
شدّيت إيده.
وقلت
عمري ما هسيبك.
بصيت لآدم.
ولأول مرة حسيت إن البيت اللي اتبنى على الكذب
بدأ يتحول لبيت حقيقي.
أما أحمد وداليا، فبقوا مجرد فصل قديم من حياتي.
فصل مؤلم
لكن خلاني أعرف إن أحيانًا الحقيقة بتتأخر جدًا.
بس لما تظهر
بتكشف كل حاجة.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
إيه اللي أنقذك بعد سبع سنين من الضلمة؟
بقول له
وقعة من على السلم.
لأنهم كانوا فاكرين إنهم لما وقعوني
هيخلصوا مني.
لكنهم ما كانوش عارفين إن الوقعة دي كانت أول خطوة في رجوعي للحياة.
وأهم حاجة فهمتها بعدها
مش كل اللي بيحاول يحميك بيحبك
ومش كل طفل دخل حياتك باختيارك يبقى غريب عن قلبك.
يوسف كان ابني بالدم
لكن آدم بقى ابني بالاختيار.
والاتنين
بقوا عيلتي.
أما الحقيقة؟
فالحقيقة كانت أقوى من كل الأكاذيب اللي اتبنت في سبع سنين.
وأخيرًا
أنا رجعت أشوف.
مش بس بعيني.
رجعت أشوف الناس على حقيقتها.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى