
زوجي اتجوز البنت اللي بيحبها، وعشان يرضيها طلقني وجابلي شقة إيجار ليا ولبنته، وجه بعد شهرين عايز يردني في السر. الكلمة نزلت على ودني زي مية باردة في عز كتمة الوجع، بصيت في عينيه وهو واقف على باب الشقة المأجرة بنصاص الليالي، ملقتش فيهم غير أنانية طافحة بتدور على راحتها وبس.
نسي إني شيلت معاه البيت وبنيته معاه طوبه طوبه، ونسي إني كنت بستخسر في نفسي اللقمة عشان يجيب اللي نفسه فيه، لحد ما دخلت حياته “حب العمر” زي ما كان بيسميها، واشترطت عليه عشان ترضى تتجوزه: «يا أنا يا هي وعيالها في حياتك، مفيش ضرة تشاركني فيك». ساعتها ماترردش ثانية، هان عليه عشري وعمري، رماني بورقة طلاقي، ولم هدومي أنا وبنته في كراتين كأننا كراكيب قديمة، ونقلنا لشقة ضيقة ع البلاط في حتة مقطوعة، وسابنا من غير ما يسأل البنت هتاكل منين ولا هتنام إزاي، عشان يفضالهم البيت اللي فرشته بعرقي.
شهرين كاملين وبنته بتصحى كل ليلة تصرخ وتسأل: «بابا فين؟ هو مبقاش يجي ليه؟»، وأنا أبلع غصتي وأكتم دموعي، وأشوف في نفس الوقت صورهم وفيديوهاتهم نازلة على السوشيال ميديا، خروجات ومطاعم وسهر وضحك كأنه اتولد من جديد، كأنه مسح عشر سنين بجرة قلم عشان يثبتلها إنه مبيشوفش غيرها، ومستعد يمسحنا من الوجود لإرضاء غرورها.
وبعد شهرين بالظبط، الباب خبط خبط واطي وخايف. فتحت لقيته هو، هدومه مش مهندمة زي ما اتعودت عليه، وشه شاحب ومليان ندم زائف. دخل وقعد على الكنبة المتهالكة كأنه بيمنّ عليا بوجوده، وبدأ يشتكي: «لقيتها مبتحملش مسؤولية، لا بتطبخ ولا بتغسل، وطلباتها مبتخلصش، وأنا عمري ما ارتحت غير في خدمتك وحنيتك.. أنا هرجعك، بس بشرط.. هنرد في السر من غير ما هي تعرف، هجيلك هنا يومين في الأسبوع آكل لقمة نظيفة وأرتاح، والباقي عندها عشان متخربش الدنيا».
بصيتله وأنا مش قادرة أصدق البجاحة؛ الراجل اللي طلقني في العلن ورخص بيا وببنته عشان خاطرها، جاي النهاردة يستكتر عليا حتى اسمي اللي ارتبط بيه قدام الناس! جاي يرجعني خدامة في الضلمة، سترة لنزواته وراحته، ويخليني أقبل بوضع غير منصف بعد ما كنت سيدة بيته المكرمة، وقبل ما أقول أي كلمة فيها اعتراض لقيته بيهددني بنتي إنه هياخد حضانتها لو اعترضت.
التهديد نزل على صدري زي خنجر مسموم، حسيت بدمي بيغلي وبرود العالم كله بيجري في عروقي في نفس اللحظة. “جمال”، الراجل اللي كنت بأمنه على روحي واقف يبتزني بحتة من لحمه، بيبتسم ابتسامة خبيثة وعينيه فيها لؤلؤة استغلال ما شفتوش فيه من يوم ما عرفته: «القانون معايا يا ستي، ومعايا إمكانيات تخلي الأمور تمشي لصالحي.. فكري كويس يا حبيبتي قبل ما ترفضي، جمال مبيلعبش».
ساعتها بالذات، انكسر جواه آخر عِرق كان باقيلوا من رحمة أو عشرة. الضعف والخوف اللي شلوا جسمي أول دقيقة اتبخروا فجأة، وحل مكانهم جمود حجر صلد. بصيت لجمال من فوق لتحت ببرود غريب لجمه وخلاه يسكت، ريحة الأنانية اللي طالعة منه خلتني أعافه، ولساني اللي كان مربوط بالحزن نطق بنبرة هادية بس كانت قوية.
قلتله وأنا بشاور على الباب وصوتي واطي وثابت: «بنتي اللي بتهددني بيها دي مش وسيلة تضغط بيها عليّا يا جمال، والراجل اللي هان عليه يرمي لحمه في الشارع ميعرفش يعني إيه حضانة ولا أبوه. الشقة المقطوعة اللي رمتنا فيها دي أنضف ميت مرة من إنك تدخلها برغباتك، وكرامتي اللي فكرت تدوس عليها عشان ترضي نزوتك هتدفع تمنها غالي أوي». خطوت خطوة نحيته وعيني ما رفّتش: «المحاكم مفتوحة يا سي جمال، وأنا معنديش حاجة أخسرها خلاص، بس أنت عندك كتير هتخسره لما الست هانم بتاعتك تسمع التسجيل اللي سجلتهولك بالموبايل وأنت بتترجاني أرجعلك في السر وأغسل قرفك عشان مش لاقي راحة عندها».
وش جمال بهت كأنه أدرك حجم الغلط، عينيه زاغت وضاع البريق المغرور اللي كان طالع بيه من دقايق. اتلجلج ولسانه تقل وهو بيحاول يقرب: «أنتي اتجننتي؟ ده أنا بعمل كدة عشان مصلحتكم!»، فتحت الباب على آخره وقلت بصوت حازم قطّع هدوء الليل: «اطلع برة يا جمال.. ولو شوفت خيالك هنا تاني، مش بس مراتك اللي هتفرف تصرفاتك، ده أهلك والشارع والجهات المختصة هيبقوا أول العارفين، والمرة الجاية الحساب هيكون على كل دمعة بنتك نزلتها». خرج يجرجر خيبته ورجليه بتخبط في بعض، وقفلت الباب وراه برزعة طردت معاها كل حزن قديم، وضمت بنتي في حضني وأنا عارفة إني من الليلة دي، خلاص دفنت جمال وعشرته، ومش هكون مستباحة لأي تلاعب.
كنت فاكرة إن كلام جمال مجرد تهديدات وخلاص، لكن الغدر لما بيتم مبيسيبش مجال للأمان. تاني يوم العصر، وأنا في مشوار بجيب علاج وسايبة بنتي بتلعب قدام الباب تحت عين جارتي، لمحته عربية وقفت فجأة، نزل منها بسرعة، أخد البنت من إيد جارتي وطار بيها وهو بيقول: «بنتي وأنا حر فيها!».
جارتي كلمتني وصوتها بيترعش، التليفون وقع من إيدي والأرض لفت بيا، حسيت بنار قادت في صدري، عيني غامت، بس المرة دي مدمعتش ولا قعدت ألطم على وشي زي زمان. الغضب عمّاني وحوّلني لشخصية حاسمة مش هتسكت. طلعت على بيتي، جمعت حريم العمارة وصاحباتي اللي عاشروا وجعي وشافوا اللي حصل. ستات جادين وواقفين في ضهري، عيونهم بتقول إن الحق هيتجاب، وقلت بكلمة واحدة: «بنتي في بيت ضرتي.. ومش هرجع غير وبنتي في حضني، وحقي تحت رجلي».
أجرنا عربيتين وروحنا على العمارة اللي فيها شقته التمليك اللي كنا قاعدين فيها، طلعنا السلالم، رنيت الجرس وخبطت خبط متواصل، لحد ما فتحت “الست هانم”.. لابسة روب ستان وشعرها متسرح وريحة البرفان سابقة وجودها، أول ما شافتني اتخضت وبرقت: «أنتي إيه اللي جابك هنا بالشكل ده وأنتي مين؟!».


