
ملحقتش تكمل الكلمة، دخلت بخطوات ثابتة وصاحباتي ورايا قفلوا الباب من جوة. لقيت بنتي منكمشة في ركن الصالة بتعيط بهستيريا، جريت عليها خطفتها في حضني وعصّبت عيني من الغل. بصيت للعروسة الجديدة وهي بتصرخ وعايزة تطلب البوليس، بنتين من صاحباتي مسكوها من دراعاتها وثبتوها مكانها، وأنا وقفت قدامها وعيني بتاكلها: «إحنا أصحاب البيت الحقيقيين اللي اتبنى بتعبنا!».
فتحت دولابها بنفسي، سحبت هدومها وشنطها ورميتها من الباب على بسطة السلم قدام الجيران اللي اتجمعوا على الصوت، وقلت بصوت رجّ العمارة كلها: «البيت ده مفروش من دم قلبي، والشقة دي مش هتستقر فيها واحدة سرقت تعب غيرها.. اطلعي برة بدل ما نصعد الأمور قانونياً بشكل حاسم!». العروسة حست بصت في عيني وعرفت إن الموضوع جد، نزلت تجري وهي بتصرخ وبتتوعد بجمال، والجيران على السلالم بيدعولي لما عرفوا إنها أخذت الطفلة.
جمال جه يجري بعد نص ساعة، دخل الشقة مفزوع وفاكر إنه هيلحق يهدد، اتفاجئ بيا قاعدة حاطة رجل على رجل، وبنتي بتشرب عصير في حضني، وحواليا صاحباتي والجيران قافلين الصالة. أول ما شفته قلت بحدة قبل ما ينطق: «أنت اتخطيت حدودك تماماً! أخذت بنتي وفاكر الموضوع هيعدي؟! أنا مش بس دخلت بيتك وطردت زوجتك الجديدة، أنا المحامي بتاعي في النيابة دلوقتي بيكتب محضر رسمي بواقعة أخذ الصبيّة بالقوة ومحضر شروع في اعتداء، ومش هخرج من هنا غير بقرار تمكين رسمي للشقة دي كحاضنة.. القانون اللي اتفشخرت بيه هو اللي هيطبق عليك، والبيت ده مش هيخرج منه غيرك أنت وهي!».
جمال وقف وشه مسود، باصص للبيت المقلوب وشنط مراته اللي في الشارع، وباصص لعيني اللي خلاص مسحت منه أي هيبة كانت ليه في يوم من الأيام. عرف في اللحظة دي إن الموقف انحسم تماماً، وإن كل خطوة غدر حسبها، كانت هي السبب في تدمير موقفه.
جمال بلع ريقه بصعوبة، بص حواليه لقا نظرات الجيران اللي كانوا متجمعين على الباب بعد ما سمعوا اللي حصل، وشافوا بعينهم هدوم زوجته المرمية في الطرقة. حاول يستجمع شوية من هيبته، زعق بصوت مقطوع بيترعش: «اخرجي برة بيتي يا ست أنت.. أنا هطلب الشرطة تطردكم كلكم!».
ضحكت ضحكة رنت في الصالة، ضحكة وجع ممزوجة بانتصار، وطلعت تليفوني بهدوء وحطيته قدام وشه: «اطلب.. اطلب الشرطة عشان المحضر يكمل! تحب أقولهم إيه في البلاغ؟ إنك أخذت بنتك من حضانتي بالقوة، ولا أسمّع أمين الشرطة التسجيل اللي بتقولي فيه إنك عايز تردني في السر عشان تلاقي الخدمة اللي محتاجها عشان مراتك الجديدة مابتتحملش المسؤولية؟! اطلب.. خلينا نتفرج مين اللي موقفها قانونياً أقوى».
ساعتها بالذات رن تليفونه، وبصوته العالي اللي كان طالع من السماعة سمعنا كلنا صوت زوجته وهي بتصوت وتولول: «طلقني يا جمال! لو مخلصتش من الموضوع ده وجبتلي حقي وكرامتي اللي اتهانت في الشارع اعتبر نفسك انتهيت! أنا عند أهلي وهوريك قيمتك!». الخط قفل في وشه، وجمال حس إن كل الحبال اللي كان بيلعب بيها بتتقطع في ثانية؛ لا طال زوجته الجديدة، ولا عارف يقف قدام موقفي القانوني الصارم.
قربت منه خطوة، وبنتي ماسكة في إيدي مش خايفة خلاص، عينيها شافت أمها وهي بتاخد حقها، بصيتله في عينيه وقلت بنبرة هادية بس قوية: «النهاردة الشقة دي بيتي أنا وبنتي، والمحامي بتاعي معاه أوراق التحريات كاملة إن دي شقة الزوجية، وبكرة الصبح قوة من القسم هتنفذ قرار التمكين، ورجلك مش هتخطّي العتبة دي إلا بنفقة بنتك اللي هتطلع بانتظام».
شاورت لصاحباتي، وقفلنا الباب بالترباس في وشه، وسبناه واقف على السلم مشتت، بين هدوم زوجته المرمية على الأرض وبين خيبته. أول ما الباب اتقفل، بصيت للبنت، حضنتها بكل ما فيا وبكيت، بس المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع ست استردت نفسها، وعرفت إن الحق بيجي بالإصرار والقانون، وإن اللي استرخصنا مرة، هندفعه تمن غلطته.
الليل عدّى عليا في الشقة دي كأنه دهر، بس لأول مرة من شهور أحس بضهر مسنود، ضهر كرامتي اللي وقفت على حيلها. بنتي نامت في حضني على السرير الكبير وهي شبعانة أمان بعد ليلة رعب.
مع خيوط الفجر الأولى، نزلت وصاحباتي مستنيين تحت، روحنا على مكتب المحامي ومنه على النيابة ومحكمة الأسرة. الملفات كانت مفتوحة، والمحضر اللي اتعمل لجمال مع شهادة الجيران في الشارع كان هو السلاح القاطع. المحامي قدم طلب عاجل لتمكين الحاضنة من مسكن الزوجية الفعلي، وأثبتنا بالشهود والتحريات إنه أخد البنت ونقلها لشقة غير مناسبة.
القرار مخدش أيام؛ صفعة التمكين نزلت على دماغ جمال أسرع مما يتخيل. بعدها بيومين بالظبط، كنت واقفة قدام مدخل العمارة ومعايا أمين شرطة ومعاون التنفيذ، وجمال واقف على الرصيف قصادنا مكسور، عينيه حمرا من قلة النوم والبهدلة. أهل زوجته طلعوا مبيشيلوش حد واقع؛ أول ما سمعوا بالفضيحة وقضايا المحاكم، قلبوا عليه وطردوه من بيتهم لما راح يصالحها.
وقف جمال قدامي ولسانه عاجز عن أي تهديد، قرب مني بصوت مكسور، عيونه مفيهاش ذرة من التعالي اللي كان داخل بيا عليها في شقة الإيجار:
«كده يا أم بنتي؟ هتهوني عليا تطرديني في الشارع عشان شقة؟ ده أنا جمال حبيبك وعشرة عمرك.. طب أردك ونعيش كلنا هنا وننسى اللي حصل، ونربي البنت سوا!».
بصيتله بابتسامة استهزاء هادية، ابتسامة خلت كل اللي واقفين يفهموا الموقف:
«حبيبي؟! جمال اللي كان هنا مات يوم ما رماني بكراتين هدومي عشان يفرش لغيري، مات يوم ما جه في نص الليل يعرض عليّا العيشة في الخفاء، مات يوم ما أخد بنته عشان يكسر بيها ضهر أمها».
معاون التنفيذ فتح الباب رسمي وسلمني المفتاح في إيدي قدام الجيران والشارع كله، وأنا باصة لجمال في عينيه ومكملة:
«الشقة دي بقت بيت بنتك بقوة القانون، وأنت هدومك في الشنطتين اللي على الباب دول، تاخدهم وتدورلك على مكان تلمك، والنفقة هتنزل بانتظام، وأي تلاعب تاني، الإجراءات القانونية هتكون هي الفيصل».
أخد شنطه ومشى يجر رجليه في الشارع وراسه في الأرض، مكسور ومنبوذ. قفلت الباب على نفسي وعلى بنتي، سندت ضهري على الخشب، وابتابت ابتسامة واحدة عرفت إنها بدأت حكاية جديدة، حكاية ست عرفت تاخد حقها بالقانون والكرامة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




