
كلامه كان مترتب وجاهز، كأنه حافظه من سنين، بس هو ميعرفش إني شفت اللي جوة، ميعرفش إني شفت الدهب المكسور والفلوس وتواريخ الدفتر اللي مكتوب فيها أسماء ناس ميتين وناس عايشين.
قلت له ببرود:
— كراتين جهازي عليها اسم معرض التوحيد في شبرا، وعليها اسم أمي ورقم تليفونها بالماركر، والكالون بتاع أوضة نومي اتغير، ومفيش ورقة واحدة طالعة من شقتي غير لما طارق يجي ويكون معايا، ويا مرحب بالحكومة والمحاكم، خلوا المباحث تيجي تفتح الكراتين قدام الناس كلها ونشوف الإخفاء ده بتاع مين وباسم مين!
وش معتز اتقلب في ثانية. البرود والهدوء اللي كان عليه اتبخر، وظهرت الشراسة الحقيقية ورا وشه المنمق. قرب وشه من فتحة الباب وهمس:
— بلاش نكبر الموضوع يا نورهان.. طارق شاب في أول حياته ومش حمل قضايا، ووالدتك ست مريضة سكر وضغط ومش حمل فضايح في منطقتها. الحاجة دي هتخرج من هنا بالهدوء، وحماتك هتديكي حق جهاظك وزيادة عليه مية ألف جنيه تفرشي بيهم شقة جديدة في أي حتة تانية غير هنا، لكن لو راسك نشفت.. إنتي اللي هتكوني كبش الفدا، والكراتين دي هتبقى حبل المشنقة اللي حوالين رقبة جوزك.
حماتي مسكت في ذراعه وقالتله:
— اهدى يا معتز، البت متفهمش، متدخلش طارق في الليلة، طارق ملوش ذنب!
هنا بقى الخيط اتفك تماماً في دماغي. حماتي مش قوية زي ما كانت بتمثل، حماتي كانت مجرد أداة، ومربوطة من إيدها اللي بتوجعها. ومعتز ده مش مجرد محامي تركة، ده الراجل اللي بيدير اللعبة دي كلها، وطارق.. طارق فعلاً ملوش ذنب، أو على الأقل مش هو المحرك الأساسي، بس هما مستعدين يضحوا بيه لو الحبل ضاق عليهم.
قفلت الباب في وشه ورزعت الترباس، ومردتش على صوت خبطه.
— افتحي يا نورهان بدل ما نتصرف تصرف تاني مش هيعجبك!
صوت معتز كان عالي المرة دي، فيه توتر مكتوم، بيخبط برجله على الباب.
جريت على الأوضة، طلعت تليفوني بسرعة، وكتبت رسالة لأمي بكلمات مشفرة إحنا متفقين عليها عشان متتخضش:
“ماما، خالي يجيلي حالا ومعاه عمي حسين ضروري، فيه ناس عند الشقة بيتبلوا علينا في موضوع الجهاز، بسرعة.”
وبعدها، طلبت رقم طارق.
التليفون رن.. رنة.. اتنين.. تلاتة. كنت بدعي ربنا يرد قبل ما اللي برة دول يكسروا الباب، أو حماتي تفتح بالمفتاح الاحتياطي اللي كانت عاملاه للباب الخارجي زمان قبل ما أغير الكوالين.
طارق رد، وصوته كان باين فيه دوشة الشغل ومطحون بين الورق والعمل:
— ألو، إيه يا نورهان؟ في حاجة ولا إيه؟ أنا في اجتماع مع المدير ومش فاضي.
— طارق، اسمعني كويس وبلاش مقاطعة.
صوتي كان بيترعش بس حازم لدرجة خلته يسكت فوراً.
— حماتك واقفة على باب شقتنا، ومعاها واحد اسمه معتز بيقول إنه محامي أبوك، بيهددوني عشان الكراتين اللي كانت تحت السرير وكنت حاطة فيها جهازي.
طارق سكت خالص لدرجة إني افتكرت الخط قطع.
— ألو؟ طارق إنت سامعني؟
جاني صوته بس نبرته كانت متغيرة تماماً، نبرة واحد فجأة الدنيا وقعت فوق دماغه:
— نورهان.. هو معتز عندك في البيت؟ فوق عند الشقة؟
— أيوه برة على الباب وبيخبط وعايز الكراتين وبيقولي إنه هيلبسها فيك وفي أمي، فهمني يا طارق، في إيه جوة الكراتين دي غير الدهب والفلوس اللي شفتها؟! إنت عارف بالمصيبة دي؟!
طارق اتنهد تنهيدة كأن روحه بتطلع منها، وقال بصوت مهزوز ومرعوب:
— إنتي فتحتيها يا نورهان؟ شوفتي اللي جوة؟ يا نهار أسود.. يا نهار أسود! اسمعيني، إياكي تفتحي الباب، متفتحيش لأي مخلوق لحد ما أنا أوصل، ومعتز ده متمكنيهوش من ولا فتلة، الكراتين دي لو خرجت من الشقة.. أنا وأمي هنروح ورا الشمس بجد!
— يعني إنت كنت عارف؟ سألته بمرارة ووجع حسيت بيه في عضم صدري.
— والله العظيم ما كنت أعرف إنها عندك في الشقة! أنا كنت فاكر أبويا صفا الموضوع ده ومات وخد سره معاه، لكن أمي هببت إيه وودتهم عندك إزاي أنا معرفش! أنا جاي في الطريق حالاً، ربع ساعة وأكون عندك، أوعي تفتحي يا نورهان، معتز مش محامي.. معتز ده كان شريك أبويا في مصايب الجمارك والدهب المهرب!
الخط قفل في وشي.
الجمارك والدهب المهرب. حمايا اللي كان الكل بيحلف بأدبه وتقواه، كان شغال في التهريب؟ والفلوس والدهب دي بقايا بضاعة قديمة معتز جاي يطالب بنصيبه فيها، وحماتي شايلاها وبترميها في جهازي عشان لما تتقفش تقول دي مرات ابني وأهلها هما اللي جايبينها؟!

