
— وبرضه افتكرتِ إنك تقدر تحركيني وتختاري لي أطلع مع مين وأحب مين وأعمل إيه!
— أنا عملت كل ده عشان نيرة!!
الأوضة سكتت خالص.
طلعت نسخة من التقرير وحطيتها على الترابيزة.
— لأ.
فانيسا بصت للورق.
— ما تنطقيش اسم أختك تاني على لسانك!
— أنتِ اللي عملتِ الأكاونت المزيف.
— أنتِ ما تعرفيش حاجة!
— عنوان الـ IP كان من بيتكم!
— ده ما يثبتش…
— ومعانا الإيميل اللي بعتيه لصاحبتك عشان تفبرك لقطات الشاشة!
وشها اتقطع منه الدم.
— وصاحبتك كتبت شهادة رسمية ضدك.
فانيسا بصت لأبوها… أبوها تفادى عينيه وما بصّلهاش.
وفي اللحظة دي هي فهمت…
عيلتها مش هتقدر تنقذها المرة دي!
— نيرة كانت هتسبني وتمشي…
الكلمة طلعت واطية أوي كاد لا تُسمع.
محاميها مال عليها:
— فانيسا، ما تقوليش حاجة تانية!
هي كملت كلامها:
— كانت دخلت طب وكانت هتعمل أصحاب جديد ومش فاضية لي… ما كانتش بتقعد في البيت…
في اللحظة دي، ما كانتش باينة البنت الغنية المغرورة… كانت باينة بنت مريضة وخايفة.
— أنا بس كنت عايزة أحس إنها محتاجالي…
بصيت لها ببرود:
— فقمتِ اخترعتِ لها عدو وهمي!
عينيها اتعلقت فيا:
— ما كنتش فاكرة إن الموضوع هيوسع مني كده…
حسيت بضحكة مرارة طالعة من زوري.
— دايماً بتقولوا كده في الآخر…
— أنا كان عندي ستعشر سنة!
— وأنا كمان كان عندي ستعشر سنة!
سكوت تام…
دي كانت الحاجة الوحيدة اللي محتاجة أقولها.
فانيسا نزلت رأسها للأرض.
الاعتذار العلني نزل بعد أسبوعين في الجريدة.
ما كانش اعتراف مثالي، المحامين ما بيسمحوش بالحاجات دي…
بس كان كفاية.
فانيسا زكي أعلنت إن كل الكلام اللي اتقال عني زمان كان كذب وغير صحيح.
وعيلتها سحبت كل البلاغات والورق.
مؤسسات تانية فتحت التحقيق من جديد، وضحايا تانيين بدأوا ياخدوا حقهم.
وأمير…
أمير اختفى من حياتي.
على الأقل لفترة.
لا مكالمات… ولا رسائل… ولا زيات مفاجئة.
بعد شهرين، جالي طرد.
جواه كانت إزازة الشامبو إياها… اللي بدأت كل حاجة!
وكان فيه ورقة:
“الشامبو ده مش للملايين بس… ده تركيبة خاصة بتعملها عمتي في معمل صغير بتاعها وما بتتباعش في السوق.”
وتحتها مكتوب:
“قلت على الأقل تستاهلي تعرفي سر الشامبو.”
ضحكت… أول ضحكة من قلبي من أسابيع.
وكان فيه ورقة تانية:
“مش هطلب منك ترجعيلي.
طول عمر فاكر إن حُبي ليكي معناه إنني أحل مشاكلك قبل ما تطالك، ودلوقتي فهمت إنني كنت بسحب منك حقك في الاختيار.
الرهان كان قذارة… والكذب كان جبن… ورزعي للطبق في الحيطة حاجة ما تتوصفش، حتى لو ما كانش قصدي أأذيكي.
أنا بتابع دلوقتي مع أخصائي نفسي عشان أتعلم إزاي أتحكم في غضبي ورغبتي في السيطرة. مش بقولك كده عشان تصقفيل، بقولك كده عشان ده كان المفروض يحصل من زمان.
أنتِ مش مطالبة تسامحيني…
ولا مطالبة تصلحيني…
وما عليكي يني أي دين بسبب السنين اللي عشناها سوا.”
وفي الآخر مكتوب:
“ولأول مرة من ساعة ما عرفتك… هسيبك أنتِ اللي تقرري إيه اللي يحصل بعد كده.”
طويت الورقة… ما عيطتش، وده فاجأني.
فاتت ست شهور.
نقلت لشقة صغيرة بس يدخلها الشمس.
اشتريت أنتريه غالي شوية… أمي قالت لي دي قلة عقل، وصفا قالت لي أنتِ أخيراً بتتعلمي تعيشي!
اترقيت في شغلي.
ورحت لطبيب نفسي.
ورجعت اتكلمت مع رحاب والبنات التانيين اللي اتأذوا من فانيسا.
وفي يوم ثلاثاء في مارس… شفت أمير تاني.
كان واقف في طابور كافيه.
كان لابس تيشيرت بسيط بس المرة دي كنت عارفة إنه ماركة وغالي.
ابتسمت لما افتكرت.
هو شافني… ما قربش.
بس هز رأسه بابتسامة خفيفة.
كان ممكن أمشي… طول الشهور اللي فاتت كنت بسأل نفسي هعمل إيه لو شفته.
بس المرة دي، مشيت ناحيته.
— إزيك؟
أمير اتفاجأ.
— الحمد لله… إزيك أنتِ؟
— أحسن.
استنيت، فهو كمل:
— مش ممتاز… بس أحسن.
احترمت رده.
— وأنتِ؟
— كويسة.
كان فيه لحظة سكوت بايخة.
— قرأت جوابك — قلت له.
— ما كنتش مستني رد.
— عارفة.
أمير كان ماسك كباية القهوة بإيديه الاتنين:
— ندى، أنا مش هطلب منك أي حاجة.
— عارفة برضه.
بصيت له… دي كانت تقريباً أول كلام يدور بيننا من غير كذبة مستخبية تحت الترابيزة.
— أنا حبيتك أوي يا أمير.
عينيه نزلت للأرض:
— وأنا لسة…
— لأ.
هو سكت.
— ما تقولش كده.
هز رأسه:
— حاضر.
— مش عشان مش عايزة أسمعها…
أخدت نفس عميق:
— بس عشان أنا قعدت وقت طويل فاكرة إن الحب معناه الواجب إنني أفضّل موجودة وأستحمل.
أمير فضل ساكت.
— كنت فاكرة إن الخمس سنين دول معناه إنني لازم أنقذ اللي بيننا.
— مش لازم تعملي كده.
— بقيت عارفة ده دلوقتي.
الحزن في ابتسامته كان حقيقي:
— أظن إنني جيت متأخر خمس سنين عشان أتعلم الحاجات دي…
— يمكن.
بصيت للشارع… الناس ماشية، والعربيات معدية، وكل حاجة ماشية بعادي مرعب.
— عارف إيه أثر فيا أكتر حاجة؟
— الرهان؟
هزيت رأسي بنفي:
— كنت فاكرة كده في الأول… بس لأ.
أمير استنى.
— الأسوأ كان إنني اكتشفت إنك بعد خمس سنين، لسة فاكر إنك تقدر تقرر إيه الحقائق اللي أنا أقدر أستحملها وإيه اللي لأ!
ما نطقش.
— كنت بتحبني… يمكن.
— أيوة.
— بس كنت بتعاملني كأنني ملكك وبيديرني على مزاجه.
صوابعه اتشدت على كباية القهوة:
— أنا آسف.
المرة دي ما كانش فيه مبررات ولا أعذار…
بس: أنا آسف.
هزيت رأسي:
— شكراً.
الكلمة لغبطته:
— ده معناه…؟
— معناه إنني قبلت اعتذارك.
أمل ظهر في عينيه بسرعة… كان لازم أنهي الجملة:
— بس مش معناه إننا هنرجع.
الأمل اختفى.
كان يوجع إنني أشوفه كده… بس ما بقاش من واجبي أحميه من الوجع.
أمير أخد نفس:
— فاهم.
— أتمنى تكون فاهم بجد.
— هحاول.
ابتسمت:
— ده كلام واقعي أكل.
هو كمان ابتسم.
فضلنا واقفين كام ثانية… وبعدين أمير سأل:
— ينفع أسألك سؤال؟
— حسب.
— لسة بتستخدمي الشامبو ده؟
بصيت له بصدمة… وبعدين قعدت أضحك!
— أيوة!
— كنت عارف إنه عجبك.
— تقريباً دي الحاجة الوحيدة في حياتك كملياردير اللي هفضل أستخدمها!
أمير ضحك بصوت عالي…
كانت ضحكة غريبة… قريبة من القلب، وفي نفس الوقت مختلفة.
بصيت في الساعة:
— لازم أمشي.
— اتفضلي.
مشيت خطوتين، وبعدين ناداني:
— ندى!
لفيت.
— الليلة دي… لما قلتِ لي إنك لو طلعت غني هتتجوزيني فوراً…
اتنهدت:
— كانت هزرة يا أمير!
— عارف دلوقتي…
— كويس.
ابتسامته كان فيها حزن:
— كنت عايز أقولك إنك كنتِ صح في حاجة واحدة.
— إيه هي؟
— أنتِ كنتِ أنظف بكثير من إنك تدخلي عيلة زي عيلتنا.
بصيت له:
— ما تقولش هبل!
أمير رمش بعينيه:
— دي مش مجاملة!
قربت منه خطوة:
— هي دي المشكلة بالظبط!
— إيه؟
— أنت لسة فاكر إن الفلوس هي اللي بتحدد مين أعلى من مين!
اتسمر مكانه.
ابتسمت:
— أنا عمري ما كنت أنظف وأعلى من عيلتك يا أمير…
سكت ثانية وكملت:
— وعمري ما كنت أقل منهم في حاجة!
ولفيت ومشيت.
المرة دي ما كنتش مستنياه يجي ورايا… وهو ما جاش.
بعد سنة، أمي لقت الصورة القديمة بتاعت التخرج اللي فانيسا استخدمتها عشان تهددني.
كانت عايزة ترميها، بس أنا ما خليتهاش.
حطيتها في برواز جديد.
مش عشان فانيسا… عشان البنت اللي في الصورة.
كان عندها تمانطاشر سنة… كانت بتضحك من قلبها.
ما كانتش تعرف ليه الناس بيكرهوها، ولا إن فيه حد اخترع قصة عشان يطلعها جانية.
ما كانتش تعرف إن بعد سنين، فيه راجل هيقرب منها بكذبة تانية.
وبرضه… نجت من الحكايتين!
طول الوقت كنت فاكرة إن القصة دي عن بنت اكتشفت إن خطيبها الفقير طلع وريث ملايين…
وبعدين افتكرت إنها عن رهان قذر…
وبعدين افتكرت إنها عن انتقام فانيسا…
دلوقتي أنا عارفة إن كل ده مش صح.
القصة الحقيقية أَبْسَط من كده بكثير:
دي قصة واحدة قعدت سنين تسأل نفسها: “أنا عملت إيه عشان أستاهل كل ده؟”
لحد ما فهمت في الآخر إن فيه ناس بيؤذوك مش عشان أنت عملت حاجة غلط…
بيؤذوك لمجرد إنهم يقدروا يعملوا كده!
عشان خايفين… أو أنانيين… أو فاكرين إن فلوسهم ونفوذهم وحبهم يديهم الحق يقرروا بدالك.
وفهم ده غير حاجة جويا…
بطلت أدور أنا غلطت في إيه.
بطلت أسأل نفسي كان المفروض أعمل إيه عشان فانيسا ما تختارنيش.
بطلت أسأل أنهي نسخة مني كانت هتخلي أمير يقول الحقيقة من بدري.
ما كانش فيه نسخة كده… قراراتهم كانت ملكهم هم، ونتائجها برضه ملكهم.
بعد شهور، كريم قال لي إن فانيسا سافرت برة البلد بعد ما القضايا المدنية زادت عليها.
ما سألتوش راحت فين.
وأمير ساب منصبه في شركة عيلته لفترة… ما سألتش قد إيه.
ما كنتش محتاجة أعرف.
حياتي ما بقيتش واقفة على اللي هم هيعملوه بعد كده…
عشان حياتي بطلت تدور حوالين الناس اللي حاولوا يكتبوا لي سيناريو عيشتي بدالي.
الليلة دي دخلت الشقة، أخدت دش وفتحت إزازة جديدة من الشامبو إياه.
وأنا بدلك شعري، ابتسمت…
حاجة تضحك إن كل ده يبدأ بحاجة صغيرة أوي كده:
إزازة شامبو بالغلظ…
كلمة اتقالت بهزار…
ومكالمة ما كانش المفروض أسمعها!
بس يمكن الحقائق الكبيرة دايماً بتدخل من خرم صغير كده.
لما خلصت وتنشف شعري، بصيت في المراية…
شعري كان بيلمع، وسايح، ومظبوط… زي أول يوم.
بس المرة دي ما فكرتش إن ده شعر واحدة مولودة في عيلة غنية…
فكرت إنه شعري أنا… وده عجبني أكتر بكثير.
عشان أخيراً اتعلمت حاجة لا فانيسا ولا أمير ولا كل ملايينهم يقدروا يشتروها لي:
حرية إنني ما أقبلش تاني أعيش حياة مبنية على كذبة… مهما كانت شكلها من برة حلو وجميل!




