روايات وقصص

استخدمت الشامبو – محمد نور

— أنا خلصت كلامي.

— استني بس!

— العشر دقايق بتوعك خلصوا.

— فيه حاجة تانية لازم تعرفيها!

وقفت مكاني.

كريم طلع ظرف وحطه على الترابيزة.

— ده وصل لمكتب أمير من تلات أسابيع.

ما لمستش الظرف.

— إيه ده؟

— تقرير من تحريات مكتب خاص.

جالي قشعريرة.

— عن مين؟

كريم بصلي.

— عن فانيسا.

جوة الظرف كان فيه أدلة كفاية تهد حياة كاملة.

الأكاونت اللي اتقال إنني هاجمت منه “نيرة” كان معمول من شبكة إنترنت (IP) طالعة من بيت عيلة زكي بنفسهم!

البوستات اتنشرت في وقت أنا كنت فيه في مسابقة مدروسة في محافظة تانية خالص.

كان فيه وثائق…

إيميلات…

لقطات شاشة…

حتى شهادة مكتوبة من صاحبة فانيسا القديمة.

كل حاجة كانت بتشير لنفس الشخص.

فانيسا هي اللي عملت الأكاونت المزيف.

فانيسا هي اللي استخدمت اسمي.

فانيسا هي اللي أقنعت أختها إنني بضايقها.

وبعد سنين، حكت القصة المحورة دي لأمير عشان تشغّله عندها!

— ليه تعمل كده؟

كريم بص ناحية الشباك.

— عشان نيرة كانت البنت المثالية في العيلة.

ما نطقتش.

— فانيسا عاشت طفولتها كلها بتقارن نفسها بيها. ولما نيرة دخلت كلية طب اللي فانيسا كانت تحلم بيها، الموضوع زاد عن حده.

— وأنا ذنبي إيه؟!

— ولا حاجة.

صوته طلع حزين بشكل غريب.

— هي دي المشكلة… أنتِ كنتِ بنت غلبانة، مالكيش ظهر، ولا عيلة واصلة تقدر تقف في وش عيلة زكي… كنتِ صيد سهل ومريح بالنسبة لها.

افتكرت طرقات المدرسة الثانوي…

الضحك والترقية…

التهديدات…

الرسائل المجهولة…

اليوم اللي حد دلّق فيه بوهية على زيي المدرسي.

فانيسا ما كانتش بتكرهني عشان حاجة أنا عملتها…

هي اختارتني بس عشان أنا أضعف منها!

— أمير يعرف كل ده؟

كريم هز رأسه.

— من تلات أسابيع.

الهواء اتمسح من صدري.

— من تلات أسابيع؟!

— أيوة.

— يعني إمبارح، لما فانيسا كانت بتقول إن الرهان كان عشان تنتقم مني…

— أمير كان عارف إنك بريئة ومظلومة.

غمضت عيني.

ده كان أسوأ من الرهان نفسه بمراحل…

أسوأ بكثير!

عشان ده معناه إن أمير عرف الحقيقة…

وبرضه اختار يسكت وما يقوليش!

لقيته مستنيني قدام العمارة بتاعة صفا.

ما سألتوش عرف مكاني منين…

دلوقتي بقيت عارفة إن بالنسبة لعيلة زي عيلته، يوصلوا لعنوان أي حد بلمسة زرار.

أمير كان ساند على عربية سودة فخمة… بي إم دبليو أحدث موديل.

مش العربية الصاج القديمة اللي كان بيركبها معايا.

طبعاً!

جالي رغبة في الضحك من كتر السخرية.

ساعته كانت مختلفة… هدومه كانت ماركة تقيلة.

من غير دور الراجل الفقير، أمير كان طالع شخص تاني تماماً.

— كريم إداكي الورق؟

ما مثلتش المفاجأة.

— كنت عارف إنه هيعمل كده؟

— توقعت إنه يحاول يريح ضميره.

— وأنت؟

أمير سكت.

— أنت إمتى كنت ناوي تريح ضميرك؟

— يا ندى…

— تلات أسابيع يا أمير!

وشه اتشنج.

— أقدر أشرحلك كل حاجة.

— يا سلام! اتفضل اشرح.

ربعت إيديا وبصيت له.

— لما جالي التقرير، كنت محتاج أتأكد من كام حاجة الأول.

— قعدت تتأكد تلات أسابيع؟

— فيه عيلات ومصالح وشغل وبيننا صفقات!

ضحكت.

— طبعاً… الشغل أهم!

— ما تبصيليش بالبصة دي!

— أي بصة؟

— كأن الموضوع سهل وبسيط!

— بالنسبة لي كان بسيط جداً!

قربت منه خطوة.

— اكتشفت إن البنت اللي حولت فترة ثانوي لجحيم زوّرت وتعدّت عليا وحطت اسمي في قذارة؟

خطوة كمان.

— اكتشفت إنها استغلتني؟

— أيوة…

— واكتشفت إنك أنت كمان اضحك عليك واستُغليت؟

نظرة عينيه قست.

— أيوة!

— وبرضه ما جيتش قلت لي كلمة واحدة!

— كنت عايز أحل الموضوع الأول!

— تحل إيه؟

— كل حاجة!

— من غير ما تعرفني؟

أمير مشى إيده في شعره بتوتر.

— ما كنتش عايزك تعيشي الوجع ده تاني!

بصيت له وعدم تصديق ماليني.

— أنت بجد بتستخدم وجعي القديم عشان تبرر كذبة جديدة؟!

— أنا مش ببرر!

صوته علي:

— أنا كنت عايز أحميكي!

الكلمة فضلت معلقة في الهواء بيننا.

— تحميني؟

قربت منه لحد ما بقيت على بعد سنتيمترات.

— عارف إيه اللي كان هيحميني بجد؟

أمير بلع ريقه.

— إنك ما تقربش مني من خمس سنين اصلاً!

الضربة دي وجعته جداً، شفتها في وشه.

كملت:

— كان ممكن تحميني لو قلت لي الحقيقة أول ما بدأت تحس بحاجة ناحيتي!

— حاولت!

— ما حاولتش كفاية!

— أنتِ ما تعرفيش إيه اللي حصل!

— ما تقولي طيب!

ولأول مرة، أمير الثقة اللي في عينيه اتهزت.

— بعد أربع شهور، كنت عايز أنهي الرهان الغبي ده…

— كريم قال لي.

— بس ما قالكيش ليه!

استنيت.

أمير بص الناحية التانية.

— عشان حبيتك بجد!

كرهت قلبي إنه لسة بيتأثر بالكلمتين دول.

— وفانيسا قالت لي لو اعترفتِ لها، هخرب بيتها وهفضحها في الشركة اللي هي شغالة فيها!

— تفضحني أنا؟!

— كان معاها صور متفبركة وإيميلات جاهزة متصممة من زمان!

— فكملت في الكذب عادي؟

— افتكرت إنني هقدر أخلص من فانيسا وشبكتها الأول!

— خمس سنين يا أمير!

— الظروف اتغيرت والوقت سرقنا!

— خمس سنين كاااملة!

المرة دي هو اللي صرخ:

— عشان ما بقيتش عارف أقولك إزاي بعد كل الوقت ده!!

الشارع سكت.

واحدة كانت معدية بصت لنا باستغراب.

أمير نزل صوته وهو بينهج:

— كل شهر كان بيعدي كان الموضوع بيبقى أصعب وأعقد…

ابتسم ابتسامة مكسورة:

— في الأول قلت: هقولها بعد عيد جوازنا… وبعدين قلت: لما أفض الشراكة مع عيلة زكي خالص… وبعدين قلت: لما أثبت لها إنني ما حبيتهاش عشان رهان!

عينية كانت حمرا، عمري ما شفته كده.

— وكل ما أجي أفتح بؤي وأتكلم… ألاقيكي بتبصيلي كأنني الراجل الوحيد في العالم اللي بتثقي فيه!

صوته اتقطع:

— فخفت… خفت أضيعك!

لمدة خمس سنين، كنت مستعدة أعمل أي حاجة عشان أسمع منه الاعتراف ده…

دلوقتي، ما فيش في دماغي غير فكرة واحدة:

— خوفك حماك أنت… ما حمانيش أنا!

أمير غمض عينيه وما ردش.

— حماك أنت من المواجهة.

فانيسا ظهرت بعد تلات أيام.

مش بشخصها…

في الأول بعتت إيميل على شغلي، وبعدين رسائل على الموبايل، وبعدين مكالمة، وفي الآخر صورة.

كانت صورة قديمة من حفلة تخرجي في الثانوي…

أمي كانت واقفة جنبي.

حد كان عامل دايرة حمرا حوالين وش أمي، وتحتها مكتوب:

“بلاش تنبشي في حاجات أكبر منك عشان ما تزعليش.”

أخدت الصورة وطلعت بيها على قسم الشرطة فوراً.

وبعدها كلمت أمير.

مش عشان عايزة أشوفه…

بس عشان لأول مرة، اسم عيلته ونفوذهم ممكن ينفعوني في حاجة!

أول ما شاف الصورة، وشه اتقلب.

— أنا هتصرف في الموضوع ده بنفسي.

— لأ.

أمير بصلي.

— يا ندى…

— مش هتعمل أي حاجة من ورا ضهري تاني!

— فانيسا عدت حدودها!

— هي معدية حدودها من اتناشر سنة!

— المرة دي هددت أمك!

— والمرة دي أنا اللي هحدد هعمل إيه!

حطيت موبايلي في الشنطة.

— أنا كلمت محامي خلاص.

أمير اتسمر.

— محامي مين؟

— محامي مالوش دعوة بعيلتك ولا بشغلك.

— أنتِ مش محتاجة تدفعي…

— لأ، محتاجة أدفع من جيبي!

ملامحه قست:

— ليه مصرة تبعديني عن الموضوع؟

السؤال ده خلاني أسكت ثانية.

وبعدين فهمت إنه بجد مش فاهم!

— عشان طول حياتي معاك، كنت بتاخد القرارات بدالي من غير ما تقولي…

أمير فتح بؤه وهيقول حاجة، وسكت.

— المرة دي، أنا اللي هختار بنفسي.

القضية ضد فانيسا كبرت بسرعة.

صاحبتها القديمة وافقت تشهد.

وظاهر اسم تاني… “رحاب كامل”.

كانت معايا في المدرسة، كنت يا دوب أفتكرها.

بس رحاب كانت فاكرة فانيسا كويس أوي…

لما كان عندها سبعطاشر سنة، فانيسا تسببت في فصلها من فريق المناظرات بعد ما اتهمتها بإنها سرقت أسئلة المسابقة، وكانت الأدلة متفبركة برضه!

وبعدها ظهرت واحدة تالتة… ورابعة…

فانيسا ما كانش عندها ضحية واحدة… كان عندها “أسلوب ونمط” ماشية بيه!

عيلتها الغنية كانت بتحل المشاكل دي زمان بالفلوس والتعويضات والسكوت.

أنا بس كنت البنت الوحيدة اللي أهلي معندهمش نفوذ يقفوا بيه قدامهم.

لما الموضوع بدأ يتسرب للصحافة، عيلة زكي حاولت تساوم.

عرضوا فلوس الأول… ضحكت لما المحامي وراني المبلغ.

كان يشتري شقة تمليك مرتاحة!

بعدها ضاعفوا المبلغ.

افتكرت كلام أمير لما قال لي: “مليون جنيه، شقة، عربية… عايزة إيه تاني؟”

لأول مرة أفهم حاجة…

بالنسبة للناس دول، الفلوس مش مجرد ثراء… الفلوس عندهم أستيكة بيمسحوا بيها أخطائهم!

— مش هقبل أي قرش — قلت للمحامي.

المحامي هز رأسه:

— كنت متوقع كده.

— أنا عايزة تنازل رسمي وتكذيب لكل القرف اللي اتقال عني.

— ده مقدور عليه.

— وعايزة اعتذار علني.

— دي هتبقى صعبة شوية.

— خلاص، نصعّبها عليهم!

بعد أسبوع، فانيسا دخلت أوضة التسوية.

ما شفتهاش من أيام ثانوي.

كانت اتغيرت، وفي نفس الوقت ما اتغيرتش خالص!

تسريحة شعر مظبوطة، هدوم غالية، ضهر مفروض…

ونفس النظرة الفوقية للناس.

عينيها جات عليا.

— أهو في الآخر أخدتِ اللي أنتِ عايزاه!

ابتسمت.

— اللي هو إيه؟

بصت لأمير… هو كان مصصر يحضر كشاهد في موضوع الرهان والورق.

— أخدتِ أمير!

حسيت بالشفقة عليها… تقريباً.

— لأ.

فانيسا حوجت حواجبها.

— الموضوع عمره ما كان إنني آخده منك.

— ما تعمليش فيها الشريفة!

— فانيسا! — محاميها اتدخل.

هي طنشته:

— أنتِ قربتِ منه وأنتِ عارفة كويس أوي…

ضحكت… والضحكة دي سكتتها.

— عارفة إيه؟

فانيسا بصت لي بغل:

— إنه بتاعي أنا!

أمير اتكلم لأول مرة:

— أنا عمري ما كنت بتاعك يا فانيسا.

هي لفت له:

— أخرس أنت!

صوت أمير كان هادي جداً:

— ده اللي أنتِ عمرك ما فهمتيه…

وش فانيسا احمرّ من الغضب:

— أنا أعرفك من وأحنا عندنا خمس سنين!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى