روايات وقصص

زهره الربيع 2

فتحت الورقة بإيدين بتترعش وعينيا بتتوسع مع كل كلمة بقراها. الخط مكنش خط خالد، كان خط نسائي ناعم ودقيق، والكلام المكتوب كان يجمّد الدم في العروق: “لو خالد اتكشف أو الغبي ده اتدبس، العملية مش هتوقف. الولد عرف نص الحقيقة بس، والنص التاني معايا أنا. أسعد فاكر إن شركته وتجارته نجحت بمجهوده، ومش عارف إن الفلوس اللي بدأ بيها كانت حق أمي اللي أبه أكلها زمان.

 

خالد كان مجرد عروسة خشب بحركها عشان أحرق قلب أسعد على ابنه.. والخطوة الجاية مش تهديد، الخطوة الجاية تنفيذ. جاهزي عصير المانجو يا نادية.. المرة دي مش هنحتاج هدايا.”
عصير المانجو؟!
الورقة وقعت من إيدي ورجلي مقتدرتش تشيلني. التفت ببطء مرعب ناحية المطبخ.. المشروب الوحيد اللي أختي “سحر” جابته معاها وهي داخلة الحفلة وعملته بإيدها للولد وكان محطوط في التلاجة.. كان دورق كبير من عصير المانجو!
صرخت بصوت هز العمارة: “أسعد! أوعى تخلي الولد يشرب حاجة!”
جريت على المطبخ زي المجنونة، ولقيت أسعد واقف ماسك الكوباية وقريب جداً إنه يديها للولد اللي كان قاعد على الرخامة بيضحك ومستني يشرب. زقيت الكوباية من إيد أسعد بكل قوتي، اتكست على الأرض والعصير اتدلق في كل مكان.
أسعد اتخض وبصلي بذهول: “في إيه يا نادية؟! جرى لك إيه؟!”
مديت إيدي بالورقة وأنا بنهج ومش قادرة آخد نفسي، ودموعي نازلة مغرقة وشي: “اقرأ.. اقرأ يا أسعد! الكابوس مخلصش.. خالد مكنش بيتحرك من دماغه! فيه حد تاني هو اللي كان بيمشيه.. حد من جوا عيلتنا!”
أسعد أخد الورقة وقرأها، وملامح وشه تحولت من الذهول لجمود مرعب. بص للورقة، وبعدين بص للعصير المدرق على الأرض، وفجأة افتكر.. افتكر إن أخته من أبوه “سحر”، اللي عاشت طول عمرها حاسة إن أبوه ظلم أمها وفضل أسعد وأمه عليها، كانت هي الوحيدة اللي دخلت المطبخ أول ما جت الحفلة وقالت بصوت ناعم: “أنا هعمل للولد المشروب اللي بيحبه عشان أفرحه.”
أسعد مسك تليفونه فوراً وهو بيترعش من الغضب، واتصل بالضابط اللي كان لسه ماشياً من الشقة من دقائق معدودة. الضابط رد، وأسعد صرخ في التليفون: “ارجع يا فندم! اطلب الإسعاف والمعمل الجنائي فوراً! فيه عصير مش شكوك فيه في الشقة، والمتهم الحقيقي لسه بره!”
في أقل من خمس دقائق، كانت الشقة اتملت تاني بضباط الشرطة. أخدوا عينة من العصير المندلق على الأرض للتحليل السريع، وقبل ما الموقف يهدى، جه تقرير المعمل الجنائي المبدئي ليؤكد وجود مواد غير مطابقة للمواصفات ومضرة بالصحة كانت كفيلة بإحداث أضرار بالغة لو الولد شربها!
الضابط صدر أمره فوراً بالقبض على “سحر”. قوة من الشرطة تحركت لشقتها، وأنا وأسعد والولد كنا قاعدين في الصالة بنترعش، مش قادرين نصدق إن الغل والحقد وصل بأقرب الناس لينا إنه يستغل طفل عنده سبع سنين، يدمر نفسيته لمدة سنة كاملة بخالد، ولما الخطة تفشل.. يحاول إيذاؤه!
بعد ساعة، يرن تليفون الضابط. فتح السبيكر، وجاء صوت الملازم من القوة اللي راحت شقة سحر:
“يا فندم.. وصلنا شقة المتهمة سحر، الباب كان مفتوح.. ولما دخلنا لقينا الشقة مقلوبة رأس على عقب، وسحر مش موجودة! بس لقينا الشنطة بتاعتها محطوطة على الترابيزة وفيها جواز سفرها وتذكرة طيران لسفر بعد ساعتين.. وجنبهم تسجيل صوتي سايباه لأسعد!”
الضابط شغل التسجيل الصوتي في الصالة قدامنا، وطلع صوت سحر، نبرة مليانة حقد وشماتة:
“فاكر يا أسعد إنك بدبوس خالد هترتاح؟ خالد ده كان العبيط اللي ينفذ وساعتك تسيب البيت وأنا أفرج عليك الناس. بس أنا مش هسيبك، ومش هسيب ابنك يرتاح. العصير كان مجرد تنبيه.. لو فاكر إنك أنقذته النهاردة، فافتكر كويس.. أنا حرة بره، وهنوصل للولد في المكان اللي مش هتتوقعه أبداً!”
التسجيل خلص، والصمت المريب رجع لف الشقة. أسعد بصلي وعينيه مليانة دموع وعجز، والولد مسك في جلابيتي بظافره وهو خايف. الضابط بص لأسعد وقال بحزم:
“لازم تتنقلوا من الشقة دي فوراً وتيجوا معانا تحت الحراسة المشددة. سحر مش بتتحرك لوحدها.. شبكة المساعدين بتوعها لسه شغالين!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى