
الكل اتسمر مكانه.
أحمد وشه رجع يبهت أكتر، وحماتي عينيها وسعت بريبة، وأخو جوزي ومراته كانوا واقفين مبرقين ومش فاهمين حاجة.
أنا بلعت ريقي، وخطيت خطوة واحدة لقدام وقولت بصوت حاولت أخليه متماسك:
“أنا سارة… خير يا فندم؟ حضرتك مين؟”
الراجل ابتسم بهدوء مهني، وفتح الدوسيه اللي في إيده وطلع منه أوراق رسمية مختومة بالنسر، وقال:
“أهلاً بحضرتك يا فندم. أنا الأستاذ عصام، محامي ووكيل عن ورثة المرحوم عمك عبد الرحمن في السعودية، ومفوّض من المحكمة لتسليم إخطارات تسوية التركة.”
أول ما قال جملته دي، حسيت كأن شريط سنين طويلة بيعدي في بالي.
عمي عبد الرحمن الله يرحمه… الوحيد اللي كان مسافر من سنين ومقطوعة أخباره، ومات من سنتين وما كانش عنده أولاد، وكان سايب نزاع قضائي ضخم على أراضي وعقارات في القاهرة.
المحامي كمّل وهو بيمدلي الورقة وقلم شيك: بقلم مـنال عـلي
“القضية اللي كانت مرفوعة بقالها سنين اتحكم فيها نهائياً الأسبوع اللي فات، وبما إن والدك الله يرحمه هو الوريث الشرعي الوحيد مع إخواته، وبما إنك بنته الوحيدة… فحصتك الشرعية تم حصرها وإيداع الشيكات الخاصة بيها في البنك باسمك، غير قطعتين الأرض اللي على الطريق الرئيسي.”
أنا لساني اتلجم:
“حـ… حصتي؟”
المحامي هز راسه بود:
“أيوه يا فندم… المبلغ المحول في حسابك البنكي صافي بعد الضرائب والرسوم ٦ مليون جنيه، بخلاف الأراضي المقدرة بأكتر من الضعف. أنا حاولت أتصل بحضرتك كتير تليفونك كان مقفول، وكان لازم إمضاء حضرتك الشخصي الليلة دي قبل قفل المأمورية بكرة الصبح عشان استلام أصول الصكوك.”
في اللحظة دي بالظبط…
شفت مشهد ما ينساهوش عمري كله.
وشوش الناس اللي واقفين في الصالة اتبدلت ١٨٠ درجة في ثانية واحدة!
حماتي… الست اللي من دقيقة واحدة كانت بتقولي “غوري لأهلك الغلابة اللي مش لاقيين ياكلوا”، عينها لمعت بطمع مفضوح يقرّف، وشفايفها اترسمت عليها ابتسامة مزيفة كأنها ملاك نازل من السما.
قربت مني بسرعة، ومدت إيدها تطبطب على دراعي بنبرة كلها عسل مسموم:
“ما شاء الله! ألف ألف مبروك يا قلب حماتك! شوفتي؟ مش قولتلك إنك وش السعد على البيت ده؟! ربنا ما بيضيعش تعب حد أبداً يا بنتي، دا أنا دايماً بدعيلك في صلاتي وأقول ربنا يفتحها في وشك إنتي وابني أحمد!”
بصيت لإيدها اللي على دراعي بقرف، ونفضتها بنطرة واحدة خلتها ترجع لورا.
أحمد فجأة فاق من صدمته، ولقيته بيقرب مني وعينيه بتلمع برجاء مذلول:
“سارة… سارة حبيبتي، شفتي ربنا عوضنا إزاي؟ إحنا واحد يا سارة، ده خير ربنا لينا ولبناتنا وبيتنا… هاتي الشنطة دي أدخلها جوة، مفيش مرواح في نص الليل، إحنا نفتح صفحة جديدة وننسى أي زعل.”
ضحكت… حصري علي روايات واقتباسات
ضحكة عالية رنت في الشقة، خلت المحامي يبصلي باستغراب، وخلت أخو جوزي “محمود” يقف محتار.
وقفت في نص الصالة، وشاورت بصابعي عليهم كلهم، وبصيت للمحامي وقولتله:
“أستاذ عصام… كويس إن حضرتك موجود عشان تكون شاهد على اللي هيتقال دلوقتي.”
حماتي اتوترت وقالت بسرعة:
“شاهد على إيه يا سارة؟ عيب يا بنتي، دي أسرار بيوت، متفضحيناش قدام الغريب!”
زعقت فيها بصوت هز جدران البيت:
“أسرار بيوت؟! لما تحرموني خمس سنين من عيشتي وكرامتي، وتلبسوني عقم ابنك عشان تحموا رجولته قدام الناس وتخلوني خدامة ليكي ولعيالك، دي كانت أسرار بيوت؟! لما تسرقوا دهب جهازي وشقا سنيني وتكتبوه مؤخر لمرات ابنك التاني عشان تبانوا عيلة أصول، دي أسرار بيوت؟!”
محمود أخو جوزي اتصدم، وبص لأمه وأخوه بعينين هيطق منها الشرر:
“إيه؟! دهب سارة هو اللي اتكتب مؤخر لمراتي؟! إنتوا بتستهبلوا؟! جايبينلي دهب مسروق من مرات أخويا عشان تستروا نفسكم قدام نسايبي؟!”
مراته “الهانم” اللي كانت واقفة تتفرج من فوق لتحت، أول ما سمعت سيرة السرقة والفضايح وشافت الملايين اللي نزلت عليا، وشها جاب ألوان وخافت من الفضيحة، مدت إيدها في شنطتها وطلعت العلبة ورزعتها على الترابيزة وقالت برعب:
“أنا ماليش دعوة بالحوارات دي! الدهب أهو، أنا أصلاً كنت نازلة أرجعه عشان ما بيعجبنيش ذوق حد، ومش عايزة فضايح تدخل بيتي!”
أحمد جه يجري عليا، ووطى على إيدي عايز يبوسها قدام الكل:
“أبوس إيدك يا سارة… متخربيش البيت! أنا غلطت، والله العظيم كنت ضعيف قدام أمي! أنا بحبك ومستعد أكتبلك الشقة دي باسمك، بس متسبنيش!”
بصيتله من فوق لتحت… الراجل اللي كنت فاكراه سندي، كان رامي نفسه تحت رجلي مش عشان بيحبني، ولا عشان ندمان على الخمس سنين اللي سرقهم من عمري… كان واقع عشان الفلوس، عشان ما يخسرش الفرخة اللي هتبيض له دهب.
سحبت إيدي بقوة ومسحتها في هدومي باحتقار، وقولتله:
“الشقة دي متلزمنيش… لأنها مبنية على ذل وقهر. وأنت متلزمنيش، لأنك مش راجل، إنت كنت واخدني درع تداري بيه خيبتك.”
بصيت لحماتي اللي كانت واقفة مصدومة ومش قادرة تنطق:
“بكرة الصبح يا حماتي… تنزلي من النجمة زي ما كنتي بتقوليلي، تشمري دراعاتك، وتنزلي تمسحي السلالم وتطبخي لبيتك ولهوانمك… ورينا مين الهانم ومين الخدامة بعد ما مشيت.”
مضيت للمحامي على الأوراق بـإيد ثابتة، إيد خلاص بطلت تترعش.
خدت علبة دهبي من على الترابيزة وحطيتها في شنطتي، ورفعت شنطة هدومي على كتفي.
وقفت عند باب الشقة، وبصيت لأحمد بصة أخيرة قولتله فيها بمنتهى الهدوء:
“ورقتي توصلني عند بيت أهلي بكرة الصبح ومعاها قايمتي بالمليم، ورقة طلاق رسمي على يد مأذون… وإلا، وحياة كل دمعة نزلت من عيني ظلم، بلاغ السرقة والتبديد هيكون عند النائب العام بكرة الضهر، ومعاه تقرير عقمك اللي كنت مداريه هينزل على صفحات البلد كلها.” بقلم مـنال عـلي
نزلت على السلم وأنا سامعة ورايا صوت صريخ حماتي وهي بتلطم على وشها، وصوت محمود وهو بيتخانق مع أخوه وأمه، والخناقة اللي ولعت ومش هتنطفي في البيت ده أبداً.
فتحت باب العمارة وخرجت للشارع.
الهوا البارد خبط في وشي، بس لأول مرة من خمس سنين، حسيت إن الهوا بيدخل صدري بجد.
رفعت راسي للسما، وابتسمت وأنا سامعة دقات قلبي قوية وحرة.
الخمس سنين اللي فاتوا راحوا… بس اللي جاي بتاعي أنا وبس.
#حكايات_منــال_عـلـي



