روايات وقصص

رقصت لوحدها بقلم شروق خالد 1

لكن المرة دي ما كانتش بترقص. كانت قاعدة لوحدها وبتبص في صورة قديمة ماسكاها في إيدها. صورة لأمها. أمها كانت ماتت من سنين، ومنة ما كانش عندها غير الصورة دي. وفجأة سمعت صوت سليم.”دي مين؟”
منة مسحت دمعة بسرعة.”أمي.”
سليم قرب.”وحشتك؟”
“كل يوم.”
قعد قدامها.”تحبي تحكيلي عنها؟”
منة ابتسمت.”كانت بتقول لي دايمًا إن الواحد ما يقيسش نفسه بعين الناس.”
سليم بص لها.”وكانت صح.”
منة ضحكت بحزن.”بس أنا ما عرفتش أعمل كده.”
سليم مد إيده ومسح دمعة من على خدها.”ممكن أساعدك.”
منة بصت له.”إزاي؟”
“أفكرك كل يوم إنك مش محتاجة رأي حد.

”
قلبها دق بسرعة.”ليه؟”
سليم رد بهدوء:
“عشان أنا شايفك.”
سكتت.”شايف إيه؟”
“كل حاجة.”
—
بعد أسبوع، سليم قرر ياخد آدم ومنة لحفلة عائلية كبيرة. منة كانت مرعوبة. وقفت قدام المراية وهي لابسة فستان أسود بسيط. فضلت تبص لنفسها. وبعدين بدأت تغير هدومها. سليم كان مستني بره.”منة؟”
“مش جاية.”
“ليه؟”
“مش هينفع أروح.”
دخل سليم، لكن وقف بعيد عنها.”الفستان وحش؟”
“لا.”
“طب المشكلة في إيه؟”
منة قالت بصوت مكسور:

“أنا.”
سليم سكت. وبعدين قال:
“بصيلي.”
منة رفعت عينيها.”إنتي مش مشكلة.”
قرب خطوة.”ولو حد حاول يخليكي تحسي إنك مشكلة…”
وقف قدامها.”هيكون عنده مشكلة معايا.”
منة ابتسمت رغم دموعها.”إنت دايمًا بتحل كل حاجة بالعنف؟”
ابتسم.”مش دايمًا.”
“أمال؟”
“ساعات بالكلام.”
ضحكت.”طب يلا.”
—
في الحفلة، كل العيون اتوجهت لمنة. بعض الستات بدأوا يتهامسوا. واحدة قالت:
“هي دي اللي سليم واخدها معاه؟”
التانية ضحكت:
“واضح إن ذوقه اتغير.”
منة سمعت. لكن المرة دي ما نزلتش عينيها. سليم كان واقف جنبها. مسك إيدها قدام الكل.

وقال:
“أيوه. دي منة.”
وبص للناس.”وأنا اللي اخترت إنها تكون معايا.”
الصمت نزل على المكان. منة بصت له. ولأول مرة ما حسيتش إنها لازم تختفي.—
لكن فجأة…الأنوار انطفت. صرخة اتسمعت. وبعدها صوت طلقة. سليم سحب منة وراه فورًا. الحراس انتشروا. آدم كان بعيد عنهم. منة صرخت:
“آدم!”
سليم جرى ناحية ابنه. لكن قبل ما يوصل، ظهر راجل من وسط الزحمة وخطف الطفل.”سيبه!”
صوت سليم هز المكان. الراجل حط السلاح جنب رأس آدم.

“خطوة واحدة وهيموت.”
سليم وقف. لكن منة ما استنتش. اندفعت ناحية الراجل.”منة!”
الراجل ضربها في كتفها، لكنها وقعت وقامت تاني. مسكت إيد آدم وشدته. الرجل حاول يطلق النار. لكن سليم اندفع في اللحظة الأخيرة. الصوت دوى في القاعة. الحراس قبضوا على الرجل. وسليم وقع على الأرض. منة جريت عليه.”سليم!”
كان ماسك جنبه والدم بينزل. منة بدأت تبكي.”إنت كويس؟”
سليم بص لها رغم الألم.”آدم كويس؟”
منة هزت راسها.”آه.”
سليم ابتسم.”يبقى أنا كويس.”
منة مسكت إيده.”ما تعملش فيا كده تاني.”
سليم ضغط على إيدها.”إنتي خايفة عليا؟”
منة بكت.”أيوه.

سليم بص في عينيها وقال:
“يبقى متسبينيش.”
منة سكتت. وبين صراخ الناس والحراس، كانت عارفة إن اللحظة دي غيرت كل حاجة. لأنها لأول مرة فهمت الحقيقة اللي كانت بتحاول تهرب منها. هي وقعت في حب سليم المنشاوي. لكن اللي ما كانوش يعرفوه…إن حسام البكري لسه ما بدأش حربه الحقيقية. والهدف الجاي…ماكانش آدم. كان منة نفسها. يتبع…#حكايات_شروق_خالدبعد اللي حصل في الحفلة، سليم نقل منة وآدم لجناح داخلي في القصر، بعيد عن البوابات والشوارع.

حط حراسة على كل باب، وكاميرات في كل ممر. منة كانت متضايقة. قالت له وهي واقفة قدامه:
“أنا مش سجينة يا سليم.”
رد بهدوء:
“عارف.”
“أمال ليه الحراسة دي كلها؟”
“عشان اللي حاول يخطف آدم عارف إنك أهم حاجة عندي.”
منة سكتت. وبعدين قالت:
“وأنا؟”
سليم قرب منها.”إنتي أخطر حاجة ممكن تحصل لي.”
قلبها دق.”ليه؟”
“عشان لو حصلك حاجة، مش هعرف أكون أنا.

”
—
مرت أيام، وسليم بدأ يتعافى من إصابته. منة كانت بتغير له الضمادات كل يوم. وفي مرة، وهي بتربط الجرح، قال لها:
“إنتي إيدك بتترعش.”
“عشان خايفة أوجعك.”
“أنا مش خايف من الوجع.”
منة بصت له.”أمال خايف من إيه؟”
سليم سكت لحظات. وبعدين قال:
“إني أصحى في يوم وما ألاقيكيش.”
منة ما عرفت ترد. حطت إيدها على إيده.

“أنا هنا.”
سليم بص لأصابعها فوق إيده.”خليكي.”
“هفضل.”
كانت الكلمة بسيطة. لكن بالنسبة لسليم كانت أهم وعد أخده في حياته.—
في نفس الوقت، حسام البكري كان بيتابع كل حاجة. كان عنده شخص داخل القصر. شخص سليم نفسه ما كانش شاكك فيه. وفي ليلة ممطرة، وصلت رسالة على تليفون منة.”لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أبوكي، تعالي لوحدك.”
منة اتجمدت. أبوها. الاسم اللي ما اتقالش قدامها من سنين. والدها كان مات وهي صغيرة، أو على الأقل ده اللي كانت فاكرة. فضلت تبص للرسالة. وبعدين لبست جاكتها. خرجت من أوضتها بهدوء. لكن قبل ما تفتح باب القصر، سمعت صوت:

“رايحة فين؟”
اتجمدت. سليم كان واقف وراها. منة خبّت التليفون.”مشوار صغير.”
“الساعة تلاتة الفجر؟”
“مهم.”
“إيه المهم؟”
منة سكتت. سليم مد إيده.”هاتِ الموبايل.”
منة رفضت.”سليم…”
“منة.”
كانت أول مرة ينادي اسمها بالطريقة دي. حازمة، لكن مش قاسية. منة ناولته التليفون. قرأ الرسالة. وشه اتغير.”مين قال لك إن أبوكي عايش؟”
منة شهقت.”إنت عارف حاجة؟”
سليم ما ردش.”سليم!”
بص لها.”أبوكي كان واحد من رجال أبويا.”
منة اتراجعت خطوة.”يعني إيه؟”
“يعني اختفى في نفس الليلة اللي حصل فيها الهجوم على عيلتي من سنين.”
“إنت كنت تعرف؟”
“كنت بدور.”
“ولقيت إيه؟”
سليم قال:
“إنه ما ماتش.

”
منة حطت إيدها على بقها. دموعها نزلت.”أبويا عايش؟”
سليم قرب منها.”مش متأكد.”
“يبقى لازم أعرف.”
“وهتعرفي.”
“إزاي؟”
سليم مسك إيدها.”معايا.”
—
وصلوا لمكان قديم في أطراف القاهرة. مخزن مهجور. الحراس دخلوا الأول. وبعدها سليم ومنة. في آخر المكان، كان فيه رجل مربوط على كرسي. وشه كان مليان جروح. منة قربت خطوة. الرجل رفع رأسه. وأول ما شافها، عينيه اتملت دموع.”منة؟”
اتجمدت. الصوت…كانت تعرفه. رغم السنين.”بابا؟”
الرجل بكى.”أنا آسف.”
منة جريت عليه.”إنت كنت فين؟!”
الرجل ما عرفش يرد. فضل يعيط.

سليم وقف بعيد. الرجل بص له.”إنت ابن الراجل اللي دمر حياتنا.”
سليم رد بهدوء:
“أنا مش أبويا.”
الرجل سكت. وبعدين قال:
“حسام هو اللي خطفني.”
منة بصت له.”ليه؟”
“عشان كنت عارف الحقيقة.”
سليم قرب.”حقيقة إيه؟”
الرجل قال:
“الهجوم اللي حصل زمان… ماكانش سببه أبوك.”
سليم اتجمد.”مين السبب؟”
الرجل بص لمنة. وقال:
“أمك.”
منة شهقت.”أمي؟!”
—
سليم بصلها. ومنة كانت حاسة إن الأرض بتتحرك تحت رجليها. لكن قبل ما الرجل يكمل.

..انفجار هز المكان. الزجاج اتكسر. والحراس بدأوا يصرخوا. سليم شد منة ونزل بيها على الأرض. رصاص بدأ يضرب في كل اتجاه. صرخت منة:
“بابا!”
سليم بص ناحية الرجل. لكن الكرسي كان فاضي. الراجل اختفى. سليم فهم فورًا. دي كانت خدعة. حسام كان عايزهم يوصلوا للمكان ده. وعايز منة تسمع الجملة دي. علشان يشعل الشك بينها وبين كل اللي حواليها. سليم مسك إيدها.”منة، اسمعيني.”
كانت بتبكي.”أمي كانت السبب؟”
“ما نعرفش.”
“بس أبويا قال…”
“قال اللي حسام عايزك تصدقيه.”
منة بصت له.”وإنت؟”
سليم قرب منها.”أنا مش هسيبك لوحدك قدام الحقيقة دي.

”
لكن منة سحبت إيدها.”أنا محتاجة أعرف الحقيقة.”
سليم قال:
“وهتعرفيها.”
“حتى لو الحقيقة ضديك؟”
سليم سكت لحظة. وبعدين قال:
“حتى لو كانت ضدي.”
—
رجعوا القصر قبل الفجر. منة دخلت أوضتها وقفلت الباب. لأول مرة، سليم ما حاولش يدخل وراها. وقف قدام الباب دقائق. وبعدين قال:
“أنا هنا.”
من جوه، صوتها كان ضعيف:
“عارفة.”
سليم مشي. لكن قبل ما يوصل آخر الممر، موبايله رن.

رسالة مجهولة وصلت له:
“لو عايز منة تفضل عايشة، ابعد عنها.”
سليم فضل يبص للرسالة. وبعدين رفع عينيه ناحية أوضة منة. لأول مرة في حياته، سليم المنشاوي فهم إن الحرب الحقيقية بدأت. والعدو مش عايز فلوسه. ولا نفوذه. ولا إمبراطوريته. العدو عايز ياخد منه الحاجة الوحيدة اللي خلت قلبه يحس إنه لسه إنسان. منة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى