روايات وقصص

جوزي

جوزي وقف على باب الشقة ومنعني أخرج وقال: أمي مش فارق معاها إنك بتقبضي 118 ألف جنيه في الشهر! اقعدي في البيت واطبخي زي أي ست طبيعية! ما اتخانقتش معاه. حطيت اللابتوب على الكرسي، وحطيت حلة على النار واتصلت بأبويا. بعد أربعين دقيقة بالظبط، أبويا وصل ومعاه ملف أزرق واتنين رجالة، وساعتها جوزي بطل يحس إنه صاحب البيت.

 

الجزء الأول
النهارده مش هتروحي شغلك. هتفضلي في البيت، وهتتعلمي يعني إيه ست بيت طبيعية.
قالها كريم وهو واقف في باب الشقة، حاطط إيده على الحيطة وسادد عليّا الطريق.
كانت الساعة ٧:٤٢ الصبح.
وراي كانت أمه قاعدة في الصالة بتشرب شاي بمنتهى الهدوء، كأنها مستنية تشوف النهاية اللي هي كانت مخططالها من زمان.
بصيت في ساعتي.
الساعة تمانية ونص عندي اجتماع مهم مع المقاولين والمهندسين والمشرفين.
أنا شغالة مديرة متابعة وتنفيذ في شركة تطوير عقاري كبيرة، وبقالي تلات سنين ماسكة مشروع ضخم، وكل يوم فيه قرارات بملايين.
بصيت لكريم وقلت بهدوء:
وسّع كده يا كريم.
رد من غير حتى ما يرمش:
لأ.

جوزي بقاله تقريبًا ١١ شهر بيقول إنه بيدوّر على شغل مناسب.
والحقيقة؟
كان معظم وقته بين ألعاب الفيديو، وكام إنترفيو ما كملوش، ومصاريف بتتحط على الكارت الإضافي اللي أنا اللي بسدده.
أما أمه، فكانت جاية عندنا كام يوم.. الكام يوم دول اتحولوا لشهرين تقريبًا.
احتلت أوضة الضيوف، وغيرت ترتيب الصالة على مزاجها، وكل يوم لها ملاحظة على الأكل، وعلى لبسي، وعلى شغلي.
وآخر مرة كسرت برفان غالي بتاعي، حتى ما قالتش حقك عليّا.

وقتها حطت كباية الشاي على الترابيزة وقالت:
أنا قلتلك يا ابني من الأول، الست اللي بتقبض أكتر من جوزها آخرها تخرب بيته.
وبعدين بصتلي من فوق لتحت وقالت:
وبعدين يعني إيه؟ بتقبضي 118 ألف في الشهر! هو الفلوس دي هتخليكي أحسن من جوزك؟
ما رديتش عليها، وبصيت لكريم وقلت:
إنت كمان شايف كده؟
كريم بلع ريقه وقال:
أيوه.. أمي فتحت عيني على حاجات كتير. إنتِ بتقبضي 118 ألف في الشهر، وبقيتي بتتعاملّي معايا كأني أقل منك. أنا تعبت من إحساسي إني مجرد واحد عايش على حسابك.
بصيتله بثبات وقلت:
طيب دور على شغل.
وشه اتغير، أما أمه فضربت بإيدها على الترابيزة وقالت:
يا نهار أبيض! دي حتى مش بتراعي جوزها!

كريم قرب مني خطوة وقال بنبرة أمر:
خلاص.. الموضوع انتهى. هتفضلي في البيت من النهارده. هتطبخي.. عايز أكل بجد، اعملي محشي، فتة، مكرونة، أي حاجة، لكن بطلي الجري ده ورا المهندسين والمقاولين كأنك راجل.
حاولت أعدّي من جنبه، فجأة مد إيده وزقني لورا.
مش زقة وقعتني، لكن كعب الجزمة اتعلق في السجادة، واضطريت أمسك في الحيطة عشان ما أقعش.
ساعتها.. حاجة جوايا اتغيّرت.
ما صرختش.. ما عيطتش.. وما شتمتوش.
خلعت الجاكت بهدوء، وحطيت اللابتوب على الكرسي، وبعدين قلت:
حاضر.
كريم بصلي باستغراب:
إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت:
عندك حق، البيت والعيلة أهم.. النهارده هقعد في البيت.
ابتسامة انتصار ظهرت على وش كريم، وقالت أمه وهي بتعدل طرحتها:
أهو كده الكلام.. لسه ممكن تتظبط.

دخلت المطبخ، طلعت حلة كبيرة، وحطيت فيها اللحمة والبصل والتوم والفلفل والطماطم، وبدأت أجهز الأكل.
من برّه، كانوا فاكرين إنهم كسبوا.
لكن وأنا واقفة قدام البوتاجاز، فتحت موبايلي وبعت رسالة لسكرتيرتي:
“اعملي الاجتماع من غيري، وجهزي الملف الأزرق بتاع الشقة، وخلي حد يجيبلي الملف الأحمر من المكتب.. من النهارده شغلي هيبقى من البيت”.
وبعدها.. عملت مكالمة تانية.
ـ ألو يا بابا؟
ـ مالك يا بنتي؟ حصل حاجة؟
بصيت ناحية الصالة.. كريم كان قاعد جنب أمه والاتنين بيتكلموا ويضحكوا، وكأنهم لسه منتصرين في معركة.
قلت: محتاجة تيجي عندي.
ـ دلوقتي؟
ـ أيوه، وخد معاك الأصل بتاع عقد الشقة والملف الأزرق واتنين من الرجالة اللي بتثق فيهم.
صوته اتغير: ليه يا سما؟
بصيت للحلة اللي بدأت تغلي وقلت بمنتهى الهدوء: هتعرف لما تيجي.
سكت ثانيتين وسأل: وفيه حاجة تانية؟
ـ أيوه.
ـ إيه؟
ـ خليهم ياخدوا معاهم عِدّة.
ـ عِدّة ليه؟
بصيت ناحية باب الشقة وقلت: عشان هنغيّر الكالون.

عدّى حوالي أربعين دقيقة. الحلة كانت بتغلي، وكريم وأمه قاعدين في الصالة.
وفجأة.. جرس الباب ضرب. مرة.. واتنين.. وتلاتة.. وبعدين خبط جامد على الباب.
مدام نوال اتخضت لدرجة إن المعلقة وقعت من إيدها، وكريم قام بسرعة:
مين اللي بيخبط بالطريقة دي؟
أنا ما اتحركتش من المطبخ. كريم بصلي:
مش هتفتحي؟
مسحت إيدي في فوطة المطبخ وبصيتله بهدوء:
افتح يا كريم.. شكلي كده عرفت مين اللي جه.

فتح كريم الباب.. وأول ما شاف مين واقف برّه، وشه اتسمر مكانه.
أما أنا، فخرجت من المطبخ على مهلي، وبصيت ناحية الباب وقلت:
كريم.. افتح كويس، عشان واضح إن الجزء اللي اتنسي من العيلة وصل أخيرًا.
لكن لا كريم ولا أمه كانوا متخيلين إن اللي داخل من الباب هيغيّر شكل حياتهم كلهم.. خصوصًا إن الملف الأزرق اللي في إيد أبويا كان فيه ورقة واحدة بس كفاية تقلب كل حاجة.

أول ما كريم فتح الباب، وشه اتغير.
كان أبويا واقف قدامه.. لكن مش لوحده، ورا أبويا كان فيه راجلين في الخمسينات، لابسين لبس بسيط، وكل واحد في إيده شنطة أدوات، وأبويا كان ماسك الملف الأزرق بإيده.
بص لكريم من فوق لتحت وبعدين قال بهدوء:
صباح الخير يا كريم.
كريم حاول يضحك: أهلاً يا عمي، اتفضل.
أبويا ما دخلش، وقال: لا، أنا هدخل لما بنتي تقوللي أدخل.
بصلي كريم، فقربت من الباب وقلت: ادخل يا بابا.
دخل أبويا والراجلين دخلوا وراه. قامت نوال بسرعة:
إيه ده؟ هو إحنا في قسم شرطة؟
أبويا بص لها وقال: لا يا مدام نوال، إحنا في بيت بنتي.
كريم اتوتر: عمي، الموضوع مش مستاهل كل ده.
حط أبويا الملف الأزرق على الترابيزة وقال: أنا كمان كنت فاكر كده.
فتحه.. طلع منه عقد.. وقال: لحد ما بنتي اتصلت بيا وقلتلي إن جوزها منعها من النزول لشغلها وزقها عشان يمنعها من الخروج.
سكتت الشقة كلها.. كريم بصلي: إنتِ قلتي له إني زقيتك؟

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى