روايات وقصص

جاكت فرو امانى السيد

بعد العصر بشوية، سمعت صوت حركة عادل وهو راجع، وبدل ما يطلع شقتنا فوق، دخل مباشرة شقة أمه. فتحت برنامج الكاميرات الصغيرة على تليفوني اللي متوصل بالصالة تحت وبمدخل البيت، وكان البث واضح.

حماتي كانت نازلة السوق، والشقة فضيت عليهم. سارة كانت مجهزة الجو على أكمل وجه؛ الإضاءة خافتة، ومجهزة ترابيزة عليها عصير وكيك. كانت لابسة ملابس من عندي، وواقفة تستقبله عند الباب.

أول ما عادل دخل، رمى المفاتيح على الترابيزة وبص لها بتعب، راحت قربت منه بخطوات بطيئة، وحطت إيدها برفق على كتفه، ومسحت على ياقة قميصه وهي بتبص في عينيه بصوت ناعم: “حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. شكلك تعبان من الشغل.”

عادل تنهد وابتسم بضعف، ومسك إيدها: “تعبان من كل حاجة يا سارة.. بس أول ما بشوفك بحس إني رجعت لنفسي. حقك عليا في كل اللي حصل الصبح، كرامتك من كرامتي.”

سارة قربت أكتر، وحطت إيديها حوالين رقبته، وسندت راسها على كتفه بحنان مصطنع وهي بتهمس: “أنا ميهمنيش أي شيء طول ما أنت جنبي يا عادل.. أنت أماني اللي ضاع مني ورجع لي.”

عادل شدها لحضنه، وعينيه لمعت وهو بيطبطب على شعرها، وقال بصوت واطي ومليان مشاعر: “أنا الغبي اللي ضيعتك من إيدي زمان.. بس أوعدك، بكرة هكتب لك الشقة اللي فوق باسمك عشان أثبت لك إنك ست البيت الوحيدة اللي تستاهل تشيل اسمي، وميار دي هنفصل عنها.”

سارة بصت له بابتسامة ودلع: “بجد يا عادل؟ يعني هكون لوحدك من تاني؟”

قرب منها وقال بحماس: “حياتي كلها.. ومفيش مخلوق هيقف بيننا تاني.”

كنت قاعدة بتفرج على الشاشة، وكل كلمة قالوها كان بيسجلها النظام بجودة عالية وصوت نقي جداً، ومعاها اعترافها الواضح في مدخل العمارة بعد دقائق لما عادل دخل الحمام يغسل وجهه.

الكاميرا اللي على الباب لقطتها وهي بتفتح نص الباب للراجل اللي كان مستنيها تحت (حبيبها القديم)، ومدت إيدها تديه ظرف فلوس وبتقوله بضحكة وهمس واطي لقطه المايك: “صدق التمثيلية وهيجيب لي الشقة بكرة.. كلها كام يوم والتوكيل يبقى في جيبي ونسافر سوا بالفلوس ونسيبه يندم على خيبته!” والراجل شدها من إيدها وسلم عليها بحرارة ورا الباب وهي بتضحك قبل ما تقفل وترجع لعادل اللي كان طالع ينادي عليها: “سارة.. رحتي فين؟!

فلت التسجيل وحفظت الفيديو كامل بزواياه الاتنين: كلامه العاطفي معها، واتفاقها مع شخص آخر وراء ظهره في نفس اللحظة.

ابتسمت ببرود تام وأنا أجهز الشاشة.. لأن معاد الغداء والعرض الكبير قرب، والمواجهة المرة دي هتكشف الحقيقة قدام أهله كلهم.

جه ميعاد الغداء، وكانت شقة حماتي مليانة ناس، خالاته وعماته كلهم متجمعين عشان “الصلح الكبير” ولمّ شمل العيلة ورجوع سارة لحضنهم.

نزلت الدرج ببطء وخطواتي ثابتة، لابسة فستان أسود كلاسيك، حاطة مكياج هادي، وراسي مرفوعة كأنني داخلة مناسبة رسمية. فتحت الباب ودخلت، والصالة كانت زحمة، والسفرة ممدودة بأفخر الأكل.

سارة كانت قاعدة جنب عادل، قريبة منه ولابسة فستان من عندي، وعادل ماسك إيدها على الترابيزة بيبصلها كأنه ملك الدنيا، وأول ما دخلت، ساب إيدها وبصلي بضيق، وحماتي عدلت قعدتها وقالت بصوت شامت سمعه الكل: “أهي شرفت الهانم.. يلا يا ميار، اعتذري لسارة قدام عيلة جوزك كلها عشان ننسى اللي حصل، وساعتها بس عادل هيرضى يخليكي على ذمته!”

عادل هز راسه بغرور وقالي بنبرة قاطعة: “اسمعي كلام أمي.. اعتذري لها هنا قدام الكل، وإلا ورقتك هتوصلك بيت أبوكي قبل ما الشمس تغيب.”

سارة مالت على كتف عادل وقالت: “معلش يا عادل، عشان خاطرك هسامحها.. بس تعتذر وتتعهد متقربش من شقتي اللي هتكتبها لي.”

ابتسمت بهدوء تام، ابتسامة باردة خلت سارة تتوتر. قلت بصوت رزين ومسموع: “أنا فعلاً جاية أقدملكم اعتذار وهدية.. بس الهدية دي مينفعش تتقال بالكلام، لازم الكل يشوف حقيقة الست سارة وكلامها عن عادل.”

طلعت الشاشة المحمولة ووصلت فلاشة الموبايل بالسماعة اللي في الصالة، وضغطت زر التشغيل.

في ثانية، الحيطة كلها نورت، والصوت طلع في أركان البيت

ظهر المشهد بين عادل وسارة في الصالة؛ عادل وهو ماسك إيدها وبيقول لها كلام عاطفي، وهي حاطة إيدها على كتفه وبتقوله: “أنت أماني وروحي.. وعمري ما حسيت بقيمتي غير معاك”، وعادل وهو بيقول لها: “بكرة هكتب لك الشقة باسمي وميار هنفصل عنها!”

المعازيم في الأول افتكروا إنه فيديو صلح، وحماتي ضحكت وقالت: “شايفين الحب؟ شايفين الأصالة؟”

وعادل نفخ صدره بفخر..

لكن في نفس اللحظة، الفيديو انتقل للمشهد اللي بعده بدقيقة واحدة بس:

ظهرت سارة في الصباح وهي بتعترف لي في التسجيل الصوتي الواضح جداً: “حوار الفستان كان تمثيل، وحوار السلسلة عشان أكسر عينك.. وعادل بيصدق أي دمعتين، مجرد وسيلة آخذ منه الشقة وأرجع لحبيبي القديم!”

الصالة كلها سكتت، والضحك اختفى من وش حماتي. عادل وشه اتخطف وبص للشاشة بذهول، وفجأة الكاميرا انتقلت على مدخل العمارة بعد المشهد مباشرة:

ظهرت سارة وهي بتفتح نص الباب للراجل الغريب، بتضحك، وبتديه ظرف الفلوس وبتقوله: “صدق التمثيلية وهيجيب لي الشقة بكرة.. نسافر سوا بالفلوس ونسيبه يندم!” والراجل بيسلم عليها بحرارة ورا الباب وهي غرقانة في الضحك، وصوت عادل طالع من خلفية التسجيل بينادي: “سارة.. رحتي فين؟!”

الصمت اللي حل في الصالة كان يقطع الأنفاس

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى