
قبل يوم واحد من موعد ولادتي، حماتي فجأة قالت لي إنها حلمت امبارح بالليل بحمايا الله يرحمه جاي لها في المنام وبيطلب منها فلوس لله.
ومكنتش راضية أبدًا تركب ميكروباص أو أتوبيس لوحدها وتروح البلد، وصممت إن جوزي هو اللي لازم يسوق العربية ويوصلها بنفسه.
جوزي بص لي، وبانت عليه نبرة وشكل غريب تمامًا عن طريقته المؤدبة والحنينة اللي كنت عارفاها فيه طول عمره.
قال لي:
“يا حبيبتي، أنا عارف إن بكرة معاد ولادتك، بس الموضوع بتاع بابا وماما في البلد مهم جدًا ومينفعش يتأجل. وبعدين إنتِ ست عاقلة وبالغة، وأكيد هتعرفي تاخدي بالك من نفسك وتتصرفي.”
حماتي بصت لي بنظرة كلها شماتة وانتصار، وكأنها مستنية تشوف رد فعلي.
على العموم، من ساعة ما كنا بنحب بعض لحد ما اتجوزنا، طارق كان دايمًا بيسمع كلامي في كل حاجة، وكان حنين ومطيع لآخر درجة.
لكن أنا كل اللي عملته إني ابتسمت ببرود وقلت:
“تمام، مفيش مشكلة. خد طنط ووصلها البلد. أنا هعرف أتصرف وأشيل نفسي.”
رجعت أقلب في صفحات المجلة الجديدة اللي لسه واصلة لي، لكن صوابعي اللي كانت من غير توقف فضحت المشاعر الحقيقية اللي جوايا.
الصالة ساد فيها هدوء تام للحظات، والجو بيننا بقى غريب ومشدود.
حماتي وطارق بصوا لبعض بسرعة، وكأنهم فهموا إن الأمور ماشية زي ما كانوا متوقعين.
حماتي رفعت راسها وغمزت لطارق.
طارق قرب مني وقال:
“بمناسبة إننا داخلين على موسم زيارة القبور، إيه رأيك لو قعدت في البلد مع أمي يومين كمان بالمرة؟ إنتِ أكيد هتقدري تديري أمورك لوحدك، صح؟”
بكرة كان موعد ولادتي بالضبط.
وحسب الترتيبات، كان المفروض الليلة نلم الشنط ونطلع على المستشفى عشان أستعد للولادة، لأنها ممكن تحصل في أي لحظة.
لكن حماتي اختارت اليوم ده بالذات عشان ترجع البلد.
ولما حبت تلاقي حجة، قالت إنها مش بتحب المواصلات، ولازم جوزي هو اللي يوصلها.
كان واضح بالنسبة لي إنهم قاصدين يسيبوني لوحدي في الوقت ده.
أنا كنت فاهمة كويس الألاعيب اللي هما الاتنين بيلعبوها، لكن ما بينتش.
خدت نفس طويل، وعملت نفسي زعلانة، وبعدين رفعت راسي وقلت لطارق:
“لو ماما محتاجاك جنبها، روح معاها يا حبيبي. بس يا طارق، أنا هولد لوحدي، ولو حصلت حاجة مفاجئة واحتجت حد يساعدني…”
قبل ما أكمل، حماتي قاطعتني بسرعة:
“يا منى يا بنتي، متخافيش من الكلام ده. الستات كلها بتولد، وكل حاجة بتعدي. وبعدين إنتِ حاجزة مكان في المستشفى ومجهزة كل حاجة، أكيد مش هيحصل أي حاجة.”
قالت كلامها وهي فرحانة جدًا، وبدأت تستعجل طارق عشان يجهز حاجتهم.
والحقيقة إن شنطهم كانت مجهزة من بدري، ومحطوطة في مكان جانبي.
يعني هما فاكرين بجد إني مش واخدة بالي؟
وقفت وبصيت عليهم وهما خارجين من الباب، من غير ما يفرق معاهم تعبي أو دموعي.
بعد ما خرجوا، طلعت تليفوني وكلمت سارة، صاحبتي المقربة.
دادة فاطمة، اللي بتساعدني في البيت، بصت لي بقلق وقالت:
“يا ست منى، إنتِ بكرة موعد ولادتك، إزاي يختاروا وقت زي ده ويروحوا البلد؟ يزوروا أهله في أي وقت تاني. أنا مش مرتاحة للموضوع ده.”
قلت لها بهدوء:
“أنا فاهمة قصدك يا دادة فاطمة.”
الست دي كانت بتساعدني بقالها سنين، وكانت دايمًا خايفة عليا.
أنا أصلًا عشت فترة طويلة معتمدة على نفسي، ومفيش حد قريب مني غير سارة.
لما اتجوزت طارق، حماتي جت تعيش معانا بحجة إنها تساعدني خلال فترة الحمل.
وفي الوقت ده، دادة فاطمة حذرتني وقالت لي:
“خلي بالك، المنظر من بره حاجة، والحقيقة ممكن تكون حاجة تانية.”
طارق كان شكله محترم ووسيم، وده كان من الأسباب اللي خلتني أتعلق بيه في البداية.
لكن دادة فاطمة كانت دايمًا شايفة إن شخصيته مش زي الصورة اللي بيظهر بيها للناس.
وأنا كنت عارفة إنها بتتكلم من خوفها عليا.
لكن اللي هي ما كانتش تعرفه إن أنا كمان كنت مرتبة كل حاجة في دماغي وحاسبة خطواتي.
لما لقتني هادية، قالت:
“قال حلمت بيه قال! أنا شايفة إنها حكاية عملتها عشان تخلي ابنها يمشي وراها.”
ضحكت وقلت:
“يمكن حمايا الله يرحمه حب يفكرهم بيه وخلاص.”
دادة فاطمة بصت لي باستغراب.
كانت متوقعة تشوفني منهارة بعد ما طارق وأمه مشيوا، لكن بالعكس، كنت هادية جدًا.
ابتسمت وقلت لها:
“على بعد الظهر العربية هتيجي وننقل كل حاجتك. أنا كمان رتبت موضوع الشقة وسلمتها للمالك. أهم حاجة دلوقتي إنك ترتاحي وتهدي، وأول ما نخلص النقل هنروح المستشفى.”
أنا كنت حاجزة مكان مميز في مستشفى خاص من فترة، وكل الترتيبات كانت ماشية من بدري.
بعد ما سارة رتبت معايا كل حاجة، راحت تتكلم مع دادة فاطمة وقالت لها إنها لازم تجهز حاجتها هي كمان وتتحرك معانا.
دادة فاطمة في البداية ما كانتش فاهمة إحنا ليه بننقل فجأة.
لكن لما شافت حركة النقل وإنهاء عقد الشقة، بدأت تفهم إن الموضوع كله له علاقة بطارق.
وسارة كانت عارفة التفاصيل من البداية.
الحقيقة إن طارق ما كانش الشخص المثالي اللي كنت متخيلاه.
أنا كنت شايفة فيه مواصفات معينة، من الشكل للتعليم وطريقة التفكير، وكنت عايزة يكون عندي أطفال بمستقبل كويس.
وفي يوم كنت شايفة إن المواصفات دي متوفرة فيه.
لكن بعد اللي حصل، فهمت إن الإنسان ممكن يركز في جوانب معينة وينسى أهم حاجة: الأخلاق والمسؤولية.
على بعد الظهر، وبعد ما خلصنا إجراءات الشقة، عدّيت على مكان تاني كنت مجهزاه من فترة ومحدش يعرف عنه حاجة.
أخدت منه كام غيار وحاجات شخصية، وبعدها طلعت على المستشفى عشان أستعد للولادة.
في الوقت ده، تليفوني كان بيرن باستمرار.
طارق كان بيبعت:
“يا منى، إنتِ وقفتِ البطاقة ليه؟ أنا وأمي كنا بناكل في المطعم ولما جينا ندفع الحساب اتفاجئنا إنها مش شغالة!”
وبعدها:
“ابعتي فلوس بسرعة، إحنا مش عارفين نتصرف.”
وبعدين رسايل أكتر:
“منى، في إيه؟ بقالي ساعة ببعت وإنتِ مش بتردي.”
أنا ما كانش عندي استعداد أدخل في نقاش.
قفلت كل وسائل التواصل معاه.
لحد اللحظة دي، كان عايش في اعتقاد إن أول ما أولد، هبقى محتاجة له وهيرجع يتحكم في حياتي.
بعد ساعات طويلة من المتابعة الطبية، ربنا كرمني وقمت بالسلامة، وجبت توأم، ولد وبنت، زي القمر.
كنت تعبانة جدًا، والممرضة دخلت بالأطفال وقربتهم مني.
قالت:
“ألف مبروك، ربنا يبارك لك فيهم.”
بصيت لملامحهم الصغيرة وابتسمت.


