روايات وقصص

عمري ما قولت

كريم أخد الورقة.

قراها.

وشه اتغير.

أنا سألته:

إيه؟

ما ردش.

عمّه أخد الورقة منه، وقراها هو كمان.

وبص لنوال باستغراب.

إنتِ عملتي كده فعلًا؟

نوال بدأت تبكي.

أنا ماكنتش أقصد توصل لكده.

كريم أخد الورقة من إيده.

إيه اللي حصل؟

عمه قال:

دي ورقة من المستشفى.

كريم اتوتر جدًا.

مستشفى؟

عمّه بص لنوال.

الورقة دي بتثبت إن ليان كانت محتاجة رعاية خاصة وهي صغيرة، وإن حد من العيلة رفض يساعد في المصاريف.

أنا بصيت لنوال.

إنتِ؟

نوال ما ردتش.

كريم فهم.

عشان كانت بنت مريم؟

نوال جلست على الكرسي وهي في حالة انهيار من الندم.

كنت فاكرة إنك هتسيبها بعد ما تتجوز.

كريم بص لها للحظات.

وبعدين قال:

وإنتِ كنتِ مستنية بنت عندها خمس سنين عشان تثبتيلي إنها مش بنتي؟

نوال غطت وشها بإيديها.

أنا حسيت إن صدري اتقفل.

لكن المفاجأة الأكبر لسه ماخلصتش.

عمه فتح درج جانبي في بوفيه السفرة.

طلع ملف قديم.

في حاجة تانية.

حط الملف قدام كريم.

أنا لقيت ده من أسبوعين، وكنت مستني أتأكد قبل ما أتكلم.

كريم فتح الملف.

وكان جواه عقد بيع.

لعقار باسم والد كريم.

العقار اللي كانت نوال طول السنين بتقول إن نصيب كريم فيه اتصرف عليه.

كريم قلب الصفحات بسرعة.

دي إمضا أمي؟

عمه هز راسه.

أيوه.

والفلوس؟

دخلت حسابها.

نوال رفعت رأسها.

كنت محتاجة الفلوس!

كريم ضحك بمرارة.

محتاجة الفلوس لدرجة إنك بعتي نص ورثي من غير ما تقولي؟

نوال بكت:

كنت عايزة أضمن مستقبلي.

وأنا؟

سكتت.

أنا كنت إيه في حساباتك؟

ما ردتش.

كريم قفل الملف.

وقال جملة هزت البيت كله:

من النهارده، إنتِ مش أمي في حياتي اليومية.

نوال قامت.

كريم!

هتفضلي أمي.

صوته كان هادي.

لكن مش هتكوني جزء من بيتنا.

بص ناحية ليان.

ومش هتكوني جزء من حياة بنتي إلا لو هي بنفسها اختارت ده يومًا ما.

نوال قربت من ليان.

أنا آسفة.

ليان فضلت ساكتة.

نوال نزلت لمستواها.

والله ماكنت أقصد أوجعك.

ليان بصت لها فترة طويلة.

وبعدين قالت:

أنا مش زعلانة عشان الشمعة.

نوال بدأت تبكي.

عارفة.

أنا زعلانة عشان كل مرة كنتِ بتخليني أحس إني أقل من إخواتي.

سكتت.

وبعدين قالت:

وأنا مش عايزة أفضل مستنية منك تحبيني.

الجملة كانت بسيطة.

لكنها كسرت نوال تمامًا.

بعدها بأسبوع، كريم نقل كل حساباته المشتركة مع والدته، وبدأ الإجراءات القانونية الخاصة بالعقار.

ولأول مرة، ماحاولش يبرر لها.

ولا راح يصالحها عشان دي أمه.

أما أنا، فكنت فاكرة إن الموضوع انتهى.

لكن بعد شهر، حصل شيء غريب.

وصل ظرف لبيتنا.

مفيهوش اسم مرسل.

فتحته.

جواه رسالة بخط نوال.

لكن مش ليا.

لليان.

كانت بتقول:

يا ليان، أنا عارفة إن كلمة آسفة مش كفاية. وعارفة إنك مش مضطرة تسامحيني. أنا قضيت سنين أحاول أخليكي تحسي إنك مش من العيلة، وفي الآخر اكتشفت إنك أكتر واحدة فيهم كان عندها قلب.

ليان قرت الرسالة كلها.

وبعدين طوتها.

حطتها في درج مكتبها.

وسألتني:

ماما؟

نعم؟

ممكن أحتفظ بيها؟

ابتسمت.

طبعًا.

قالت:

عشان لما أكبر، أبقى فاكرة إني اخترت أسامح مش عشان هي تستاهل، عشان أنا ماحبش أبقى شبهها.

وقتها حسيت إني أخيرًا فهمت كل حاجة.

بعد ست شهور، كان عندنا عيد ميلاد ليان الثامن.

البيت كان مليان أطفال، بالونات، تورتة كبيرة، وضحك.

كريم كان بيحاول يشعل الشموع وهي بتجري منه.

وفجأة جرس الباب رن.

فتحت.

كانت نوال.

واقفة لوحدها.

من غير هدايا.

ومن غير ما تدخل.

بصت لي وقالت:

ممكن أشوفها؟

بصيت ناحية ليان.

ماكانش لازم أقرر مكانها.

ليان هي اللي قامت.

مشيت لحد الباب.

نوال نزلت لمستواها.

كل سنة وإنتِ طيبة.

ليان بصت لها.

وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة.

شكرًا.

نوال دموعها نزلت.

ينفع أحضر؟

ليان سكتت شوية.

وبعدين قالت:

ينفع بس عندي شرط.

نوال هزت راسها بسرعة.

أي حاجة.

ليان قالت:

ماتقوليش تاني بنت كريم.

نوال حطت إيدها على قلبها.

مش هقولها.

ليان ابتسمت.

قولي اسمي.

نوال ضحكت وسط دموعها.

ليان.

ودخلت.

لكنها ماقعدتش مكانها القديم.

قعدت في آخر الترابيزة.

وماطلبتش حد يخدمها.

ولا حاولت تتحكم في حاجة.

وبعد شوية، كريم وقف جنب ليان وهي بتطفي الشموع.

كل الأطفال قالوا:

عيد ميلاد سعيد يا ليان!

ليان بصت لأبوها.

وبعدين بصت لي.

وقالت:

ماما، أنا كده عندي عيلة بجد، صح؟

حضنتها وقلت:

عندك عيلة اختارتك كل يوم.

أما الشمعة القديمة؟

ليان ما رمتهاش.

احتفظت بيها.

مش لأنها بتحبها.

لكن لأنها كانت أول مرة اكتشفت فيها إن قيمتها مش بتتحدد بالهدية اللي حد يديهالها، ولا بالكلمة اللي يكتبها على ورقة.

ومن يومها، لو حد سألها:

إنتِ بنت مين؟

كانت تبتسم وتقول:

أنا ليان بنت ماما، وبنت بابا، والبنت اللي اختارت عيلتها تختارها.

وبالنسبة لنوال؟

فضلت تزورنا من وقت للتاني، لكن العلاقة اتغيرت للأبد.

ما رجعتش تتحكم.

ما رجعتش تقلل من ليان.

والأهم:

إنها فهمت أخيرًا إن العيلة مش بالقرابة بس.

العيلة هي الناس اللي لما الدنيا كلها تقول لك إنت مش مننا، يفتحوا لك الباب ويقولوا:

إنتِ مننا ومكانك هنا.

وده كان بالضبط الشيء اللي نوال حاولت تمنعه عن ليان سبع سنين كاملة.

وفي الآخر، البنت الصغيرة هي اللي علمتها معناه.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى