
.كانت مريم واقفة جنب كرسيه، ماسكة إبريق قهوة فضي بإيد، وحاسة بشكل مؤلم إن فستان الخادمة الأسود شادد على منحنيات جسمها، ومدركة إنها للتو قاطعت اجتماع، والساعة الأرخص على الترابيزة غالبًا تمنها أغلى من عربيتها.
رفع أحمد عينيه ببطء من على الخطاب الأصفر القديم المفروش تحت النجفة.
كان عنده تمانية وتلاتين سنة، ومن النوع اللي الجرائد بتسميه “مستثمر عقارات”، بينما المحققين كانوا بيوصفوه بكلام أكتر حذرًا.
شركة المرادي للتطوير العقاري كانت بتملك فنادق، ومحطات شحن، وشركات مقاولات، ونص أملاك الواجهة البحرية تقريبًا من بوسطن لبروفيدنس.
لكن المنظمة اللي مستخبية ورا الشركات دي كانت أقدم بكتير.
وأخطر بكتير.
رجع أحمد بضهره لورا في الكرسي.
— إنتِ تقدري تقري ده؟
كان في نبرة سخرية واضحة في صوته.
مريم عرفت النبرة دي كويس.
الناس كانوا بيستخدموها لما يكونوا خلاص قرروا هي إيه قبل حتى ما تفتح بُقها.
خدامة.
تخينة.
عندها اتنين وتلاتين سنة.
لابسة نضارة.
ومحدش شايفها.
بصت مريم للخطاب تاني.
— أيوه.
واحد من المتخصصين ضحك.
وبعده واحد تاني.
طرف شفايف أحمد اتحرك بابتسامة صغيرة.
مسك الورقة القديمة من الغلاف الواقي، وزقها ناحيتها.
— اقريها صح، وهديكي مليون دولار.
الضحك زاد.
لكن مريم ما ضحكتش.
حطت إبريق القهوة على جنب.
وبعدين انحنت فوق الخطاب.
أول سطر كان مكتوب بخط إيطالي قديم يرجع للقرن التمنتاشر. أجزاء منه كانت مختصرة باللاتينية، وبعض إشارات الملكية كانت مكتوبة بطريقة تجارية فرنسية قديمة، والأرقام الموجودة بين الكلمات ما كانتش أرقام أصلًا.
حست إن جزء قديم جدًا جواها بدأ يصحى.
الجزء اللي دفنته تحت فواتير المستشفى، والشيفتات الإضافية، والإيجار المتأخر، وسنين كاملة وهي بتقنع نفسها إن الحاجة الوحيدة اللي كانت شاطرة فيها زمان مبقتش ليها لازمة.
الناحية التانية من الترابيزة كانت قاعدة الدكتورة نادية راضي، واحدة من أشهر خبراء المخطوطات في العالم، وتعبير وشها كان واضح إنه بيقول إن وجود مريم بقى شخصيًا مستفز ليها.
قالت نادية:
— إحنا ترجمنا الجزء ده بالفعل.
ضيقت مريم عينيها.
— لأ. إنتوا ترجمتوا الكلمات.
عقدت نادية دراعاتها.
— وفي فرق؟
— أيوه.
أشارت مريم لأول عبارة.
— الجملة دي مش معناها: “الحساب الشمالي لسه تحت حماية البيت”. مش هنا.
عيني نادية ضاقت.
— ده بالضبط معناها.
— بالإيطالي الحديث، آه.
خبطت مريم بصباعها على اختصار باهت.
— لكن كلمة “كاسا” هنا مش معناها مبنى. معناها عيلة التاجر اللي كانت بتضمن الصفقة.
ابتسمت نادية ابتسامة باردة.
— وإنتِ عرفتي الكلام ده منين؟
— جدي كان بيرمم دفاتر تجارية تالفة لجمعيات تاريخية.
ابتسامتها بقت أبرد.
— يا سلام… حاجة لطيفة أوي.
بصتلها مريم مباشرة.
— هو كمان علّمني إني ما أترجمش ست سطور غلط ورا بعض.
حد من الموجودين كح.
أحمد لف وشه شوية، لكنه ما لحقش يخبي الحركة الصغيرة عند طرف شفايفه.
نادية وشها احمر.
اختفت ابتسامة أحمد في نفس اللحظة تقريبًا.
وقال:
— كمّلي.
كملت مريم.
بهدوء.
الخطاب ما كانش معمول عشان يتترجم كلمة بكلمة.
كان معمول عشان معناه يعيش حتى لو وقع في إيد حد بيعترض طريقه.
جمل عادية كانت بتخبي وراها معاني خطيرة.
الشحنة كان المقصود بيها حساب.
والمفاتيح كان المقصود بيها سلطة.
والقمح كان المقصود بيه أملاك.
أما العلامة اللي على شكل ذئب، واللي جنبها تلات أرقام متكررة، خلت معدة مريم تتقبض.
قرأت التسلسل مرتين.
أحمد لاحظ.
— في إيه؟
رفعت مريم عينيها.
— كاتب الخطاب كان متوقع إن حد تاني يشوفه.
مال أحمد لقدام.
— عرفتي إزاي؟
— لأن الجمل اللي ملهاش أهمية مكتوبة كاملة. لكن الجمل المهمة متقطعة بين أنظمة مختلفة.
فضل أحمد مركز عينيه على وشها.
— وبتقول إيه؟
بلعت مريم ريقها.
وبعدين قالت:
— الذئب ما ماتش.
كل الموجودين حوالين الترابيزة تقريبًا حبسوا نفسهم.
كملت:
— هو ورث المفاتيح.
ملامح نادية اتغيرت.
لثانية واحدة بس.
لكن مريم شافتها.
وأحمد شافها كمان.
بصت مريم ناحية العلامة مرة تانية، وبعدين سألت:
— الذئب ده معناه إيه؟
وده كان السؤال اللي خلّى كل راجل موجود على الترابيزة يبص للتاني في صمت.
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️الفصل الثاني
ماحدش رد على سؤال مريم.
الصمت اللي نزل على الغرفة المرة دي ماكانش صمت استغراب.
كان صمت خوف.
مريم بصت في وشوشهم واحد واحد، ولأول مرة فهمت إن العلامة اللي شافتها على الخطاب مش مجرد رمز قديم.
دي كانت حاجة هما كلهم عارفينها.
وأحمد بالذات.
رفع أحمد إيده بهدوء.
— كل الناس تخرج.
الدكتورة نادية انتفضت.
— أحمد، أنا—
— قلت الكل.
نبرته ما ارتفعتش.
لكن محدش فكر يعترض.



