منوعات

نجاة وكشف مستور ج حكـايات مني السيد

أمي فضلت متسمّرة قدام التليفزيون، عينيها مبرقة في وشي زي البومة، شفايفها بتتحرك من غير صوت، وصوابع إيدها بتفرك في أطراف الطرحة برعشة مش عارفة تداريها.

على الناحية التانية من الخط، صوت طارق جه متلخبط ومخضوض:

“دنيا؟ إنتي كويسة؟ فيكي إيه؟ مالها دينا؟”

بصيت لأمي في عينها مباشرة، وعليت صوتي عشان كل حرف يوصل لها:

“أنا كويسة يا طارق… بس محتاجاك تسبقني على كلية صيدلة حالا. دينا هناك، وفي حاجة لازم تلحقها قبل ما تحصل… ومتسألش، دقايق وأكون عندك قدام باب الكلية.”

قفلت السكة في وشه قبل ما يديني فرصة يتكلم.

أمي فجأة نطت من مكانها بخفة متجيش على سنها ولا على التعب اللي كانت بتشتكي منه طول الوقت. مسكت دراعي بقوة وقالت:

“إنتي هتقولي إيه للواد يا بنت؟! إنتي اتهبلتي؟! هتروحي تفضحيني وتخربي على أختك بعد ما الواد جه برجله؟! إنتي إيه يا شيخة، الغيرة عمتك للدرجة دي؟!”

ضحكت. ضحكة طلعت من قعر صدري، موجوعة ومخنوقة، بس مليانة غضب.

نفضت إيدها من على دراعي بحركة واحدة قوية، خلتها ترجع خطوتين لورا وتسند على ترابيزة الصالون، والفازة الكريستال اللي عليها اتهزت ورنت رنة مكتومة.

“غيرة؟”

قولت الكلمة وأنا بقرب منها، وشي في وشها:

“إنتي لسه عندك حيل تلبسي توب الضحية وتقولي غيرة؟ الغيرة دي اللي تخلي أم تسيب بنتها تتصاب في أوتوبيس عشان مش قادرة تشيل هم مصاريفها؟ الغيرة دي اللي تخليكي تبيعي كرامتي ووجعي وكسرة قلبي عشان بنتك التانية تتدلع على الجاهز؟”

وشها اتسحب منه كل نقطة دم. بؤها اتفتح كإن الهوا شح في الشقة، وصوتها طلع مبحوح ومشروخ:

“إنتي… إنتي سمعتيني بالليل؟”

“سمعتك يا أم البركة. سمعتك وإنتي بتعددي مخاوف الدنيا لبنتك حبيبتك عشان تحميها، وبتضحكي وتقولي الهبلة صدقت إني هموت في الرابعة…

أنا سجلت كل كلمة، من أول الشاي بالنعناع لحد الحادثة بتاعتي وإنتي بتقولي دنيا حيطة سد، بتستحمل الوجع.”

طلعت الموبايل ورفعته قدام وشها، الشاشة نورت بملف الصوت.

أمي عينيها زاغت، ومدت إيدها برعشة عشان تاخطف التليفون، بس كنت أسرع منها. حطيته في جيب البنطلون وسحبت مفاتيح الشقة وشنطتي من على الجزامة.

“ورحمة أبوكي ما هتطلعي من الباب ده!”

صرخت وهي بتجري تقف ورا الباب، فاردة دراعاتها، وشعرها الأبيض هايش تحت الطرحة:

“عايزة تدمّرينا يا دنيا؟! عايزة تفضحينا قدام الناس وتقولي إن أمك بتدعي معرفة الغيب؟! ده أنا ربيتك بدم قلبي! ده أنا سهرت عليكي الليالي وإنتي رجلك متجبسة ست شهور! ده جزاتي؟ ده رد الجميل؟!”

وقفت قدامها، وبصيت في عينيها بنظرة خلتها ترجع كتافها لورا غصب عنها.

كانت نظرة واحدة شافت الحقيقة كاملة، ومبقاش عندها حاجة تخسرها.

“إنتي سهرتي عليا عشان تداري غلطك… سهرتي عشان ضميرك اللي كان بيلومك، ده لو كان لسه فيكي ريحة ضمير.

افتحي الباب يا تيسير، أحسن وقسماً برب العزة، لتكون الجيران كلها ملمومة عليكي دلوقتي وتسمع كل حاجة على الملأ في بير السلم.”

أمي بصتلي، وشافت في عيني الجنون اللي هي زرعته بإيدها.

إيدها نزلت من على كورة الباب ببطء، ولسانها بيتلعثم:

“دينا… دينا هتضيع يا دنيا! الأسانسير هيقع بيها! لو إنتي مش فارقة معاكي أمك، متوجعيش قلبك على أختك؟ دي أختك التوأم! حتة منك!”

فتحت الباب الحديد، ورزعته ورايا بصوت هز العمارة، ونزلت السلم جري.

وأنا نازلة، صوت رنين في راسي كان بيلف:

“دينا أختك… دينا حتة منك…”

كنت بضحك من التوتر وأنا بمد في الشارع عشان ألحق تاكسي.

أختي اللي لما كنت بقوم بالليل أعيط من وجع رجلي، كانت بتشد الغطا على وشها وتقولي:

“وطي صوتك يا دنيا، مش عارفة أنام وعندي مدرسة بكرة!”

أختي اللي لما شافت طارق، الراجل اللي دخل قلبي وعاش فيه، مدت إيدها وأخدته، وجاية دلوقتي تتباكى عليا وتقولي: “إنتي زعلانة؟”

شاورت لتاكسي على شارع الخليفة المأمون، ركبت ورزعت الباب:

“جامعة عين شمس، كلية صيدلة، واطلع بأقصى سرعة عندك يا أسطى، هديك اللي تطلبه!”

السواق داس بنزين، وأنا كنت بفرك في ركبتي الشمال.

الشمس كانت بدأت تسخن الإسفلت، والزحمة عند كوبري الفنجري كانت شديدة.

فتحت الواتساب، لقيت رسايل من طارق:

“أنا وصلت قدام البوابة الرئيسية. دنيا، فهميني في إيه؟! تليفون دينا مقفول! أنا واقف عند الكشك اللي قدام صيدلة، ردي بسرعة!”

كتبتله وإيدي بترجف:

“روح فوراً على مبنى المعامل القديمة. امنع دينا تركب أسانسير المبنى بأي شكل. لو شفتها داخلة، شدها من إيدها، متخليهاش تركب!”

بعتت الرسالة، ورميت التليفون في الشنطة.

السواق كان بيزمر وبيجادل مع ميكروباص، وصدري كان بيعلى ويهبط زي ما أكون بجري في ماراثون.

أنا ليه بعتله الرسالة؟

ليه منعت الحادثة؟

فضلت أسأل نفسي السؤال ده طول الطريق.

هل عشان أنا طيبة؟ هبلة؟ ملاك؟

لأ.

أنا مكنتش عايزة دينا تختفي وهي فاكرة نفسها مظلومة، ومكنتش عايزة أمي تعيش دور الأم المكلومة اللي القدر خطف بنتها، وتفضل تقنع نفسها إني أنا السبب عشان مأنقذتهاش!

أنا كنت عايزاهم يفضلوا عايشين، يصحوا كل يوم ويبصوا في المراية، ويشوفوا حقيقتهم.

أنا مكنتش ناوية أسيبهم يهربوا من نتيجة اختياراتهم.

وصلت الكلية بعد نص ساعة طلعت روحي فيها.

رميت للسواق خمسين جنيه وفتحت الباب ونزلت. كنت بعرج بس بسرعة، خطوة والتانية.

الأمن كان هيوقفني على البوابة، طلعتلهم كارنيه الجامعة القديم وزقيت نفسي وسط الطلبة.

أول ما دخلت ممر المعامل القديم، لقيت هرج ومرج.

صوت صراخ وبنات بتجري، وعمال بالبلاطي الزرقا شايلين معدات وخراطيم، والناس ملمومة حوالين بير الأسانسير في الدور الأرضي.

تراب أبيض كان طالع من فتحة الباب الحديد، وصوت هبدة مكتومة كانت لسه بتتردد في جدران المبنى القديم المتهالك، وريحة سلك محروق ملت الطرقة.

رجلي وقفت مكاني.

قلبي سقط في بطني.

اتأخرت؟

زقيت الطلبة، بدخل بجسمي وسط الزحمة:

“أوعى يا كابتن! وسع من هنا!”

شفت طارق.

كان واقف على بعد خمس خطوات من باب الأسانسير المخلوع، قميصه الكحلي غرقان تراب وعرق، ودراعه اليمين مصاب إصابة بسيطة، وكان ماسك دينا من كتافها!

دينا كانت قاعدة على الأرض مسندة ضهرها على عمود خرسانة، بتصرخ من الخوف ورجليها بتترعش، وجزمتها مقطوعة من الجنب، وشعرها منكوش على وشها، وعينيها مبرقة في البير الفاضي بتاع الأسانسير اللي كان السلك بتاعه مقطوع ومترمي تحت في البدروم بعد ما حصل عطل مفاجئ!

“الحمد لله… الحمد لله يا رب!”

صوت واحدة من البنات كان طالع جنبها:

“لولا الأستاذ ده جه في آخر ثانية وشدها من التيشيرت قبل ما تخطي جوة، كانت وقعت مع الصندوق في البير!”

طارق كان واقف بينهج، صدره بيطلع وينزل بخوف، وبيبص للبير وإيده بتترعش.

فجأة، طارق رفع عينه وسط الناس…

وشافني.

اتقابلت عيوننا وسط الدخان والتراب وصوت البنات وزعيق الأمن.

عينيه كانت بتسأل مليون سؤال. رعشة جسمه كانت بتقول إنه فهم إن في حاجة ورا الموضوع، بس مكنش عارف حجم المشكلة اللي هو دخل فيها.

قربت منهم بخطوات بطيئة.

كل دبة على السيراميك برجلي الشمال كانت بتفكرني باليوم اللي أمي سابتني أركب الأوتوبيس، اليوم اللي حسيت فيه إن كل حاجة اتغيرت ومحدش مد إيده يساعدني، زي ما طارق ساعد أختي النهاردة.

دينا رفعت راسها وشافتني.

أول ما شافتني، اترمت في حضني وصوت شهقاتها كان طالع زي العيال الصغيرة:

“دنيا! شوفتي اللي كان هيحصلي؟! الأسانسير نزل بيا وبصحابنا تحت! الأسانسير حصل له عطل يا دنيا! كنت هضيع! والله كنت هضيع!”

حضنتها؟

إيديا فضلت مدلدلة جنبي.

ملمستهاش.

بصيت لطارق وقلتله بصوت هادي أوي، نبرة باردة لدرجة إن الطلبة اللي حوالينا بدأوا يسكتوا ويبصولنا باستغراب:

“خدها في عربيتك، وروحوا على البيت. أمك مستنياكم هناك.”

طارق بلع ريقه، وقرب مني خطوة:

“دنيا… إنتي عرفتي منين؟ الرسالة اللي بعتيهالي… إنتي قولتيلي متخليهاش تركب كإنك كنتي عارفة إن السلك هيتقطع!”

ابتسمت، نص ابتسامة باهتة وهادية:

“روحوا البيت يا طارق، وهناك… كل الأسئلة بتاعتك هتتجاوب عليها على الجاهز.”

سيبتهم ولفيت ضهري.

دينا فضلت تنادي عليا وهي متبهدلة، بس مالتفتش.

خرجت من باب الكلية، وقفت في الشارع واشتريت إزازة مية ساقعة، غسلت وشي، ومسحت رقبتي، وطلبت أوبر عشان يوديني على البيت.

طول السكة، كنت مشغلة التسجيل في ودني بالسماعات.

كنت بسمع صوت أمي وهي بتضحك وتقول:

“الهبلة صدقت إني هموت في الرابعة… ده كلام بقوله لأختك عشان تمشي على العجين متلخبطوش… ودنيا حيطة سد، بتستحمل.”

كنت بسمع وأنا ببتسم.

الوجع اللي كان في قلبي الصبح اتبدل ببرود جليدي، البرود اللي بيخلي الإنسان يبص للحقيقة من غير ما يهرب منها.

وصلت البيت.

العربية بتاعة طارق كانت راكنة تحت البوابة، راكنة بعوجة وبسرعة.

طلعت السلم خطوة خطوة، بالراحة، متأنية كإني رايحة مناسبة.

باب الشقة كان موارب، وصوت دينا وهي بتعيط وأمي وهي بتهدي فيها وتملس على شعرها كان طالع لبير السلم.

زقيت الباب ودخلت.

الصالون كان ملموم فيه التلاتة.

دينا قاعدة على الكنبة الكبيرة، لافة نفسها ببطانية خفيفة، وشها أبيض كإنه مدهون جير، وكوباية ليمون بنعناع في إيدها.

أمي قاعدة جنبها بتبوس في راسها وبتقول وهي بتمثل الخوف والدموع:

“يا حبة عيني يا بنتي! الحمد لله إن ربنا نجاكي! ألف حمد وألف شكر ليك يا رب، سترت معانا ورجعتيهالي بالسلامة!”

وطارق كان واقف ساند ضهره على النيش، باصص للأرض، رابط دراعه بمنديل قماش عشان الإصابة، ووشه فيه حيرة وغضب بيكبر.

أول ما عتبت برجلي في الصالة، أمي بصتلي.

شفت في عينيها مزيج غريب من الخوف والارتياح؛ ارتاحت إن بنتها دينا عايشة ومحصلهاش حاجة، وخافت إن السر بتاعها هيفرقع في وشها.

“دنيا!”

طارق نطق اسمي وهو بيتحرك ناحيتي:

“فهميني بقى… فهميني إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟! إنتي عرفتي منين إن الأسانسير هيقع؟! وليه أختك كانت رايحة وهي مش عارفة، وإنتي اللي بتبعتيلي ألحقها؟! في إيه في البيت ده مريب ومحدش عايز يقوله؟!”

دينا رفعت راسها من حضن أمي، عينيها المورمة بصتلي بذهول:

“إنتي… إنتي كنتي عارفة يا دنيا؟”

أمي قامت وقفت فجأة، وحاولت تعلي صوتها وتزعق عشان تغطي على الموقف:

“عارفة إيه يا ابني وإيه الكلام ده؟! إحساس يا طارق! إحساس أخوات وتوأم! البنات التوأم بيحسوا ببعض من على بعد بلاد! دنيا جالها انقباضة في قلبها فاتصلت بيك، مفيهاش لغز يعني! المهم إن البت سليمة قدامنا، اذكروا الله وصلوا على النبي و…”

“بس يا تيسير.”

الكلمة طلعت مني بصوت واطي، بس رنت زي الرصاصة.

الصالون كله سكت.

طارق اتنطر مكانه، ودينا بؤها اتفتح بصدمة.

عمري ما ناديت أمي باسمها الحاف، عمري ما اتجرأت أعلي صوتي عليها من يوم ما اتولدت.

أمي عينيها برقت بغل وقالت بصوت واطي مليان تهديد:

“إنتي نسيتي نفسك يا بت؟ بتكلمي أمك كدة؟! ادخلي على أوضتك ومسمعش حسك لحد ما الحساب يجمع بيني وبينك!”

قربت من ترابيزة الصالون الكبيرة اللي في النص.

طلعت موبايلي من الشنطة، وحطيته على الترابيزة الرخام.

بصيت لطارق، وقلتله:

“إنت سألتني سؤال يا طارق، والصبح كنت بتسألني ليه طلبتك… ودلوقتي جه الوقت اللي تسمع فيه الإجابة.

عشان من حقك تعرف مين الناس اللي كنت هتدخل بيتهم وتأتمنهم على اسمك وحياتك.”

“دنيا! متعمليش كده!”

أمي صرخت بصوت مفزوع، ورمت نفسها على الترابيزة عشان تاخد التليفون.

بس طارق، بحركته السريعة، حط إيده السليمة وحجز أمي ورا ضهره، وعينيه بقت حمرا وهو باصصلي:

“إيه اللي على الموبايل ده يا دنيا؟”

“في الحقيقة اللي خلتني من سبع سنين أكسر قلبك وأقولك إني مش عايزاك.”

طارق اټصدم.

جسمه اتخشب، وعينيه لمعت بذهول:

“إيه؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى