
فتحت الموبايل، وشغلت السماعة الخارجية على أعلى صوت، ودُست على زرار التشغيل.
الصوت طلع في الصالون النضيف، صوت نقي، مفيهوش غلطة.
صوت أمي وهي بتشرب شاي بالنعناع:
“ينسى ولا مينساش، بكره يتعود… الرجالة يا بت زي العجين، اللي تعجن وتخبز على إيدها هي اللي تاكل الرغيف في الآخر… عايزاني أسيب نعمة زي دي تروح لدنيا؟ دنيا جدعة، دنيا ميتخافش عليها، تاكل الصخر وتعيش في أي حتة… إنما إنتي عودك طري يا دينا…”
طارق عينه وسعت، وبص لدينا اللي كانت قاعدة على الكنبة بتترعش والدموع بتنزل من عينيها بغزارة، بس دموع خجل وندم.
الصوت كمل في التسجيل.
صوت دينا وهي بتسأل:
“طب لو عرفت يا ماما؟ لو حست بحاجة؟”
ورد أمي اللي رج الصالون بكلامه:
“هتعرف منين يا خايبة؟… دنيا أصلاً حاطة في دماغها إني لو قولت التحذير الرابع دمي هيقف وهموت مكاني. البت بتصحى بالليل تتأكد إني بتنفس! دي بتطبخلي وتغسلي وتقص ضوافر رجلي عشان خايفة عليا من الهوا الطاير. الهبلة فاكرة إنها شايلة روحي في إيدها، مبتشكش فيا بربع قرش…”
أمي سقطت على ركبها على السجادة، وحطت إيديها الاتنين على ودنها وصرخت:
“اقفليييييييييه! اقفلي الكلام ده يا دنياااا!”
لكن التسجيل مكنش لسه خلص.
الحتة اللي جاية كانت الضربة القاضية.
صوت دينا:
“والحادثة بتاعة زمان… لما كان عندها تلاتاشر سنة؟”
وصوت أمي، البارد، الميت، اللي مفهوش إحساس:
“شفتها… وعرفت إن الأوتوبيس هيعمل حادثة. بس أبوكي كان عيان ومصاريفنا كتير وأنا مكنش فيا حيل، وشفت إن دنيا مش هتموت، قولت هتستحمل الإصابة والوجع وتعدي.”
سكت التسجيل.
الصمت اللي نزل على الصالون مكنش صمت عادي، كان صمت تقيل.
صمت لدرجة إنك تسمع صوت نفس دينا وهي بتشهق في هدوء، وصوت تكات الساعة المعلقة على الحيطة:
تك… تك… تك…
طارق فضل واقف مكانه.
وشه اتحول لكتلة من الشمع الأصفر.
كان بيبص لأمي اللي قاعدة على الأرض مدلدلة راسها ومش قادرة ترفع عينها فيه، وبعدين لف عينه لدينا، اللي كانت دفنت وشها في المخدة وبتعيط بشدة.
وفي الآخر… طارق بصلي أنا.
بص لرجلي الشمال، للعلامة الطويلة اللي بارزة ورا ركبتي تحت طرف البنطلون، العلامة اللي كان بيشوفني بداريها طول سنين الجامعة وبيشوفني بعرج عليها في السقعة وبسكت.
دمعة نزلت من عين طارق، دمعة راجل اتكسر قلبه في لحظة:
“إنتي… إنتي عملتي فيا كدة علشان كدبة؟ عشان خايفة عليها تضيع؟”
هزيت راسي بالنفي، ودموعي كانت بتنزل هادية وباردة:
“أنا مكنتش بحميك من كرهي ليك يا طارق… أنا كنت بحميها هي من المصير اللي افتكرته هيجيلها بسببي.
قولت لنفسي طارق هيعيش وهينسى، بس أمي لو راحت مش هسامح نفسي طول العمر…
وفي الآخر، طلعت هي اللي باعتاني من أول يوم.”
طارق اتنفس بصوت عالي كإنه بيغرق، لف وشه وبص لدينا، وبنبرة مليانة غضب وحزن:
“وإنتي كنتي عارفة؟ كنتي عارفة كل ده وجاية تضحكي في وشي وتقوليلي بحبك؟ كنتي قاعدة هنا بتخططي إزاي تاخدي مكان أختك اللي ضحت برجليها وقلبها عشان خاطر كدبة زي دي؟”
دينا كانت بتبكي وهي بتحاول تشرح:
“طارق اسمعني! والله ما كان قصدي! ماما هي اللي قالتلي، ماما هي اللي خططت لكل حاجة! أنا كنت بحبك بجد!”
“حب؟! إنتي متعرفيش يعني إيه حب أصلاً!”
طارق قالها بصوت مرتفع:
“إنتي وأمك ضيعتوا كل حاجة بإيديكم! إنتي متستاهليش الثقة اللي دنيا كانت بتديها ليكي!”
طارق مد إيده في جيبه، طلع علبة الخاتم اللي كان جايبها عشان الخطوبة، وحطها على الترابيزة قدام دينا.
وبعدين بص لأمي اللي كانت بتحاول تقرب منه:
“ابعدي عني يا ست إنتي… إنتي مش أم، إنتي إنسانة ظلمت بنتها سنين. ربنا يحاسبك على كل دقيقة وجع حطيتي فيها بنتك، وعلى كل كدبة عشمتي بيها الناس.”
طارق مشي ناحية الباب بخطوات سريعة.
وقبل ما يخرج، وقف على العتبة، وبصلي.
عينه كانت مليانة وجع وحزن ميتوصفش، مد إيده في الهوا كإنه عايز يلمسني، بس تراجع:
“أنا آسف يا دنيا… آسف إني صدقتك يوم ما قولتيلي إنك مابتحبينيش، وآسف إني كنت أعمى للدرجة دي.”
“مفيش داعي للأسف يا طارق… النصيب اتقطع من زمان، وكل واحد فينا دفع تمن غبائه وتصديقه.”
طارق بص للأرض، هز راسه بكسرة، وخرج ورزع الباب وراه، والخطوات بتاعته كانت بتنزل السلم جري ومبترجعش.
الصالون فضل فيه إحنا التلاتة.
أمي، ودينا، وأنا.
دينا كانت بتصرخ في أمها:
“خربتي بيتي! ضيعتي مني الراجل الوحيد اللي حبيته في حياتي! منك لله يا ماما! منك لله! كل ده عشان أنانيتك وعشان بتكرهي دنيا؟! عملتلك إيه دنيا عشان تعملي فيها كدة وتعملي فيا أنا كدة؟!”
أمي مكانتش بترد عليها.
أمي كانت بتبصلي أنا.
كانت بتبصلي بنظرة خوف خالص، كإنها شايفة شخص غريب قدامها.
قربت منها، ووطيت على ركبتي عشان أبقى في نفس مستواها.
ملامحي كانت هادية جداً، زي بحيرة راكدة تحتها أسرار كتير.
“عارفة يا ماما؟”
قولت بصوت واطي ومسموع ليها ولدينا:
“أنا مكنتش مستغربة إنك بتفضلي دينا عليا… طول عمرك بتعملي كده.
بس اللي كان حارق دمي، إني كنت فاكراكي بتشوفي الغيب بجد، كنت فاكرة إنك شايلة سر تقيل بيعذبك.”
أمي بلعت ريقها برعشة:
“دنيا… أنا أمك، أنا…”
“إنتي مش شايفة غيب ولا حاجة يا تيسير.
إنتي بتحبي تتحكمي فينا، ولما بتجيلك أحلام أو إحساس غريب، كنتي بتستخدميها عشان تمشينا زي العرايس.
بس خلاص… الخيوط اتقطعت النهاردة.”
قومت وقفت على حيلي، ودخلت أوضتي.
فتحت الدولاب، وطلعت شنطة السفر الكبيرة بتاعتي.
بدأت أحط فيها هدومي، كتبي، شهادة تخرجي، وأوراقي الرسمية كلها.
مسبتش ورايا فتلة واحدة.
حتى الصور القديمة اللي كانت بتجمعنا وإحنا أطفال، قطعتها نصين، أخدت الجزء اللي فيه وشي ورميت الباقي في سلة المهملات.
خرجت بالشنطة للصالة.
أمي كانت واقفة بتسند على الحيطة، عينيها ميتة ووشها باهت:
“هتروحي فين يا دنيا؟ هتسيبي بيتك؟ هتسيبي أمك وأختك والناس تتكلم علينا؟”
بصيت للبيت اللي عشت فيه أربعة وعشرين سنة.
الصالون المدهب، السجاجيد النضيفة، ريحة البخور اللي كانت أمي بتولعه كل جمعة عشان تبرك البيت…
كله كان بالنسبالي كدبة، قفص من قزاز كان حابسني جواه ومحرمني من النور.
“أنا ماليش بيت هنا يا تيسير. وماليش أم ولا أخت.
من النهاردة، إنتوا الاتنين برا حياتي تماماً.”
دينا نادت عليا وهي بتمسح دموعها بضعف:
“إنتي… متسبينيش لوحدي معاها، أرجوكي!”
بصيت لدينا بنظرة أخيرة:
“إنتي اختارتي تدلعي على حسابي سنين يا دينا… شيلي بقى مسئوليتك، واشربي من نفس الكاس اللي أنا شربت منه.
هي حبتك بزيادة، خليها تتحمل نتيجة اختياراتها.”
فتحت باب الشقة، وجريت الشنطة ورايا.
نزلت السلم، وكل خطوة كانت بتنزل بتقل، بس الوجع اللي في رجلي الشمال المرة دي كان بيخف…
كان لأول مرة من سنين بيحس بالحرية.
العلامة اللي ورا ركبتي مكنتش عار، دي كانت علامة نجاتي من سنين الخداع.
خرجت للشارع.
الهوا السخن بتاع العصر لفح وشي، وصوت دوشة القاهرة، والزحمة، والناس اللي بتجري ورا أكل عيشها، حسيت لأول مرة إني جزء من الدنيا دي، مش كائن مربوط في بيت أمه ومستني تحذيراتها.
طلعت تليفوني، ومسحت كل الأرقام.
مسحت رقم أمي، ورقم دينا، ورقم قرايبنا كلهم.
وبعدين وقفت عند رقم طارق.
فضلت باصة للاسم شوية.
صبعي فضل معلق فوق زرار المسح.
طارق راجل محترم، وحبني بجد… بس إحنا الاتنين اتكسرنا بزيادة.
لما الماضي يكون مليان وجع، مبينفعش بسهولة ترجعه زي الأول.
كل ما كان هيبص في عيني كان هيفتكر دينا، وكل ما كنت هبص في عينه كنت هفتكر الليلة اللي ضيعته فيها عشان كدبة أمي.
دوست على زرار الحذف.
تم حذف جهة الاتصال.
شاورت لتاكسي تاني، وحطيت الشنطة في الشنطة ورا، وركبت قدام جنب الشباك.
السواق سألني وهو بيبص في المراية:
“على فين يا آنسة؟”
بصيت للطريق المفتوح قدامي، الطريق السريع اللي كنت زمان بخاف منه ومبخافش من حاجة أده…
ودلوقتي شايفة فيه بدايتي الجديدة.
اتنفست نفس طويل، وحسيت بريتي بتتملى هوا نضيف لأول مرة:
“على محطة القطر يا أسطى… على إسكندرية.”
النهاية



