
يوم المزاد والوصية كنت حاسم: 5.2 مليون لبنتي الكبيرة، و5.3 للصغيرة، وزيرو للتانية. “اللي ما يعرفش قيمة أبوه ما يستاهلش قرش من فلوسه”، قلتها قدام الكل. بعد سنين، لما تعبت وبقيت محتاج المساعدة، البنتين الورثة بدأوا يرموني على بعض. ساعتها بس طلبت رقم البنت اللي حرمتها من الورث… وردها غير كل اللي كنت فاكره.
الجزء الأول
بناتي الاثنين أديتهم أكتر من عشرة مليون جنيه؛ أما بنت المحروسة اللي في النص، فما سبتلهاش ولا مليم. ولما حبيت أفتح موضوع مين اللي هيخلي باله مني ويرعاني، اضطريت أرن عليها خمسطاشر مرة عشان تفكر تراددني وتقول: «آسفة… مين معايا؟».
أنا اسمي الحاج إسماعيل، عندي 73 سنة وعايش في طنطا.
قبلها بسنة كنت بعت عقارين: بيت ورثته عن أبوي الله يرحمه، وشقة صغيرة كنت اشتريتها أيام ما كنت شغال أورجي في ورشة نجارة. جمعت بتاع 10.5 مليون جنيه.
لبنتي الكبيرة، هدى، أديتها 5.2 مليون.
وللصغيرة، ريم، 5.3 مليون.
أما مريم، بنتي التانية… ولا مليم.
ساعتها كنت مقتنع ومترأس إني أخدت القرار الصح.
هدى كانت عايشة حياتها في السليم وبتمشي جنب الحيط، شغالالها كذا سنة في مصلحة حكومية. وريم كانت متجوزة راجل بتاع أعمال، وكانت ديماً بتقول إنها محتاجة قرشين للزمن عشان تؤمن عيلتها لو الدنيا زنقت معاهم.
مريم بقى، عملت العكس تماماً من كل اللي كنت حالم بيه.
أول ما خلصت الثانوية، قعدت أزن عليها تدرس محاسبة أو تجارة أو كمبيوتر. راحت هي من ورايا عدلت الرغبات، وطارت على القاهرة عشان تدرس ترميم وتوثيق المخطوطات والورق القديم.
زعقت فيها بصوتي كله:
— يعني هتقضي عمرك تلزقي في ورق مقطوع ومهرود؟!
بصتلي وعينيها مليانة دموع:
— يا بابا، أنت مش فاهم حاجة.
الجملة دي عمرها ما راحت من بالي.
ولا عمر أصلًا نسيت أنا رديت عليها وقلت إيه:
— خلاص، اعملي اللي يريحك، بس ما تستنيش مني ولا ملطوش من البيت ده!
فضلنا عشر سنين كاملين، تقريبًا ما بننطقش كلمة مع بعض.
عشان كده، لما الروماتيزم زاد عليا وبقيت مش قادر حتى أقوم من مكاني، عزمت بناتي التلاتة على الغدا.
عملت أكلة تمام: طاجن بامية باللحمة، ورز بشعرية، وشوربة وكفتة، وصينية قرع عسل من اللي كانوا بيموتوا فيها وهم صغيرين.
هدى جت.
وريم كمان جت.
بس الكرسي بتاع مريم فضل فاضي.
أرن عليها تاني يا بابا؟
أنا اللي مسكت التليفون بنفسي.
رنة.
تنين.
خمسة.
عشرة.
خمسطاشر.
وأخيرًا ردت.
— ألو؟
— مريم!
سكتت لحظة.
بعدها سمعتها بتقول:
— آسفة… مين معايا؟
حسيت كأن حد ضربني بآلم على وشي.
— أنا أباكي يا هانم!
سكتت تاني.
— أه… خير يا بابا؟ في حاجة؟
شرحتلها إني جامعهم عشان نشوف مين اللي هيشيلني وياخد باله مني بعد ما مشيي بقى بتقطيم وصعب عليا.
ردها كان أبرد من التلج:
— مش هعرف أسافر دلوقتي، عندي شغل. اللي يلزمني بالقانون أدفع فيه مصاريفي لعلاجك وشيلتك، هحولهولك كل شهر.
— هو ده كل اللي عندك؟!
— حاليًا اه، لازم أرجع للمعمل دلوقتي.
وراحت قافلة السكة في وشي.
من كتر غلياني، ضربت بإيدي على الترابيزة.
بصيت للبنتين اللي خدوا الملايين:
— ماشي، مريم مش عاوزة تعرفني تاني. مين فيكم بقى اللي هتاخدني أعيش معاها في بيتها؟
هدى توهت عينها ونزلتها في الأرض:
— يا بابا… ابن أختك داخل على جامعة، والشقة دوبك على قدنا وصغيرة…
ريم نطت في الكلام على طول:
— ونحن والله يا بابا بظروف صعبة في شركة مدحت جوزي اليومين دول. وبعدين هدى قريبة منك أكتر.
— يعني بتحدفوني لبعض؟!
ولا واحدة فيهم ردت.
بصيت للترابيزة المليانة أكل وشرب وحسيت بالخزي والعار.
البنتين اللي اديتهم ثروة عمري بيدوروا على أي حجة عشان يخلوا مسؤوليتهم مني وما يشيلونيش.
والبنت اللي ما أديتهاش ولا مليم، على الأقل قالت إنها هشيل نصيبها وتتحمل المسؤولية.
ليلتها ما جانيش نوم.
قبل الفجر، لميت كام حتة هدوم في شنطة صغيرة.
كان لازم أسافر القاهرة.
كنت عاوز أبص في عين مريم وأسألها: إزاي هان عليكِ تنسي حتى صوت أباكِ؟
بس ما كانش يخطر على بالي أبدًا إن لما أوصلها وأشوفها… أنا اللي هتنكسر نفسي وأتحسر من اللي هشوفه.
الجزء الثاني
ركبت أول أتوبيس من طنطا لموقف عبود في القاهرة.
الحاجة الوحيدة اللي كنت عارفها إن مريم شغالة في مركز متخصص في ترميم الوثائق والمخطوطات. حتى مسمى شغلها بالظبط ما كنتش أعرفه.
طول السنين اللي فاتت كنت بكرر للناس إن بنتي بتكسب عيشها من “تصليح الكتب القديمة”.
لما وصلت، أخدت تاكسي.
أول ما السواق سمع اسم المكان، حواجبها اترفعوا من الذهول.
— أنت رايح تقابل حد شغال جوه يا حاج؟
— اه، بنتي.
— بسم الله ما شاء الله! ده المكان ده ما يدخلوش أي حد، لازم تبقى دماغ ثقيلة. دول بيرمموا وثائق تاريخية ومخطوطات ولوحات نادرة… حاجات تساوي ملايين!
ما ردتش عليه.
المبنى كان مستخبي ورا شجر ضخم، بعيد عن زحمة ووش الشوارع العمومية. في الاستقبال سألت عن مريم إسماعيل.
طلعلي راجل في الستينات من عمره يرحب بيا.
— أنت الحاج إسماعيل؟
استغربت جدًا.
— أيوة يا فندم، أنا.
— أنا الدكتور مصطفى، مدير قسم الترميم. مريم كلمتنا عنك كتير.
الكلام ده دبل أستغرابي.
— كلمتكم عني أنا؟!
ابتسم وقال:
— بتقول إنك كنت من أشطر أسطوات النجارة في طنطا.
حسيت بغصة في حلقي.
أخدني على مكتبه وبدأ يحكيلي حاجات كأنه بيتكلم عن حد تاني خالص غير اللي في بالي.
مريم ما كانتش موظفة عادية.
دي كانت واحدة من كبار الخبراء والاستشاريين في المركز.
ابتكرت طرق جديدة لإنقاذ الورق المتهالك، وكانت بتشارك في ترميم وثائق ومخطوطات من العصر المملوكي والعثماني، حاجات كان الدكاترة برة مصر فاكرين إنها راحت للابد وما لهاش علاج.
— هي حاليًا شغالة على قطعة أثرية نادرة جدًا —شرحلي—. ما ينفعش ندخل المعمل جوة، بس تقدر تشوفها من ممر المراقبة الزجاجي.
طلعت لوحدي.
ورا الأزاز الشفاف، شفت بنتي.
كانت لابسة البالطو الأبيض، والكمامة، والقفازات. قدامها وثيقة قديمة مليانة تشققات وبقع وأجزاء مفقودة.
وكان واقف حواليها تلاتة من كبار الخبراء الأجانب، أسن منهم بكثير، ومتابعين كل حركة من إيدها.
مسكت مريم ملقط صغير جدًا، وظبطت ألياف مجهرية كأنها مش باينة، وبعدها استخدمت فرشة رفيعة أوي.
ما حدش كان بيتكلم.
الكل كان مستني إشاراتها وتوجيهاتها.
البنت دي ما كانتش “بتلزق ورق مكسور”.
دي كانت شغال بنفس التركيز والشغف اللي كنت أنا من أربعين سنة بقضي بيه ليالي كاملة في الورشة بظبط وصلة خشب لحد ما تبقى حتة واحدة ومسطرة.
فجأة فهمت كل حاجة.
إحنا كنا شبه بعض بالظبط.
أنا أفنيت عمري في الخشب.
وهي، في الورق والذاكرة.
وأنا احتقرت وعاندت بالظبط الحاجة اللي كانت أكتر حاجة بتجمعنا وتوصلنا ببعض.
نزلت مكتب المدير وأنا رجليا مش شايلاني.
الدكتور مصطفى قال لي كلمة قسمت ظهري نصين:
— مريم ديماً بتقول إنها اختارت المجال ده بسببك. وهي صغيرة كانت بتشوفك بتطوع الخشب القديم والمقشر وتحوله لقطع فنية وعفش مالوش زي. كانت عاوزة تعمل نفس الشيء مع الوثائق اللي الزمن دمرها.
غطيت وشي بأيديا الاثنين.
وفجأة الباب اتفتح.
كانت مريم واقفة.


