
قبل شهر ولدت بنتي… ومن يومها حسيت إن حياتي كلها اتغيرت. رغم التعب وقلة النوم والأيام الصعبة اللي عدت عليّا بعد الولادة، كنت حاسة إني أسعد واحدة في الدنيا. وجوزي دانيال كان وقتها واقف جنبي بشكل خلاني أثق فيه أكثر من أي وقت فات. كان بيرجع من شغله بدري، يشيل البنت لما تعيط، ويقوم بالليل أحيانًا عشان يخليني أنام شوية.
كنت ببص له وهو شايل بنتنا وأقول لنفسي: “أنا محظوظة إن بنتي ليها أب حنين بالشكل ده.”
ماكنتش أعرف إن الراجل اللي كنت شايفاه أب مثالي… كان بيخبي عني سر كبير كل ليلة بيقلب موازين حياتنا.
السر بدأ يبان لما لاحظت توتر دانيال المستمر وتخفيه. كنت بشوفه كل ليلة، حوالي الساعة اتنين ونص الفجر، بيصحى بهدوء، يجهز شنطة صغيرة، ويخرج من البيت من غير ما ينطق بكلمة. ولما كنت أسأله الصبح، كان بيرتبك ويتهرب من الإجابة أو يغير الموضوع بطريقة غريبة.
التوتر ده بدأ يأكل من أعصابي، وخلق بيننا حاجز من القلق والشك. بقيت أسأل نفسي: “هو بيروح فين كل ليلة؟ وإيه اللي بيخبيه عني؟”
لحد ليلة عمري ما هنساها.
كنت نايمة جنبه وعملت نفسي غرقانة في النوم. لما سمعته بيتحرك ويفتح باب الشقة ويخرج، ما قدرتش أستحمل اكتر من كده. قمت بسرعة، لبست هدومي، ونزلت وراه في الشارع وأنا مرعوبة، لكن كان جوايا إحساس قاطع: “لازم أعرف الحقيقة.”
فضلت وراه من بعيد، لحد ما شفته بيدخل عمارة في شارع أعرفه كويس جدًا… شارع بيت حماتي آنا.
وقفت مكاني مذهولة. دانيال دخل العمارة، وبعد دقائق دخل شقة أمه. قربت ببطء لحد ما بقيت قدام الباب الموارب، وسمعت صوت طفل صغير بيعيط من جوا بطريقة وجعت قلبي.
بصيت من فتحة الباب، واللي شوفته جوه كان صاعق لدرجة جمدتني مكاني.
الجزء الثاني
دخلت الشقة وأنا مش حاسة برجلي، ومش قادرة أستوعب اللي قدامي.
حماتي آنا كانت قاعدة على الكنبة وفي حضنها طفل رضيع، ودانيال واقف جنبها وبيحاول يهدي العياط.
حماتي قالت له بصوت واطي:
— «كده يكفينا… بس حاول تلاقي حل دائم للموضوع ده.»
دانيال رد بتوتر:
— «أنا بحاول، بس لازم تاخدي بالك، لو مراتي عرفت اللي بيحصل هتعمل مشكلة كبيرة.»
قلبي وقع في رجلي.
فضلت واقفة مكاني وأنا بحاول أربط الخيوط ببعضها. مين الطفل ده؟ وليه جوزي بيزور أمه سراً كل ليلة عشانه؟ وليه خايف مني للدرجة دي؟
وفجأة، لما زاد عياط الطفل، قرب منه دانيال ولمس خده بحنان بالغ، وقال بصوت مكسور:
— «اهدي يا حبيبي… بابا معاك.»
كلمة “بابا” نزلت عليّا زي الصاعقة.
رجعت خطوة لورا، وبدون ما أفكر، فتحت الباب بعنف ودخلت.
الاتنين اتجمدوا مكانهم، ودانيال بص لي ووشه اتقلب تمامًا وقال:
— «إنتِ؟!»
صرخت فيه وأنا دموعي نازلة:
— «أيوه أنا! وعاوزة أفهم حالًا مين الطفل ده؟! وإيه السر اللي مخبيه عني كل ليلة؟!»
حماتي قامت بسرعة وقالت:
— «اهدي يا بنتي، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة خالص.»
ضحكت بوجع:
— «طب فهموني! أنا بقيت غريبة في بيتي؟! جوزي بيتهرب مني كل ليلة ويجي هنا، وفي طفل بينادي له بابا! مفروض أفهم إيه تاني؟!»
دانيال سكت لفترة، وبص للطفل نظرة مليانة حزن، وبعدين قال بصوت هامس:
— «ده ابني.»
حسيت إني اتضربت على دماغي. كررت الكلمة بعدم تصديق:
— «إيه؟! ابنك من مين؟!»
لما ما ردش، قربت منه أكتر وصرخت:
— «من مين يا دانيال؟! تكلم!»
وقتها حماتي نزلت راسها وقالت بصوت مكسور:
— «من بنتي… سارة.»



