
قعدت على حافة الكنبة، إيدي على بطني المنفوخة اللي خلاص فاضل عليها يومين وأولد، ونفسي طالع بصعوبة من كتر التقل. الشقة كانت هادية، وصهد الصيف خنق المكان، وصوت التلفزيون الصغير واطي في الصالة.
فجأة، الباب اتخبط خبطتين، ومن غير ما تستنى أقول “مين”، دخلت حماتي “أم جمال”.
دخلتها لوحدها كانت تقلق. لافة الطرحة، ولابسة العباية السمرا الخفيفة، وفي إيدها سبحة، وعينيها فيها انفعال واضح. قعدت قصادي على الكرسي الهزاز، وبصتلي من فوق لتحت وقالت بنبرة مفيهاش حنية:
– بصي يا سمر، فاضل يومين وتروحي المستشفى، وجمال ابن حيلتي طالع عينه في الورشة باليومية. الفلوس اللي حوشها بالعافية يا دوب هتسد حق الدكتور والمستشفى، وعشان كده ترفعي سماعة التليفون دلوقتي وتكلمي أمك.
بصيتلها باستغراب وقلت:
– أكلم أهلي أقولهم إيه يا خالة؟ الخير كتير والحمد لله، وجمال ربنا هيسرها معاه.
راحت ضاحكة بصوت عالي وضربت كف بكف:
– خير إيه يا حبيبتي اللي كتير؟ هي الولادة حاجة بسيطة؟ تقولي لأمك تعمل حسابها! تبعتلك حاجات الولادة والنفاس كاملة. بطتين، ولحمة، ورز وسكر، وخزين الشهر كله عشان البيت هنا ما ينقصوش حاجة ونقدر نستقبل الناس اللي جاية تبارك. والأهم من ده كله.. أبوكي يجيب للولد خاتم دهب أو حاجة بسيطة وهو جاي يبارك!
أنا بسمع الكلام وعيني اتسعت من الصدمة. أهلي ناس على قد حالهم، وأبويا راجل متقاعد ومش حيلته غير معاشه. هيجيبوا منين كل الحاجات دي؟
رديت ونبرة صوتي بتترعش:
– وأهلي مالهم بالحاجة دي أصلاً يا خالة؟! هو أهلي اللي متجوزين ولا أهلي اللي خلفوا الولد؟ الحاجات دي على جوزي، ومش أهلي اللي يشيلوا بيتك وبيتي!
أول ما نطقت الجملة دي، وش أم جمال اتغير تماماً. وقفت في وسط الصالة وراحت تتكلم بصوت عالي وهي بتهز إيدها:
– جرى إيه يا بت أنتِ؟! هتتفرعني علينا ولا إيه؟! جوزك شغال باليومية يا حبيبتي! يا دوب بيلقط رزقه يوم بيومه، هو هيدفع مصاريف الولادة والمستشفى ولا هيجيب أكل وشرب للبيت؟! إحنا ناس أصول، والواحدة لما بتولد أهلها بيساعدوها عشان ترفع رأسها قدام أهل جوزها!
وقفت بالعافية من على الكنبة، حاطة إيدي على ضهري من التقل، وقلت بصوت مكتوم:
– أنا متفقة معاه إني هاكل أي حاجة! الأكل الموجود في البيت هاكله، مش لو مكلتش فراخ ولحمة يعني خلاص مش هكمل؟ أنا راضية بقليلي وماشية على قد جيب جوزي، ليه تحملوا أهلي فوق طاقتهم؟
قربت مني خطوات، وقالت بنبرة حادة:
– أنا عايزة الناس تاكل وشنا؟! نقول للحارة إن ابننا مراته ولدت وأهلها ما جابولهاش حاجة؟! الواحدة بيجيلها نفاس يا ماما.. اتصرفي! أهلك يجبولك كل حاجة من الألف للياء.
سكتت لحظة، وبصتلي بصرامة وقالت:
– وإلا تروحي تولدي عند أهلك، إحنا مش ملتزمين!
وفجأة، وقفت في مكاني مش قادرة أتحرك. الكلمة وقعت عليا تقيلة. أم جمال سابتني وخرجت، وقفلت الباب وراها، وسابتني مع دموعي وتفكيري.
قعدت مكان ما كنت واقفة، مش قادرة أطلع السلم ولا أتحرك خطوة. أهلي اللي شايلين هم الدواء والمعاش بالعافية، يتقالهم يجيبوا حاجات للبيت كله؟ ولو ما جابوش أروح عندهم؟
الوقت عدى ببطء، لحد ما سمعت صوت خطوات جمال طالع على السلم. فتح الباب، وشافني قاعدة ودموعي نازلة وإيدي على بطني. جرى عليا وهو متخض:
– في إيه يا سمر؟ حاسة بحاجة؟ الولادة بدأت؟
بصيت في وشه، وشه اللي التعب باين عليه من شغل اليومية، وقلت بصوت متقطع:
– أمك يا جمال.. جاتلي وبتقولي أكلم أهلي يبعتوا حاجات الولادة وخزين وخاتم للولد، ولما قلتلها أهلي مالهم، زعلت مني وقالتلي يا أولد عند أهلي يا مش هتكونوا مسؤولين عني.
جمال سكت لحظة، ومسح وشه بإيده وقعد جنبي.
– أهو ده الكلام اللي كنت خايف منه.. أنا قايلها يا أمي إن اللي حوشته بالعافية مخصوص لمصاريف المستشفى، تقوم تضغط عليكِ في الوقت ده؟
قومني جمال وقعدني على الكنبة، ودخل الصالة يروح وييجي من شدة التوتر. كان واضح إنه محتار بين احترام أمه وبين مسؤوليته عن بيته ومراته.
فجأة سمعنا صوت الباب بيتفتح. دخلت أم جمال ومعاها أخته الكبيرة “صفاء”.
قالت أم جمال بصوت عالي:
– أهو جه جمال! سمعت بقى الهانم بتشتكيلك إزاي؟ بدل ما تقولك أهلها هيساعدوا، واقفة تقول أهلي مالهم!
رد جمال:
– يا أمي كفاية! سمر فاضل لها يومين وتولد. أهلها ناس على قد حالهم وأبوها على المعاش. هيجيبوا الحاجات دي منين؟ أنا حوشت مصاريف الولادة والحمد لله.
صفاء اتدخلت وقالت:
– جرى إيه يا جمال؟ هي الأصول بقت عيب؟ البنات لما بتولد أهلها بيساعدوها. ولا هي عايزة كل حاجة على جوزها؟
وقف جمال وسطهم، وبصلي وأنا عمالة أعيط. وفجأة حسيت بمغص شديد مسك في ضهري.
مسكت في دراع الكنبة وقلت بصوت ضعيف:
– جمال.. الحقني.. ضهري بيوجعني أوي.
جمال اتخض وبصلي، لكن أمه قالت ببرود:
– بتعملينا قصة عشان تهربي من الكلام؟ لو هتروحي المستشفى، اتصلي بأبوكي ييجي يساعد.
جمال صرخ:
– كفاية بقى! سمر تعبانة!
مسك تليفونه بإيد بتترعش، واتصل بأبويا:
– الحقني يا عمي.. سمر تعبانة أوي، تعالالي على المستشفى حالاً!
أم جمال وقفت مكانها وقالت:
– روح يا حبيبي اتصل بيه، خليه ييجي يشوف بنته ومصاريفها.
جمال ما ردش. بصلي بعينين مليانة خوف، وشالني بين إيديه وقال:
– افتحي الباب يا صفاء!
نزل بيّا السلم بسرعة، وخرجنا للشارع. الجو كان شديد الحرارة، وجمال بيحاول يوقف أي عربية:
– تاكسي! حد يوقف تاكسي يا ناس! مراتي تعبانة!
وصلنا المستشفى، ودخلوني فوراً للطوارئ. الممرضة بدأت تتحرك بسرعة، وسمعت صوتها وهي بتقول:
– حالة ولادة مستعجلة! جهزوا الأوضة فوراً!
بعد وقت قصير، وصل أبويا وأمي. أول ما أمي شافت جمال، جريت عليه:
– بنتي جرالها إيه يا جمال؟
أبويا وقف حاطط إيده على قلبه وقال:
– إيه اللي حصل يا بني؟ ما كانش فاضل لها غير يومين!
جمال نزل عينه للأرض ومقدرش يتكلم.
قبل ما يرد، خرجت الدكتورة وقالت:
– مين جوز الحالة؟
جمال تقدم بسرعة:
– أنا يا دكتورة! سمر عاملة إيه؟ والولد بخير؟
قالت الدكتورة:
– المدام تعرضت لإجهاد وضغط نفسي شديد، وده أدى لولادة مبكرة. الحمد لله لحقناها في الوقت المناسب. الطفل نزل قبل ميعاده، وحالته محتاجة متابعة دقيقة ودخول الحضانة فوراً.
كلمة “الحضانة” وقعت على جمال كأنها صدمة.
كملت الدكتورة:
– الأم حالتها مستقرة الحمد لله، لكن الطفل محتاج رعاية خاصة لفترة، والحضانة هنا ممتلئة. لازم تشوفوا مكان مناسب بسرعة.
جمال مسك رأسه وقال:
– أنا شغال باليومية يا دكتورة، أعمل إيه؟ اللي حيلتي كله مخصص للمستشفى.
في اللحظة دي، وصلت أم جمال وصفاء للمستشفى.
أمي أول ما شافت أم جمال، وقفت قدامها وقالت بغضب:
– أنتِ ضغطتي على بنتي لحد ما تعبت! كل ده عشان حاجات وطلبات مالهاش لازمة؟!
أم جمال ردت:
– إحنا مالنا؟ بنتك حساسة ومش بتستحمل الكلام!
صفاء قالت:
– روحوا دوروا على مكان للطفل، إحنا مش معانا فلوس للحضانة.
أبويا تقدم بخطوات هادية، وعينيه فيها دموع، وقال:
– الأصول إننا نقف جنب بعض وقت الشدة، مش إننا نختلف على حاجات بسيطة والست تعبانة.
ثم التفت لجمال وقال:
– أنت راجل يا جمال. مراتك جوه تعبانة، وابنك محتاج رعاية. هتعمل إيه؟
جمال وقف محتار بين كلام أمه وبين زوجته وابنه.
وفجأة، خرجت الممرضة بالطفل في حضّانة متنقلة، وبدأت تجهزه للنقل لمكان رعاية مناسب.
جمال بص للطفل، وعينه دمعت. بعدها التفت لأمه وقال بصوت حاسم:
– بس بقى! كفاية كلام!
جري على أبويا، ومسك إيده وقال:
– يا عمي، أنا مسؤول عن سمر والولد. هتصرف في أي حاجة أقدر عليها، المهم الاتنين يكونوا بخير.
أم جمال قالت:
– هتبيع شغلك عشانهم؟!
جمال بص لأمه وقال:
– ربنا مش هيسامحني لو سبت مراتي وابني وقت احتياجهم عشان كلام الناس.
أبويا حط إيده على كتف جمال وقال:
– شغلك مش هيتباع. أنا معايا اللي أقدر عليه، وهساعدكم على قد استطاعتي. بس عندي شرط.
بص لأم جمال وقال بحسم:
– سمر وابنها مش هيرجعوا يعيشوا في بيت العيلة بالشكل ده. بنتي هترجع معايا، وبعدها كل واحد يعرف مسؤوليته وحقه.
وفجأة، اتفتح باب الأوضة، وخرجت الممرضة بتنادي:
– المدام سمر فاقت واستقرت، وعايزة تشوف جوزها وأبوها فوراً!
بص جمال لأبويا، وبعدها اتحرك بسرعة ناحية الأوضة، وهو لأول مرة حاسس إن لازم يحط بيته ومراته وابنه في المكان الأول.



