Uncategorized

جوزي كان دكتور حكايات بسمة

زل لدرجة الهمس
أنا.. أنا كنت مضغوط.. والعمليات كانت ورا بعضها، وكنت فاكر إنها بقت كويسة ومسألة وقت.. أنا محتاج أكلمها! هي فين يا سارة؟! خليني أشوفها وأفهمها بنفسي!
سارة المحامية وقفت وردت بصرامة
مش هتعدي من بابها يا محمود. التسوية المادية معروضة عليك بالعدل البيت يتقسم بالنص، وكل واحد ياخد حسابه وعربيته.. توقع وتطلق بهدوء، ولا نحولها لقضية وزيادة عليها تفاصيلانية مش هتعجبك؟
محمود وقف پغضب، وحاول يرجع كبرياءه المفتعل
مش هوقع! وهي مش هتطول مني حاجة! وخليها أعلى ما في خيلها تركبه!
ساب المكتب وخرج يبتدئ حرب قضائية عشان يثبت لنفسه إنه هو اللي صاحب اليد العليا.. بس محمود ما كانش يعرف إن الضړبة الكبيرة مش جاية من المحكمة.. الضړبة كانت جاية من جوة سستم المستشفى نفسه!
قبل ما أخرج من المستشفى بيوم واحد..
لما كنت ممددة على السرير وبراجع السجلات على التابلت بتاعي كمدققة جودة عشان أشوف بروتوكول العزل، بالصدفة المجرّدة عيني وقعت على حاجة غريبة جداً في سجل المشتريات والطلبيات الطبية الخاصة بالقسم اللي محمود شغال فيه.
بحكم شغلي، أنا بعرف أقرأ الأرقام الكودية لأدوية التثبيط المناعي اللي بتستخدم لمرضى زراعة الأعضاء.
لقيت إن قسم جراحة القلب استلم 50 عبوة من دواء مستورد دقيق جداً ونادر لمنع رفض الأعضاء.. بس السجلات الإدارية للمرضى اللي اتعملت لهم عمليات في المشروع ما كانش مقيد فيها غير استهلاك 20 عبوة بس!
فيه 30 عبوة اختفوا في ظرف شهرين!
سعر العبوة الواحدة يتعدى ال 100 ألف جنيه، غير إنها غير متوفرة في السوق المصري وبيتم استيرادها باسم الدولة والمشروع القومي فقط!
ما سكتش. كمدققة جودة، حطيت الكود في السستم الداخلي الخاص بالهيئة الرقابية الصحية اللي أنا تابعة ليها، وعملت تتبع لشحنة الدواء المفقودة.
والمفاجأة؟
ال 30 عبوة دول اتصرفوا بروشتات تحمل التوقيع الكودي للدكتور محمود.. وتم نقلهم لمستشفى خاص شهير في التجمع الخامس، لمرضى بيعملوا عمليات زراعة أعضاء بعيداً عن الرقابة والمشروع القومي لحساب رجال أعمال وأجانب بفلوس خيالية!
محمود ما كانش بس مهمل وقاسې مع مراته.. محمود كان داخل في شبكة إعادة بيع وتهريب أدوية بروتوكولات زراعة الأعضاء لحسابه الخاص بالتعاون مع إداريين في المستشفى!
السر اللي مكتوب في ملف المستشفى ما كانش مجرد إثبات إهماله ليا.. ده كان ملف قضية فساد كاملة كفيلة برفع الحصانة عنه، وسحب رخصة ممارسة المهنة، وسجنه سنوات طويلة!
بعد أسبوعين من وصول إعلان الطلاق لمحمود..
كنت قاعد في كافيه هادي في مصر الجديدة بشرب قهوتي، وببص للشمس اللي بدأت تطلع بعد أيام المطر الكئيبة. صحتي بدأت ترجعلي، ووزني بدأ يتعوض، وشكلي بقى فيه روح من جديد بعد ما فارقت البيئة السامة اللي كنت عايشة فيها.
تليفوني رن.. كانت سارة المحامية
سارة.. محمود رفص يوقع على تسوية الطلاق وناوي يماطل في المحاكم وېهدد بإنه يطالب ببيت الطاعة!
ابتسمت بهدوء، وقلت لها
خلاص يا سارة.. أطلعي بالكرت اللي معانا.
في نفس اليوم..
أرسلت الملف الإلكتروني الكامل الخاص بتتبع شحنات الدواء والروشتات المفتعلة لأعلى جهة رقابية في وزارة الصحة والإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة، مع نسخة موجهة للعميد ونقيب الأطباء.
اللي حصل بعد كده كان زي الزلزال!
تاني يوم الصبح.. ومحمود داخل المستشفى بكامل شياكته عشان يستلم منصبه الجديد كنائب لمدير قسم الجراحة، لقيت القوة الأمنية وهيئة الرقابة الإدارية بانتظاره في الردهة الرئيسية!
قدام كل الدكاترة، والممرضات، والعمداء اللي كان بيكافح عشان يترقى وسطهم.. اتفتحت الكلبشات في إيديه!
دكتور محمود.. أنت مقبوض عليك پتهمة الاختلاس، وتهريب أدوية مدعمة

من مشروع القومي لزراعة الأعضاء، والإضرار العمدي بالمال العام وتزوير روشتات طبية!
محمود وشه اسودّ تماماً.. بص حواليه بذهول وصدمة، وصړخ وهو بيتسحب لبره المستشفى
مين اللي عمل كده؟! مين اللي بلغ المفروض البيانات دي مشفرة وماحدش يقدر يوصلها؟!
المحقق بص له ببرود وقال
البلاغ جاي من مدققة جودة طبية معتمد رسمياً.. وقدمت تتبع رقمي مقفول بالثانية والدقيقة من السستم بتاعكم!
ساعتها بس.. محمود فهم!
فهم إن المظلومة اللي سابها ېموت أملها في الدور ال 17، واللي كان فاكرها مجرد ست ضعيفة مريضة هترضى بقضائها وتعيش في الظل.. كانت هي الشخص الوحيد اللي يملك المفتاح اللي يدفن مستقبله للابد!
مرت 3 شهور..
محمود قبع في السچن الاحتياطي على ذمة قضية الأموال العامة، وصدر قرار بإيقافه عن العمل وسحب رخصته الطبية لحين المحاكمة اللي كانت مؤشرات الأدلة فيها بتأكد حكم مشدد مش هيقل عن 10 سنين.
ومن جوة سجنه.. لما أدرك إن حياته ومستقبله انتهوا، وإن القضية هتدمره كلياً، طلب يقابل سارة المحامية من غير شروط.
وقع على ورق الطلاق الرسمي، وتنازل عن حصته في شقة الزمالك كاملة كنوع من الاسترحام، وعشان يترجاني أغير أقوالي أو أقول إن فيه خطأ في التقرير التقني.
بس أنا ما روحتش ولا زورته.. ولا قبلت أقابله.
يوم صدور وثيقة الطلاق الرسمية..
أخدت الورقة بإيدي.. وقفت قدام النيل في الزمالك، والهوا بيطير شعري.
بصيت للوثيقة المكتوب فيها اسمي واسمه مجردين من أي رابطة.. حسيت إن كابوس تقيل أوي انشال من على صدري.
صاحبتي سارة كانت واقفة جنبي، ومسكت إيدي بتأثر
سارة.. أنتِ ندمانة على أي حاجة؟
هزيت راسي بالنفي وابتسمت ابتسامة صافية طالعة من چروح طابت بالكامل
عمرري ما أندم.. المړض خلع عن وشه القناع، والجودة اللي شغالة بيها في شغلي علمتني إن أي حاجة معطوبة وما تنفعش تتصلح.. لازم تنشال من حياتنا عشان نعرف نعيش.
رجعت لشغلي بقوة أكبر.. أترقيت في الهيئة الرقابية وبقيت مسؤولة عن تدقيق جودة أداء المستشفيات الكبرى في مصر، وعشت في شقتي الجديدة المستقلة براحة بال وأمان عمرهما ما يدفعوا بتمن.
ومحمود.. قعد في ظلام سجنه، يتفكر كل يوم في ال 10 أيام اللي استخسر فيهم يركب الأسانسير لمراته.. ال 10 أيام اللي كانوا كفيلين ينقذوه من أبواب جهنم اللي فتحها على نفسه بغروره وقسوته!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى