
وهي في الشهر السادس من الحمل، نسرين استلمت ورقة طلاقها واكتشفت إن زوجها بقاله 10 سنين خالد، مخلف من واحدة ثانية اسمها داليا وحامل منه في الشهر الثالث! خالد كان فاكر إنه ساب لها بيت قديم حيطانه متهالكة في شبرا عشان يذلها، بس لما نسرين راحت ترمم البيت، لقت جواب أصفر مخفي جوة حيطة مفرغة كتباه جدة خالد قبل ما تموت، مكتوب عليه للست اللي خالد هيفتكر إنه سابها من غير ولا مليم!
والجواب كان فيه تحذير إن فيه 4 حيطان ثانيين مستنيين يتفتحوا.. وعرفت إن حياتها كلها كانت عبارة عن كذبة كبيرة!
نسرين كانت عندها 37 سنة، حامل في الشهر السادس، وللأسف اكتشفت إن جوزها بقاله سنتين بيخطط وبيرتب إزاي يطلقها ويطلعها من المولد بلا حمص وبدون أي أصل أو مليم!
في الليلة دي، خالد ساب جواب على ترابيزة السفرة في شقتهم في مدينة نصر، جنب كوباية الأعشاب اللي نسرين ما لحقتش تشربها.. وكان جوة الجواب أوراق الطلاق الرسمية!
داليا حامل في الشهر الثالث.. خالد قالها وهو بيهرب بعينيه بعيد عنها، أنا عايز أبدأ حياة جديدة معاها.
نسرين حطت إيديها الاتنين على بطنها بصدمة.. على مدار سنين، هي وخالد حاولوا بكل الطرق يأتوا بطفل، لفوا على دكاترة وتحاليل، وعاشوا أمل مكسور وشهور من السكوت والوجع.. ودلوقتي، لما أخيرًا ربنا كرمها بالحمل، جاي يقول لها إن فيه واحدة ثانية حامل منه كمان!
خالد كان بيتكلم ببرود كأنه بيقفل صفقة تجارية الشقة هتفضل باسمه، وورشة الأثاث والديكور اللي بنيوها سوا على مدار 10 سنين هتكون ليه، وأغلب التحوشيات والمبالغ اللي في البنوك نقلها لحسابات ثانية نسرين يادوب بدأت تكتشفها.
وما كانش عايز يسيب لها غير حاجة واحدة بس..
بيت قديم جداً ملك أجداده في حي شبرا!
البيت شبه مهدوم ومتهالك.. كمل باستخفاف، بس قانونياً ممكن يتكتب باسمك تقديراً للي بيننا.
ده نفس البيت اللي خالد طول عمره بيكرهه ويستحقره.. جده أحمد كان بناه بإيديه حيطة حيطة، وجدته فاطمة عاشت فيه لحد ما ماتت.. ومن يومها وخالد رافض حتى يحط رجله فيه!
بالنسبة له، البيت ده كان بيذكره بالفقر..
أما بالنسبة لنسرين، فالبيت كان فيه حاجة دافية وروح مش عارفة تفسرها.
من شهور، كانت اقترحت عليه يجددوه ويرمموه..
خالد ساعتها اتنرفز بجنون: بلاش تضيعي وقت وفلوس في الخرابة دي!
دلوقتي بس فهمت هو ليه كان مستعد يسيبه لها بالسهولة دي..
أو على الأقل، كانت فاكرة إنها فهمت!
بعد يومين، نسرين راحت شبرا ومعاها أختها منى.. ما كانش معاهم غير شنطتين هدوم، شوية أدوات وعدة حفر، فايل فيه أوراق رسمية، وحزن مش عارفة تحوله لإيه.
واجهة البيت كانت مليانة رطوبة، والبياض بيمع ويقع.. وفيه شجرة مجنونة مغطية جزء من الحوش، والشبابيك غرقانة تراب من سنين.
خالد إداكي الخرابة دي عشان يذل كبرياءك يا نسرين.. منى قالتها بأسى.
نسرين اتنفست بععمق: يبقى أنا هحول ذله ده لبيتي وأماني!
وهم بينضفوا المطبخ القديم، ظهر سيف، ولد عنده 10 سنين ابن جيرانهم في الشارع.. دخل وهو بيزق عربية لعبة صغيرة وبدأ يمشي وراهم من أوضة لأوضة.
وهو بالذات اللي سأل السؤال اللي قلب كل الموازين!
هي ليه الحيطة دي صوتها مختلف عن باقي الحيطان؟
منى خبطت بصوابعها على الحيطة..
جزء منها طلع صوت مكتوم وصلب..
والجزء الثاني رد بصدى صوته مفرغ من جوة!
نسرين مسكت شاكوش صغير، وبحرص شالت حتة من المحارة والجبس..
وراها ظهرت فتحة ومكان مستخبي!
جوة الفتحة كان فيه صندوق ملفوف بقماش، وجواب أصفر قديم..
على ظهر الجواب، وبخط ست واضح وجديد، كان مكتوب:
للست اللي خالد هيفتكر إنه سابها من غير ولا مليم.
نسرين فتحت الجواب..
قرأت 4 سطور بس قبل ما تتخشب في مكانها وما تنطقش بكلمة!
فاطمة، جدة خالد، كانت سايبة رسالة..
وكانت بتقول إن دي مجرد الحيطة الأولى بس.. ولسه فيه 4 حيطان ثانيين مستنيين يتفتحوا!
يا ترى إيه الكنز أو السر المرعب اللي مخبياه الجدة فاطمة جوة الحيطان الخمسة؟ وإيه الانتقام اللي هيقلب حياة خالد وداليا رأسًا على عقب لما نسرين تفتح باقي الحيطان؟ اللي جاي كشف مستور ومفاجأة تزلزل القلوب ما تخطرش على بال حد!
الجزء الثاني
السطور الأربعة كانت كفيلة تجمد الدم في عروقي.. كنت واقفة ممسكة بالجواب الأصفر بين إيدين مرتعشة، والحروف بتتراقص قدام عينيّ كأنها بتقول لي انتبهي.. ما كل ما يُرمى يُنسى، وما كل ما يُخفى يبقى مدفونًا!
كملت القراءة بصوت مكتوم، ومنى كانت قاعدة جنبي وماسكة إيدي بكل قوتها:
بنيت الحيطة دي أولًا عشان أوصلكِ الرسالة قبل أي حاجة. خالد مش سابكِ هنا عشان يكرمكِ.. سابكِ عشان يظن إنه خلص منكِ ورماكِ في النسيان. هو ما يعرفش إن كل طوبة في البيت ده شهدت عليه وهو صغير، وكل زاوية فيها سرّ بيستنّى يوم يطلع للنور.
دي أول حيطة.. ولسه فيه أربع حيطان ثانيين كل واحدة بتحمل سرّ شكل، وكل واحدة بتقول حقيقة هو خباها من سنين. افتحيهم بالترتيب يا بنتي.. وكل ما تفتحي واحدة، هتعرفي سبب خوفه من البيت ده، وسبب كذبه اللي بناه فوق راسكِ عشر سنين.
وأهم حاجه لا تخبريه بشيء حتى تكملي الكل.. الصبر يا نسرين.. الصبر مفتاح الفرج، والحق بيطلع مهما طال الزمان.
سقط الجواب من إيدي على الأرض الطينية.. سيف الولد الصغير كان واقف عند الباب ومش عارف يفهم إيه اللي حصل:
هي أنتِ حزينة يا ست نسرين؟
بصيت له ودمعي نزلت على خدي: لا يا حبيبي.. مش حزينة.. بس مصدومة.. ومستغربة قوي لحد ما أستوعب.
منى مسحت دمعتي بكمها: تعرفي إيه يعني ده؟ يعني الجدة فاطمة كانت عارفة.. كانت عارفة إنه هيكسركِ ويخونكِ قبل ما تموت!
أيوة.. بس ليه ما قالتلهوش هي بنفسها؟ ليه سابت الأمانة ليا أنا؟
لأنها عرفت إنكِ الوحيدة اللي هتصونها.. وإنكِ اللي هتقف قدامه لما يخرب كل حاجة.
نظرت للحيطة اللي فتحناها.. الفتحة كانت صغيرة بس عميقة، والصندوق اللي طلعنا منه الجواب كان محتاج نرجعه مكانه بحرص:
هنكمل.. قلت بتصميم نابع من عمق وجعي هنفتح الحيطان الأربعة التانيين بالترتيب.. واحدة كل يوم.. ونعرف إيه اللي جواهم.
بس نسرين.. أنتِ حامل في السادس.. ده مجهد ومتعب قوي.
والوجع اللي في قلبي أثقل وأقسى يا منى.. ده بيتكلم.. وبيقولي إن حياتي ما كانتش كذبة بس.. كانت مخططة من ورايا.
بدأت من اليوم التالي.. الحيطة الثانية كانت في أوضة النوم القديمة، اللي كانت نافذتها موصدة بقطع خشب من سنين.. لما بدأت نكسر المحارة، شعرت بيد بتمسكت كتفي بصوت خفيف، كأنها بتقول اقتربي.. الحقيقة جاية.
جوة الحيطة التانية لقينا صندوق جلدي قديم، وجواه دفتر مذكرات بخط الجدة فاطمة.. أول صفحة كانت بتاريخ من 15 سنة، وبتقول:
اليوم كمل خالد 22 سنة.. قلتله إني خايفة عليه من الطمع اللي بيلعب في عينيه.. ضحك وقال لي أنتِ بتخافي عليّ من الهوا يا تيتة! بس أنا شايفة الطمع واضح زي الشمس.. هو بيحب الفلوس أكتر من أي حاجة.. وأخاف يوم يبيع كل حاجة عشانها.. حتى ضميره.
قلبت الصفحات بتردد.. كل يوم كان بيكتب فيها ملاحظة صغيرة عنه، وآخر مدخل كان قبل وفاتها بشهر واحد:
عرفت إنه بيتقابل مع واحدة اسمها داليا.. شفتها من الشباك مرة.. وملامحها مش توحي بخير. خايفة يا رب.. خايفة يخون اللي اختارته من بين الكل.. نسرين البنت الطيبة اللي جابها من وسط الناس دي هتتعذب وما حدش هيدري بيها.. سبتلها المفاتيح والأماكن.. عشان تيجي يوم وتكشف كل حاجة.
قلبي اتقطع.. الجدة كانت عارفة حتى اسم داليا!
يعني ده كله كان مخطط؟ سألت نفسي بصوت مسموع يعني هو عرف داليا من قبل ما يتجوزني؟
مش بس عرفها.. كان متواصل معاها طول السنين ردت منى بمرارة السؤال بقى إيه اللي جوا باقي الحيطان؟


